13 تموز 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

كانت الحرب ورقة فلسطين الوحيدة، مقابلة مع محمد نعيم

محمود مروّة

27 تشرين الأول 2023

من ملف المعركة
نعيم: أرى أنّ غزّة فجّرت نفسها في المشهد الإقليمي وأعلنت حرباً انتحارية (الرسم: بيسان عرفات ©)

أذكره المثقف الماركسي المصري محمد نعيم يكتب في إحدى مقالاته قبل أكثر من ثلاث سنوات: «ينسى بعضهم أنّ الأصل في العداء العربي الإسرائيلي هو الوجود الإسرائيلي نفسه وليس المأساة الفلسطينية الناتجة من هذا الوجود». كانت القضية الفلسطينية آنذاك في شباط/فبراير 2020 تصفّى في مزاد تنازلات «صفقة القرن»، والعالم العربي يتحضّر لسلسلة من اتفاقات التطبيع.

لكنّ هذا المسار الذي راح يترسّخ في السياسة الإقليمية لم تقطعه سوى هزيمة إسرائيل عسكرياً وأمنياً واستخبارياً في السابع من تشرين الأوّل/أكتوبر. كذلك تفعل الحرب الدائرة، إذ تعيد وسط بروباغندا إسرائيلية مهيمنة، ووسط احتضان غربي لإسرائيل يكاد يكون وجودياً بالفعل، تعريف مسلَّمة: «الأصل في العداء (...) هو الوجود الإسرائيلي نفسه».

الأرجح أنّ الأنباء كانت ستكرِّر حالها في ذاك اليوم بتحليلات وبتسريبات في الصحف العبرية والغربية عن أنّ السعودية شارفت على اتفاق يضمّها إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ومن شأنه تغيير «كلّ شيء» في الشرق الأوسط. لكنّنا أفقنا على سيل جرَفَنا بأخباره العاجلة والفيديوات التي توثّق أحداثاً سنعرف لاحقاً أنّها هي التي كانت تغيّر «كلّ شيء».

«لقيت أصدقاء على وسائل التواصل الاجتماعي مش مشهورين بالتفاؤل خالِص، بِيِكتبوا بوستات أو تدوينات فيها قدر من السعادة... فما فهمتش!»، يقول محمد نعيم الذي عرِف في السنوات الأخيرة بكتاباته في موقع المنصة المصري وقبل ذلك في مدى مصر. كانت قد تعذّرت عليه متابعة ساعات الحدث الأولى «بسبب السفر وفرق التوقيت»، ولكن: «لمّا دخلت وبدأت أفتح تويتر ثم مواقع إخبارية، أدركت الحقيقة إنّها حرب ومش عملية لإنْ النطاق كان واسع جداً وفق المعلومات الأوليّة».

يختزن نعيم الذي يبدو على قلق دائم لإخفاق الثورة المصرية والربيع العربي عامةً بعد نشاطه وإيمانه بهما، موقعاً شخصياً في أيّ حرب ضد إسرائيل: «أنا إنسان أهله من مدينة السويس وتم تهجيرهم قسراً بعد حرب 1967»، لكنّه يحاذر وضع نفسه مكان ابن غزّة لحظة تجاوزَ السياج وصار خلف خطوط العدوّ: «لا أستطيع أن أتمثّل وعيه بوجوده وبحياته (...) أنا لم أقضِ عمراً داخل سجن مراقب 24 ساعة يومياً»، مضيفاً: «أعتقد أنّه إذا تمكن الإنسان من أن يغادر بقوّة سلاحه أسوار هذا الغيتو الواسع، ستنفلت منه أشكال السلوك الإنساني كافة... الانتقام والرحمة، العفو والقسوة، الأمر متروك له».

كان «شعور بالاعتزاز بأنّ عملية واسعة ومنظمة نُفِّذت» يولد حين راحت الأنباء تتهافت عليه. وخوف؟ «ما كنش في خوف لإنْ في تقديري المنطقة في حالة موات والبشر فيها مسحوقين إلى حدود لا يعني فيها الخوف أيّ شيء».

 

لماذا؟ أيّ شرق أوسط كان أمامك عشية السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟

أنا أمام أمّة عربية غالبية شعوبها محطّمة بقدر، ولو اختلفت الملابسات والمداخل. فثمّة شعوب تحطّمت ثورتها الديمقراطية والاجتماعية وجاء حكم عسكري لإدارة ثورتها المضادة كحال مصر، وتونس بدرجة أقل فجاجة. وهناك شعوب أُبيدِت وتُباد فيما يتم بالتوازي التصالح والتطبيع مع إبادتها وشتاتها، كحال نكبتنا السورية.

وثمة شعوب أخرى في المنطقة تتفكك أوصالها وتحتدّ صراعات مكوّناتها لترتد بها إلى ما قبل صيغة الدولة الوطنية مثل في اليمن وليبيا والسودان، وذلك لصالح اللاشيء السياسي، سوى لاستمرار الصراع بلا أفق.

 

وضعنا يكفي ليغري إسرائيل بخفض قيمة الوجود الفلسطيني

 

الأخطر أنّ بسبب ذلك كلّه، وبالتوازي، ثمّة مكوّنات عربية أخرى تمتلك من الوفرات المالية والقدرات الاستثمارية السائلة ما مكّنها من القدرة على اختراق العالم المالي والاقتصادي الغربي، والبنية الرأسمالية المعولمة. هي تسعى لإيجاد موطئ وسيطرة داخل هذا المشهد العربي التعِس، بل وأحياناً الاستثمار في خرابه واستغلال رثاثته وتحطمه السياسي والخطابي. نرى ذلك جيداً في الإمارات المندفعة وقطر المراوغة والسعودية الحذرة بحكم ثقل دورها ومحوريته.

يتخذ ما سبق أشكالاً مختلفة ومتفاوتة ولكنّها اخترقت المستويات كلها. مثلاً السيطرة على المجال الرقمي العربي، الهيمنة على مجمل المشهدين الإعلامي والثقافي، وصولاً إلى الحضور في خطط إعادة إعمار سوريا المدمّرة فوق جثث أبنائها، وإلى خنق لبنان اقتصادياً، والسعي إلى شراء الأصول العامة المصرية، وتمويل الحروب في السودان وليبيا واليمن. هذه مجرّد أمثلة عشوائية على اختلاف أثرها.

وعليه، فأنا أرى منطقةً في وضع أسوأ بكثير من أن يؤدى اندلاع حرب فيها إلى عودتها إلى الخلف، أو أن يعطّل مسيرة نهضتها لا سمح الله! لقد كانت حروب إسرائيل ضدنا في الماضي إحدى أسباب تعطّل تقدّم ونمو بلدان بعينها في المنطقة ومنها بلدي مصر. أعتقد أنّ ليس أمام إسرائيل اليوم مسيرة تقدّم عربية لتعرقلها، بل في الواقع إنّ خططها هي المعرّضة للعرقلة الآن، وتحديداً شراكتها الإستراتيجية مع الإمارات، والسعودية ربما.

ففي مصر، بدأت نسبة من الطبقات الوسطى والدنيا تقترب من حواف الجوع فعلاً، وفي إيران يجتاح الإيرانيون شوارع مدنهم الكبيرة والصغيرة احتجاجاً، ويُقتل المئات منهم وربما الآلاف في آخر خمس سنوات. ولبنان حالته الاقتصادية ما بعد البشاعة بكثير. والسوريون نعرف ماذا حصل لهم بعدما صاروا وسيلة الإيضاح و«بياناً على المعلم» لكيفية التنكيل والحط من قيمة النفس البشرية لسكان هذه المنطقة...

هذا هو الوضع... هو وضع كافٍ ليغري إسرائيل بخفض قيمة الوجود الفلسطيني إلى حدود الحضيض والإبادة، وهذا ما كانت مكبّلة في السابق عنه. ولكن ما لا يدركه الإسرائيليون أنّهم سيدفعون كذلك ثمناً باهظاً، سيصيرون هم الآخرون إحصائية وأرقاماً، فهم ليسوا استثناء ولو ظنوا.

أيضاً لا يمكن النظر إلى المشهد الحالي من دون النظر إلى المشهد الدولي بمجمله، حيث جرت استساغة واستسهال تفجير حرب في أوروبا نفسها، ثمنها سقوط نحو نصف مليون إنسان بين قتيل ومصاب ما بين روسيا وأوكرانيا حتى لحظتنا هذه. نحن في عالم لم تعد الحروب وإشعالها يخيفانه. هو غدا معتاداً الحرب، والولايات المتحدة تطلق حروباً في العالم، أو أنّها تساعد على إشعالها واستمرارها، وروسيا لا تجد غضاضة في ارتكاب ممارسات إباديّة بدعوى أنّها مهددة وجودياً...

كما أنّ هناك أزمة متفاقمة لا تخطئها العين، تعاني منها بنية النظام الرأسمالي العالمي منذ عام 2008. لم تتصاعد هذه الأزمة ولكنّها لم تعالج ولم تتوقف، وجاء وباء كوفيد ليعلن استئنافها من جديد وبعنف. الكارثة هي في محاولة علاج هذه الأزمة بالحل القديم الجديد الغبي، أي عبر إشعال أزمات سياسية يفرض فيها السلاح كلمته ليستردّ المكوّن العسكري للإمبراطورية الرأسمالية عافيته، وأعني هنا الجيش الأميركي بالتحديد. وذلك بالشكل الذي يساعد الرأسمالية الأميركية - التي تمثّل ربع اقتصاد العالم وحدها - على فرض شروطها الاقتصادية على شركائها قبل أعدائها. هذا ما يحدث حالاً والآن. الولايات المتحدة تعسكِر العالم من جديد فيما هو يمتلك ألف سبب لفنائه النووي.

بالتالي نحن لا نستطيع أن ننكر، أو نتفادى أنّ المشهد العالمي منفلت بأكمله، وأنّ الحلقات الأضعف فيه، وإسرائيل واحدة منها، ستكون في انفجارها شديدة الانفلات. وأنا لا يمكن أن أرى السابع من تشرين الأول/أكتوبر بمعزل عن هذا الانفلات المتصاعد. ففجأة قبل شهر يتم الإعلان عن إنشاء خط تجاري يبدأ من الهند وينتهي عندنا في المنطقة، في تل أبيب ويمرّ من الإمارات وعبر السعودية والأردن بخطوط سكة حديدية، ويُعلَن عن ذلك بواسطة الأميركيين باعتباره خبراً مهدى إلى البشرية جمعاء.

هكذا وفجأة يعاد تشكيل حركة التجارة في المنطقة والعالم في معزل عن الفلسطينيين وعن دول مثل مصر وإيران وتركيا. وبالتعريف، إنّ المحاور التجارية هي التي تنشئ المحاور السياسية، فيما أنت تعلِن فجأة عن مشروع أهميته بقدر أهمية اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح أو شق قناة السويس!

في طيّات هذا، أنت تعلن أنّ المسألة الفلسطينية قد انتهت، كما لو أنّ لا أحد هناك! ما الغريب إذاً لو حاول سجن غزّة تفجير نفسه!

 

بالتالي يفسِّر هذا المشهد المركّب قرار حماس بلعب أوراقها كافة وبضربة واحدة؟

«الفلسطينيين ما عندهمش أوراق» غير العودة إلى واجهة الحدث مجدداً ولو عبر فعل انتحاري. فالسلطة الفلسطينية في الضفة لم تعد إلا شرطة إسرائيلية تابِعة، تعِسة، إلى حدود يصعب الإمساك بأطراف تعاستها، وفي الوقت نفسه حركة حماس رغم امتلاكها القوّة العسكرية التي أثبتت نفسها في أكثر من محطة، إلا أنّها بلا عقل سياسي يمكِّنها من قيادة المشهد الفلسطيني بحيث يكون على مستوى الموقف، فضلاً عن أنّها غير قادرة على أن تكون جزءاً من إطار فلسطيني واسع يمثّل الحركة الوطنية الفلسطينية.

إذن الأصل في لحظة التفجّر هو أنّ الوضع السياسي الفلسطيني مأزومٌ تنظيمياً وخطابياً، ويحتاج إلى جهود وقيادة سياسية تتجاوز جثة أبو مازن وسبابة إسماعيل هنية، وفي النهاية لن يستطيع محمد الضيف وبطولته قيادة القضية الفلسطينية من تحت الأرض وفوقها.

كان الفعل السياسي الفلسطيني في السنوات الماضية محمولاً على الفلسطينيين داخل إسرائيل، وكان يتصدى لها على أرضية المطالبة كسكان أصليين بالمساواة داخل دولة أبارتهايد تعلن يهوديتها ولا تبالي بالمرّة، ويحدث ذلك بينما تبدو المخططات الإسرائيلية أكثر نكبويّة من حدود هذا الخطاب «المدني» الذي يراهن على ضمير «العالم المتمدّن».

المشهد الفلسطيني إذاً هو مشهد مرتبك، ومن داخل هذا الارتباك والتفكك وعدم وجود رؤية واضحة للاشتباك مع الحالة الإسرائيلية دفعت حماس الأسئلة إلى الأمام عبر خلق أزمة كبيرة بإعلان حرب انتحارية في لحظةٍ كانت إسرائيل قد وصلت بالفعل إلى حالة استذءاب تام وعصابى يجعلها دولة غير قابلة للعيش.

 

ستكون إسرائيل أشبه بمستوطنة كبيرة

 

أيّ إسرائيل كانت عشية السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟

كنتُ متابعاً جيداً لإسرائيل، ولكن كفاعل سياسي مصري كنت منغمساً تماماً في الثورة المصرية وفي الربيع العربي من 2009/2010 إلى 14/15. وفي الحقيقة، بعدما عدت لأتأمل فيها من جديد بدت لي بلداً آخر ينحطّ، كما لو أنّها استغلت فشل الربيع العربي لتطلق ما في جعبة يمينها ليغدو أكثر يمينية إلى حدود الصهيونية الدينية والأمن-عسكرية-دينية وكل ما يمكن تخيّله... بل إلى حدود تُفكِّكهم هم أنفسهم. ورأينا بأعيننا في الأشهر الماضية حروبَ شوارع يتّهم فيها اليمين الأكثر تطرّفاً اليمين الأقل تطرّفاً بأنّه يتلقى تمويلاً أجنبياً من الولايات المتحدة ومن منظمات المجتمع المدني المشبوهة!

صارت بلداً «نجومه السياسية الصاعدة بشر على شاكلة إتمار بن غفير»، وهو شخص كاهاني. ينتمي جزء رئيسي من المركّب الأساسي الحاكم في إسرائيل اليوم إلى مرجعية حركة كاخ التي كانت مصنّفة حركة يمينة إرهابية في إسرائيل نفسها أيّام إسحاق شامير في الثمانينيات.

يبدو لي أنّ هذا الكيان غدا مكاناً على وشك الانفجار لصالح تصرّف مجنون ما، يدور حول فعل إباديّ طارد للفلسطينيين من داخل الخط الأخضر.

 

ولكن هل كان جيشها جاهزاً للدخول في حرب قد تتسع لتشمل جبهات عدة؟

الأصل في الجيش الإسرائيلي أنّه محترف ومنظم. هذا ما خبرناه في حروبنا السابقة معه، ولستُ من عشّاق التسفيه الذكوري العربي له ونعت أفراده بالجبن أو ما شابه، فهذا الجيش انتصر علينا مرّات عدة. لكنّ ما أعرفه جيداً أنّ دولة إسرائيل عليها إذا أرادت كسب حرب أن تحدِّد قبل ذلك الهدف منها ومكانها ونطاقها وتوقيتها ومدتها. إنّ غياب عامل واحد من هذه العوامل يقلِّص فرصها في الانتصار.

رغم تفوّق إسرائيل النيرانيّ غير المحدود على كتائب القسام، فإنّها تفتقر في اللحظة الحالية إلى حسم عوامل النطاق والمدة والهدف. هي تحتاج دائماً إلى حرب قصيرة الأمد وخاطفة وسريعة وتحقق أهدافها كافة خلال المدّة الزمنية المحدّدة. الصيغة الوحيدة والمثلى لانتصار إسرائيل هي صيغة حرب 67، أي أن تحصل على مساحة واسعة من الأراضي في غضون أيام قليلة فيما ينسحق الطرف الثاني تماماً ويعلن انسحابه من المعركة. على هذا الأساس، أنا لا أعرف الجيش الإسرائيلي «جاهِز لإيه بالظبط».

لكنّ يقيني أنّ عقيدته الذاتية المستقرّة منذ مدّة، تتعامل بحذر شديد مع الكلفة البشرية إلى درجة الاستثمار في أنظمة دفاع أوتوماتيكية ذاتية الحركة، فيما هم الآن عند عتبة جديدة في مواجهة مقاتلين فلسطينيين انتحاريين... وما الهدف بعد سحقهم؟ إذا تم ذلك في الأصل! لذا يبدو لي أنّ الهدف الإسرائيلي من الحرب شديد الارتباك وغير قابل للتنفيذ في ضوء العوامل التي تلبّي معايير الانتصار الإسرائيلي المتعارف عليها، أو أنّهم في منعطف جديد يعيد تشكيلهم!

 

وما الأثر الذي يرتّبه امتداد الحرب زمنياً على تماسك هذا الكيان؟

ما زلنا في بداية الحرب ولكنّي لا أرى إسرائيل في المستقبل إلا كياناً مختلاً غير صالح للعيش الطبيعي. حالة عسكرية، يقظة، يدها على الزناد.

أعتقد أنّ هذا سيفرغها بالكامل من مكوّنات معيّنة، الأنتليجنسيا والمثقفون واليسار أو غير العقائديين عموماً... ليبقى المضطرون إلى البقاء بحكم المولد وعدم حملهم جنسية أخرى، والمهووسون دينياً، والمزراحيم من أبناء الشرق الأوسط أصلاً. هي خلطة تصلح لتعبئة يختلط فيها الديني بالهوس القومي وبالاستعداد الخلاصي ويغلب عليها المزاج الشرقي في الوقت نفسه.

دولة أكثر شراسة وسلطوية وعسكرة وغير قابلة للعيش بمعايير الإنسان الأوروبي الغربي. ستكون إسرائيل شبيهة بالمستوطنات التي أنشأتها في الضفة الغربية، وهي مرشّحة لأن تكون كلّها في حالة استذءاب واستعداد للتدمير والخلاص في الوقت نفسه. هذا تخيّلي لو طال أمد الحرب، أو ما بعدها في السنوات المقبلة.

لكن في اعتقادي، سيستدعي ذلك بالتبعية زيادةً لسلطة القرار الأميركي فيها، بصفته راعياً رسمياً للمسألة اليهودية حول العالم. ففي التحليل الأخير، إنّ الغالبية العظمى من يهود العالم موزّعون بين إسرائيل والولايات المتحدة. وأعتقد، وهذا مجرّد اعتقاد في هذه اللحظة، أنّه بقدر ما سيغدو وجهُ المستوطن المسلّح وصورته وجهَ إسرائيل نفسها وصورتها، سيزيد النفوذ الأميركي فيها لضبط الانفلات المترتب. قد يعبّر الانفلات عن نفسه في شكل صراعات داخلية، أو من خلال محاولات لطرد الفلسطينيين من الداخل، أو بأشكال الجنوح كافة... وربما تكون مزحة، لكن قد يدور الزمان ويعود الانتداب البريطاني على فلسطين أميركياً.

 

موقف السعودية غير واضح

 

ما التحوّلات الخليجية التي أثّرت في غزّة برأيك؟ وكيف؟

في تقديري أنّ الحالة الخليجية باعتبارها تبدو منتصرةً فوق ركام فشل الربيع العربي، هي حالة تسريعية تنتهز فرصة هزيمة الشعوب هذه في توطيد دعائم نظام إقليمي جديد يلعب فيه المال الخليجي الدور المهيمن سياسياً واقتصادياً ويفرض رؤيته لمعنى الشعوب وقيمتها وحدود حرياتها.

ولكن يجب أن نفرّق هنا بين السعودية وبين الإمارات وبين قطر... لأنّ حالتي قطر والإمارات هما حالتا: دول شركات. أقلية صغيرة فقط من سكانها يتمتعون بجنسية البلد وهم فيها أشبه بحملة الأسهم في الدولة الشركة. لكنّ السعودية في التحليل الأخير بلد فيها تفاعلات وفيها قوى، طبعاً هي محكومة بملكية مطلقة وبنظام أمني حديدي ولكن يظل هناك عشرات الملايين من الشعب العربي السعودي في الجزيرة العربية في نجد والحجاز والمنطقة الشرقية، وله أطياف وأمزجة وميول تتنوّع ويمكن أن تفرز أسامة بن لادن وجهيمان العتيبي من جهة وعبد الرحمن منيف من جهة أخرى.

وهذا ما ينطبق نسبياً على الكويت رغم أنّها أصغر، وعلى البحرين كذلك التي اندلعت فيها انتفاضة مبكرة في بداية الربيع العربي.

كان الخليج يسعى قبل الربيع العربي إلى تجديد نفسه وتحديث بناه الاجتماعية بهدوء في مواجهة تهم الإرهاب واعتبارهم منابع للظلامية الإسلامية، إلخ. ولكن اختلفت المعادلة بعد ذلك لصالح تعميم نمط الحكم الأوتوقراطي الحداثي والنيو ليبرالي في المنطقة كلّها بصيغ تشبه الصيغ «إلّي همّا ماشيين بيها جوا بلادهم».

ينعكس هذا على غزّة بصفته acceleration تسريعاً، وهو مرور فوق وجودها بصيغة «إحنا عايزين نِعمِل خط أبو ظبي أو دبي – تل أبيب وخلاص». أو أن يخرج محمد بن سلمان ليقول نحتاج حلاً للمسألة الفلسطينية بشكل يخفِّف على الفلسطينيين بعض القيود. بالتالي «هو مش في تصفية للقضية الفلسطينية! ده في مرور فوقها بالجزمة».

من هذا المنطلق، رأيي أنّ غزّة فجّرت نفسها في المشهد الإقليمي. انتحرت. أعلنت حرباً انتحارية، وتلاقت معها مصالح أخرى أهمها إيران التي تحتاج في ظنّي إلى أزمة إقليمية وربما تفجير جبهات جديدة مثل سوريا ولبنان والعراق لكي تواجه مشكلة داخلية.

 

وكيف تقرأ موقف السعودية والإمارات من الحرب؟

تناولتُ في ما سبق مشروع الخط التجاري الممتد من الهند إلى إسرائيل مروراً بالإمارات وبالسعودية، وهذه أمور تغيّر ملامح المنطقة والعالم ويمكن أن تفجٍّر حروباً في حال لم تكن جزءاً من اتفاقات إقليمية تتوافق فيها الأطراف كافة. لذا أرى أنّ موقف السعودية غير واضح حالياً بالنسبة لي، لا أستطيع أن أحسم. هي تتعامل بحذر حتى الآن، وكونها أكبر بلد خليجي وأكبر بلد في المشرق العربي لا يزال متماسكاً عضوياً، فهي تحظى بهوامش مناورة عالية.

يمكن أن يكون هناك مسعى إسرائيلي للتطبيع مع السعودية، ولكن ما الذي يجعل السعودية تقدِم وتتعجل في ذلك بينما يمكن أن تقدِّم إسرائيل في المقابل ثمناً أكبر للفلسطينيين؟ السعودية في التحليل الأخير لا تكره الخير للفلسطينيين طالما انضووا تحت جناحها. أعتقد أنّها ستحاول أن تُوسطِن نفسها بين الأطراف لتكون لها كلمة مرجحة في اللحظات الأكثر مفصلية في الصراع، فتستفيد من النتائج كافة.

وثمة فرق بين الموقف السعودي وبين الموقف الإماراتي الذي قطع أشواطاً تطبيعية لا أعرف مداها ولا أملك معطيات حولها ولست فاهماً أين وصلت آفاق التعاون والتنسيق والتداخل بدءاً من البيزنس وصولاً إلى التعاون الأمني.

 

مصر قد لا تبقى قوّة سلام واستقرار

 

إذا تحدثنا عن مصر، كيف يفكّر عقلها في هذه الحرب وغزّة عامةً؟ ومن هو اليوم هذا العقل، أي من أقطابه المؤسساتية؟

أظن أنّ المفتاح الأساسي لفهم علاقة مصر بغزّة حالياً هو اعتراف القاهرة باستقلال القرار الوطني الفلسطيني بعد هزيمة 1967، التي غيّرت علاقة عبد الناصر بياسر عرفات من منطقة التشكّك فيه لصالح تأييده. اعترفت مصر بعد 67 بأنّ منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الفلسطيني، وأنّ هناك شعباً فلسطينياً، وليس الشعب العربي في فلسطين الذي يشكّل رأس الحربة في المشروع العربي الوحدوي.

تريد مصر الحفاظ على غزّة كمكان تحت إدارة الفلسطينيين، وليس لديها استعداد أبداً لأن تتنازل عن هذا الموقف. «مصر مش عايزة تسيطر على غزّة، وما تحبّش تسيطر على غزّة»، وثمة ضرر كبير عليها بأن تُلقى في حجرها إدارة قطاع فيه مليونا نسمة وعشرات الآلاف من المسلحين الذين من بينهم آلاف من قوات النخبة المدرّبة... هذا أمر قد يهدد، بل يؤثر بشدّة في المعادلة السياسية داخل مصر نفسها، وهذا هو الخط الأحمر الأكثر سمكاً على الإطلاق، مهما كانت المغريات أو الضغوط.

ثانياً، مردّ الفكرة السابقة إلى أنّ مصر تعلّمت من درس أن تكون مسؤولة عن قطاع غزة في ظل وجود عمل فدائي فلسطيني، فذلك كان أحد أسباب حرب 1956. لماذا هجمت إسرائيل في 56؟ لأنّ الفدائيين الفلسطينيين تحت قيادة ضابط مصري اسمه مصطفى حافظ «عِملوا نكد للإسرائيليين أربع خمس سنين» وانتهى الأمر بأن شكّل ذلك أحد المسوّغات التي جعلت إسرائيل تشارك الإنكليز والفرنسيين في العدوان الثلاثي.

لكن بالعودة إلى سؤال العقل المؤسسي المصري وأقطابه، فرأيي أنّ لا أقطاب. «هي الدولة المصرية كِده، منذ عام 1967 والدولة اليوليويّة تجسداتها الأمنية والسيادية بتفكّر بنفس الطريقة سواء كان جيش أو مخابرات أو داخلية... كلّه يعني».

ربما الجيش والمخابرات أكثر تخصصاً بحكم اطلاعهم التفصيلي على الملفين الإسرائيلي والفلسطيني وامتلاكهم لمتخصصين فيهما، ولكن الأهم بسبب احتكارهم للمعلومات الصحيحة عنهما.

لا يجب الاستخفاف بأنّ الواقع الإقليمي الحالي يستند في الأساس إلى اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وهي أكثر التفاهمات رسوخاً واستقراراً في المنطقة لما يقرب من خمسين عاماً. «كله كوم والعبث بهذا الترتيب كوم تاني». وينبغى أيضاً التذكير بأنّ سلام مصر وإسرائيل ليس سلام الشجعان كما قال أنور السادات. هو في الواقع أقرب إلى سلام الأفاعي. سلام قديم وراسخ وميراث من التعاون والتنسيق الأمني والبيزنس المتبادل، ولكنه في الوقت نفسه سلام بين أعداء، يدرك فيه كل طرف عداوته للآخر جيداً وأنّه عداء هيكلي في صميم وجودهما. هو عداء من الممكن أن يعبّر عن نفسه فجأة وفي أي لحظة.

وهنا أحتاج التوقف قليلاً في ما هو أبعد من غزّة. العالم والإقليم يتعاملان مع مصر بداهة ولعقود طويلة على أنّها «قوّة سلام» واستقرار في المنطقة. السؤال هو: ما هي ضمانات استمرار هذه البداهة فيما حدود مصر مشتعلة كلها؟ السودان وليبيا وها هي غزّة...

لماذا وجود «مصر المسالمة» هو أمر مفروغ منه فيما هي تواجه تحديات وجودية في منابع النيل، وتحديات وجودية على مستوى ماليتها العامة واقتصادها؟ هذا الإقليم بل وهذا العالم، ما زالا غافلين عن تصوّر مصر كقوّة «تخريب وتصعيد»، وهذا أمر قد تكون له أثمان مرعبة محلياً وإقليمياً وعالمياً.

 

سيناريو بيروت 1982 بعيد

 

كيف تنظر إلى حسابات القوى الإقليمية الأخرى؟

لست خبيراً بكل طرف على حدة، ولكنّ الأكيد منه أنّ الأطراف كافة في المنطقة، باستثناء الإمارات ثم السعودية ثم إسرائيل، هم فاعلون مأزومون: مأزومون اجتماعياً، مأزومون سياسياً، مأزومون اقتصادياً، مأزومون داخلياً مع شعوبهم... إنّ ما يجعل فكرة اندلاع الحروب واردة هو لمعانها كفكرة تراود أطرافاً مختلفة في الوقت نفسه، باعتبارها مخرجاً من أزمات أو مدخلاً للكسب والاستفادة.

ولو تناولنا إيران على سبيل المثال ونظام الجمهورية الإسلامية الذي يواجه احتجاجات شعبية شُجاعة ومُضحية واسعة لأكثر من ثلاث سنوات... ربما تمنّى بعض أركان هذا النظام تصعيداً أميركياً وإسرائيلياً ضدهم. «ح يخسر إيه يعني!». وفي المقابل سيعرف كيف يوحّد قطاعاً كبيراً من الجبهة الداخلية عنده ويحيّد معارضيه عبر إثارة نعرة قومية فارسية إسلامية تنهل من تراث وأدبيات التحرّر الوطني ومجابهة الإمبريالية. هذا برأيي ما جعل الأميركيين يأتون بسرعة إلى المنطقة ويعلنون أنّ الحرب حربهم هم في الأساس، سواء لاحتوائها أم لتوسيع نطاقها.

 

هل المقاومة الفلسطينية مهدّدة بالنفي هذه المرّة أيضاً، أي سيناريو شبيه ببيروت 1982؟

إذا كنت تقصد المقاومة المسلحة، فلا يمكن نفيها هذه المرّة مثلما حدث مع المقاومة الفلسطينية في لبنان. فالفلسطينيون يحاربون في أرضهم الآن، لا في المخيّم. وإذا كنت تعني اقتلاع حماس تحديداً، فأعتقد أنّ الحالة التنظيمية الفلسطينية قادرة على إعادة إنتاج نفسها مجدداً طالما أنّها في أرضها، ومن داخل حواضن اجتماعية وشعبية تفرزها. المقاومة الفلسطينية ليست قراراً سياسياً لطرف إقليمي، وبمقدورها الاستمرار طالما أنّها غير خاضعة للاحتلال الكامل واليومي من إسرائيل.

أما إذا كنت تقصد نفيها إلى سيناء، فليس لأنّ إسرائيل والولايات المتحدة تضغطان بشدة في هذا الاتجاه سيعني هذا أنّه سيحدث. هذا سيهدِّد السلام مع مصر تهديداً جدياً. وليس كل سيناريو أميركي يبدو جاهزاً ومعداً معناه أنّه سيناريو راشد أو ذكي أو ممكن التحقق، حتى لو تم فرضه بالقوة في لحظة معينة.

لنفترض مثلاً إعادة احتلال إسرائيل لغزّة وتثبيتها سلطة «عميلة» لها، وهو أمر لا أعتقد أنّه بهذه السهولة وإذا وقع فلن يعمّر إلا لسنوات قليلة، ولنتصوّر إزاحة الفلسطينيين لعدة كيلومترات داخل مصر، فهل سيعني ذلك أنّ القصة انتهت؟

إنّ التصوّر بأنّ مصر ستحكم الفلسطينيين عسكرياً نيابة عن الإسرائيليين هو تصوّر شديد البلاهة. السيناريو الأكثر ترجيحاً هنا هو أنّك ستزيح الفلسطينيين كيلومترات عدّة لتخسر سلامك مع مصر في غضون سنوات قليلة. فيا لها من خطة في منتهى الذكاء!

لقد خرج الفلسطينيون من بيروت عام 1982، ولكن رجال فتح وأبو جهاد كانوا قرب مفاعل ديمونة بعدها بأربع سنوات بينما الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ذروة بداياتها.

 

ختاماً، ما الأثر الذي تتوقعه في السلطويات في المنطقة خاصة إذا طال أمد هذه الحرب واتسعت رقعة التعبئة الشعبية الداعمة للمقاومة ولأهل القطاع؟

سيحدِّد ذلك كيف ستتصرف هذه السلطويات وكيف ستدير مواقعها داخل هذا الصراع، وكذلك أثر الحرب أو امتدادها في حياة الناس اليومية مادياً ومعنوياً وعاطفياً. لكنّي لا أستطيع التعميم وبالتالي لن يمكنني الحديث إلا عن مصر.

باعتقادي، ستعيد هذه الحرب في حالة مصر ربط القضية الوطنية، التحرّر الوطني والعلاقة بالإمبريالية وممثليها في المنطقة، من جديد بالقضية الاجتماعية وقضية الحريات والديمقراطية. يعني «ح يِبقى صعب فصلهم عن بعض» خاصة بعدما كشف الخطاب اللِبرالي الأميركي ومستوياته الرمزية عن وجه شديد القبح واستهانة بوجودنا كبشر «من لأساس». هذا ما سوف يردّ الناس إلى مواقع شديدة التطرّف في المناحي كافة: قومياً ويسارياً وإسلامياً وكل شيء...

نحن الآن ما زلنا في سخونة الحدث، لكن حين سيتأمل الناس في الذي يعيشونه، «في الجِنان الرسمي إلّي حاصل» وفي الاصطفاف الذي يضعنا في منزلة أنصاف البشر بأريحية وبرود، لا أعرف ماذا يمكن لذلك أن ينتِج! أيّ نوع من الخطابات وأيّ نمط من التعبئة!

محمود مروّة

محرِّر موقع المراسل. عمل في الصحافة المكتوبة في جريدتي السفير والأخبار اللبنانيتين وفي وكالة الصحافة الفرنسية.

×