24 أيار 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

في قلب الحرب، كلماتٌ مبتورة وصور عالقة

محمد رامي عبد المولى

4 أيار 2024

من ملف المعركة
ما يحدث في غزة هو إرهاصات عالم جديد، مجهول ومرعب (pope.art©)

لا أدري إن كان ذلك في اليوم التسعين أو المئة لبدء الحرب على غزة. فقدتُ فجأةً أيّ رغبةٍ أو قدرة على قراءة ما يبثّه ذلك الشريط الإخباري المحاصر بالخيانات والشرور والخذلان، أو مشاهدته، أو حتى كتابة أي منشور أو تقرير من وحيه. لم يكن الأمر حفاظاً على «الصحة النفسية» أو فقداناً للاهتمام، بل مجرّد قرار بأن يكون العجز صريحاً وكاملاً، من دون مكابرة أو رفع عتب.

أقف ومئات ملايين البشر عاجزين أمام قرار عالمي وإقليمي بسحق البشر والحجر في بقعة على هذه الأرض يسمّونها: غزة. يتعرّض سكّانها لجرائم إبادة مستمرّة، ومستعرة، وموثّقة، فيما غدت منشورات التضامن معها في السوشل ميديا، أو حتى قراءتها، بمنزلة إراحة ضمير معذّب. لقد صرنا أشبه بعدّادات تحصي أرقام الشهداء والجرحى، وآلاتٍ تعيد مشاركة الصور والفيديوهات نفسها آلاف المرات. شهيدات وشهداء بوجوه وأسماء متشابهة، من دون قصص وروايات، بل مجرد story تختفي بعد 24 ساعة من نشرها.

ما عدتُ أحتمل التجريد من الإنسانية الممارس ضد الغزيين، الذين يراهم الصهاينة «حيوانات بشرية»، بينما كثير من العرب يرونهم «أبطالاً خارقين» لا يخافون أو يحزنون، ولا يفرّون أو يتعبون، ولا يكلّون أو يبكون. ثمة أيضاً المنشورات التي تحمل وسم #لن_ننسى! هل يتذكر أحد قرابة المليون عراقي الذين قُتلوا في العقدين الفائتين؟ أم آلاف الشباب المنتفضين الذين أزهق البوليس والعسكر أرواحهم في بلدان عربية مختلفة منذ شتاء 2011؟ إنّ ذاكرة الإنسانية فيها من الثقوب الواسعة ما يسمح بمرور ديناصورات!

في الأثناء، يستمر المحللون في التلفاز وفي مختلف المنصات يتحدثون عن الإبادة، بالعبارات القديمة نفسها: التكتيكات، وقواعد الاشتباك، والحروب العربية الإسرائيلية، واليمين الإسرائيلي، والموقف الأميركي، والموقف الروسي، والمجتمع الدولي... بينما ما يحدث في غزة هو إرهاصات عالم جديد، مجهول ومرعب، أو هو عودة إلى القرن التاسع عشر برأسماليته وإمبرياليته الدمويّتين، من دون قفازات أو أقنعة.

 

يكفي جرحك أن يُهجر

أخذت عهداً على نفسي بتفادي الشاشات قدر الإمكان، وعدتُ إلى الكتب الورقية التي هجرتها منذ سنوات. اخترتُ ثلاثة كتب باللغة الفرنسية. نسخة قديمة من إصدار منشورات Maspero لكتاب Les Damnés de la terre [المعذبون في الأرض] (1961) لفرانز فانون، مع التقديم الشهير الذي كتبه جون بول سارتر عن الاستعمار والعنف. سارتر الذي ناصر الثورتين الجزائرية والفيتنامية، ولكن أصابه العمى في فلسطين.

والثاني مجموعة قصصية بعنوان Le Silence de la mer [صمت البحر] (1942) للكاتب الفرنسي جان برولير المعروف بـ Vercors، والذي ناضل وقاتل النازيين في صفوف المقاومة الفرنسية. تتمحور القصص حول مآسي الحرب العالمية الثانية، وتحكي عظمة البشر وهشاشتهم وخسّتهم في الأزمان التي يسود فيها الشر الأسود.

كنتُ قد اشتريت هذا الكتاب في صيف 2003، وكان الأول الذي أقرأه منذ 9 نيسان/أبريل من ذلك العام، تاريخ سقوط بغداد. بقيت لأشهر طويلة مضرباً عن القراءة معتبراً أن الكلمات عبث في مواجهة الدبابات والطائرات. عندما تصفّحت الكتاب في القطار، شاءت المصادفة أن تحمل أولُّ قصة تطالعني عنوان L'Impuissance [العجز]، وأن تدور أحداثها حول مثقّف قرر أن يحرق الكتب واللوحات والأسطوانات كلها الموجودة في بيته بعدما علم أن صديقه الأسير في إحدى المحتشدات النازية قد مات... فأيّ قيمة ومعنى للآداب والفنون في زمن الشر المطلق؟

أما الكتاب الثالث، فكان ترجمة فرنسية لرواية وردة للكاتب المصري الفريد صنع الله إبراهيم. وردة من أجمل الروايات العربية التي لم تلقَ رواجاً وتقديراً يليقان بها. تدور الأحداث ما بين القاهرة وسلطنة عمان، من خمسينيات القرن الفائت حتى تسعينياته، وفي قلبها وردة التي كانت مقاتلة في جبهة تحرير ظفار. فصول من تاريخ الخليج العربي ومثقفيه وحركاته الثورية، والخيانات التي قوضتها، قبل أن تسيطر عليه الرجعيات تماماً وتسود الصور النمطية للمليارديرات السفهاء وناطحات السحاب والمولات العملاقة. وقبل أن تتحوّل الدوحة ودبي إلى «قوى إقليمية» لها باع وذراع في القاهرة وبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

انتهيت من قراءة الكتب الثلاثة، ولكن لم يتوقف حصاد الأرواح في غزة، بل ازداد سعاره وانفلاته. اخترت كتباً أخرى، ولكن هذه المرة بالعربية، وللكاتبة نفسها: رضوى عاشور. لم يسبق لي أن قرأت لها، فقررت أن أعوض ذلك واقتنيت ثلاثاً من مؤلفاتها: فَرَج، وثلاثية غرناطة، والطنطورية. ثلاثة كتب سميكة تروي عن ثلاث هزائم ضخمة: أفول اليسار المصري، وسقوط الأندلس، ونكبة 1948. تركت الطنطورية للنهاية. رحت أقرأ فصلاً عن النكبة الأولى ومسارات المنكوبين، وأتابع فصلاً من النكبة الجارية حالياً. وصلت إلى الصفحة الأخيرة ولم ينتهِ الأمر بعد في غزة. ما عدت قادراً على القراءة أكثر، ما قيمة الكلمات؟

 

موت وعجز

مثلما حرصت رقيّة، بطلة الطنطورية، على تمرير مفتاح بيت عائلتها التي هاجرت من الطنطورة إبان نكبة الـ48 إلى حفيدتها، نتوارث في العائلة أمانة رواية قصة فلسطين جيلاً بعد جيل. نقل لي أبي الأمانة عندما كنت في السابعة أو الثامنة.

كنا نعيش الفصول الأخيرة من انتفاضة الحجارة (الانتفاضة الأولى 1987–1993) والخطوات الأولى في مسار أوسلو. كانت صور الملثّمين الذين يقذفون حجارةً على جنود مدججين بالسلاح وآليات عسكرية مدرعة، بأيدٍ عارية أو بواسطة المقلاع، تثير إعجابي واستغرابي. كنت أغضب وأحزن عندما أشاهد صور الاعتقالات والضرب والركل وكسر عظام العزّل. أتسمر بجانب أبي أمام شاشة التلفاز «بوكرش» (تلفاز بصندوق وشاشة محدبة)، وتأخذ عيناي وذاكرتي مهمة تسجيل الصور، ثم أطرح وابلاً من الأسئلة بإلحاح. في آخر الأمر، لم يجد أبي من حلّ غير محاولة شرح القضية الفلسطينية (يا لها من مهمة!) بجمل بسيطة تراعي سني.

 وجدت نفسي مضطراً، بعدها بـ 30 عاماً، ومع انطلاق حرب الإبادة الصهيونية في غزة، إلى فعل الأمر نفسه مع ابنتي التي لم تتجاوز الثامنة بعد.

في التسعينيات، كانت الجرائد والتلفزيونات تنقل إلينا بعض الصور والفيديوهات المسجلة والممنتجة بعد المرور بأعين الرقيب ومقصاته. أما اليوم، تنقل الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي التفاصيل كافة، برعبها ودمويتها وشرها كله، على نحو فوري وخام. فأحاول مع زوجتي حجب أكثر ما يمكن من هذا الشر المنفلت عن ابنتنا، لكي لا تكتشف قبح العالم مرة واحدة. اعتادت أن ترمي بي دائماً في دوامة أسئلة لا حصر لها، تصعب الإجابة عنها، على غرار: معنى «الاحتلال»؟ سبب الحرب؟ لماذا هناك دول قوية وأخرى بلا سلاح؟ ولماذا لا يهرع أحد لإنقاذ الفلسطينيين وحمايتهم؟ لماذا يُجوَّعون؟ ولماذا لا نتقاسم الطعام معهم؟ ولماذا يستمرّ وضعٌ بدأ قبل أن يولد جدّها؟

يا الله! أحاول أن أجيب عن الأسئلة «الأسهل»، وأراوغ البقية. تمنيت لو كانت أسئلتها «أسهل» وأقل إحراجاً، مثل ماهية الله، وكيفية تكاثر البشر، وما بعد الموت. أتمنى ألا تجد نفسها مضطرة ذات يوم إلى خوض مثل هذا النقاش مع أطفالها.

«هل فلسطين بعيدة عن تونس؟»، تسألني. إنّ أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر تفصل بين البلدين، أجيبها. عجزتُ عن إخبارها بأنّ هذه المسافة لم تمنع الطائرات الإسرائيلية من قصف البلاد وقتل التونسيين في تشرين الأول/أكتوبر 1985، وأنها يمكن أن تتقلص إلى بضع كيلومترات أو حتى أمتار قليلة.

فعلى بعد 50 متراً من بيت جدها في مدينة صفاقس توجد مقبرة فيها قبور ثلاثة من أبناء المنطقة ارتقوا أثناء مقاومتهم الصهاينة في جنوب لبنان وفي شمال فلسطين المحتلة. تسلم حزب الله جثامينهم ضمن صفقة تبادل الأسرى والجثث التي أعقبت حرب تموز/يوليو 2006. أتذكر جيداً جنازتهم في آب/أغسطس 2008. في ذلك اليوم، كانت رايات حزب الله والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تُرفع على بعد آلاف الكيلومترات من فلسطين ودول الطوق والمخيمات.

ففي مقبرة حيّ هادئ يرزح تحت ثقل ديكتاتورية بن علي الجاثمة على امتداد الوطن، كان ماركسيون وبعثيون وناصريون وقياديون نقابيون ومناضلون طالبيون يرفعون شعارات مناصرة لفلسطين وممجّدة للشهداء، وزغاريد تتعالى من حناجر النساء اللواتي شاركن للمرة الأولى وربما الأخيرة في جنازة – ذلك الطقس الحزين الذي يحتكره الرجال. أما قوات الشرطة الحاضرة بقوة، فكانت تكتفي بمراقبة الناس واستعجال القائمين على الجنازة، فيما ينظر رئيس «الشعبة» (الفرع المحلي للحزب الحاكم) والعمدة بحيرة وقلق إلى هذا الانفلات الشعبي.

بعدها ببضع سنوات، وعلى بُعد سبعة أو ثمانية كيلومترات من المقبرة نفسها، اغتال الموساد في كانون الأول/ديسمبر 2016 المهندس والقيادي القسّامي التونسي محمد الزواري.

لا، ليست بعيدة إلى هذا الحد.

 

صور عصية على النسيان

هناك دائماً صور تعلق على صفحات العيون، لا في الذاكرة فقط. لم تكن صور الأطفال الشهداء أو المحاصرين هي التي ترهق عقلي وروحي فحسب، بل كذلك صور الشيوخ والعجائز الذين يعيشون نكبة وتغريبة جديدتين، ويجدون أنفسهم مجبرين مرة أخرى على السكن في الخيام، أمام تقيؤ العالم خذلانه وجبنه من جديد.

إحدى هذه الصور عُلّقت على مسمار غُرس في روحي، وكلما حاولت انتزاعه انتفضتُ ألماً. لقطة قريبة لوجه شيخ سبعيني أو ثمانيني نازح من شمال غزة إلى جنوبها مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2023، يبدو أنها التقطت عقب قصف صهيوني. طبقة من الغبار الرمادي تغطي وجهه، وجرحٌ يمين جبهته ينزف دماً؛ يعبر الدم من فوق الحاجب، يستدير مع عظام الوجنتين، فيكمل مساره نحو الشنب، وينتهي عند الشفة السفلى المزرقّة من أثر الغبار والجفاف.

نظرات الرجل هي بالذات ما جعلت الصورة مرعبة. لم يحدث أن رأيت عينين تختزلان ألم العالم كله، والأسئلة كافة، وكل ذلك اللوم والغضب والهدوء والتسليم. عينان تتلألآن بدمعات حبيسة ونخوة جلية، ينظر بهما الشيخ إلى العالم، ليبصقه أو يبصق عليه. نظرتُ إلى تلك الصورة عشرات المرات، وفي كل مرة كنت أطأطئ رأسي خجلاً.

اعترضتني أول مرة وأنا أقلّب منشورات فيسبوك ليلاً. طار النوم من عيني وشعرت برغبة عارمة وحاجة ملحة إلى مهاتفة أبي. كدت أضغط زر الاتصال لولا انتباهي إلى تأخر الوقت. ثم ماذا كنت سأقول له؟ رأيتك في وجهٍ نازف لشيخ نازح في غزة؟ ثم شعرت بالحاجة إلى الاطمئنان عليك والاعتذار منك؟

بين كل بضع صفحات من الكتب التي أهرب إليها، أعود لأطّلع على بعض ما يحدث في غزة. أبحث في تطبيقات السوشل ميديا عن أخبار وصور خام بلا تحليل أو تأويل أو فلاتر. أحبس أنفاسي وأغوص نحو القاع، وعندما يوشك النفس على الانقطاع أعود نحو السطح... أو ربما هو القاع، إذ صرت عاجزاً عن التمييز.

الشرّ ما زال مستشرياً في غزة. الناس ما زالوا هناك يدافعون عن آخر متاريس الكرامة الإنسانية. ما زالوا «يعبرون الجسر من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق، إلى الشرق الجديد». وما زالت الجسور البرية تنطلق من مدن الملح، لتلتف حول البحر الأحمر وتمرّ بدول طوق لكي توصل المؤونة إلى الصهاينة، بعدما وصلتهم أسلحة الغرب وذخائره... الغرب الذي غلبه الشوق والحنين إلى زمن الإبادات والجرائم الاستعمارية الدموية الفجة والمكشوفة.

ومجلس الأمن الذي قرّر بعد ستة أشهر ونصف شهر تعليق رخصة القتل والتهجير الممنوحة للصهاينة منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر! فأصدر قراراً بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، مساوياً بين «الأطراف» كلها. امسحوا بهذا القرار عاركم! إسرائيل مسحت به شيئاً آخر. الحرب مستمرة، والمفاوضات، والخيانات كذلك.

 

لا بأس، لم ينتهِ التاريخ

«فلسطين ح تتحرر، وماتهرشيش دماغي وتقوليلي إزاي وإمتى»، هكذا قال أحمد فؤاد نجم للمذيعة في حوار تلفزيونيّ بُثّ منذ سنوات طويلة. هذا ما أؤمن به. هكذا بلا أي تفسير منطقي ولا تحليلات إستراتيجية ولا جيوبوليتيكا ولا «بطيخ». هكذا فقط: مسلمات ويقينيات! تبقى مسألة الأثمان الباهظة التي ستُدفع حتى قدوم ساعة التحرير والنصر، ولن يكون الفلسطينيون وحدهم من سيتحمّل التكلفة.

 

بعد حصار بيروت في صيف 1982، نشر الكاتب والشاعر الفلسطيني معين بسيسو، كتاباً بعنوان 88 يوماً خلف متاريس بيروت، ضمّنه خواطر وذكريات وقصائد عن الملحمة التي انتهت بتغريبة فلسطينية جديدة. إحدى هذه القصائد كُتبت بأيادٍ أربع: بسيسو ومحمود درويش، من دون تحديد هوية كاتب كلّ بيت ومقطع فيها. القصيدة عنوانها رسالة إلى جنديّ إسرائيلي، وهذه بعض مقاطعها:

نكتب لك
من قبل أن تشعلنا قذيفة أو تشعلك
رسالة المحاصر الأخير للمحاصر الأخير
نكتب من شظية أرسلتها... لتحملك
من عتمة «الجيتو» إلى أجسادنا...
نكتب لك
لنسألك
إلى متى تحارب الجزيرة البحرا؟
إلى متى تستخرج التفاح من ضلوعنا
والياسمين من عيوننا؟
إلى متى توسع القبرا
وتسكن القبرا؟

(...)

نكتب لك
لنسألك:
من الذي يحاصر الآخر؟
من يستوطن الحديد
أم الذي يعيش في النشيد؟
نكتب لك
من قبل أن تشعلنا قذيفة أو تشعلك
يا أيها المسربل السكران بالدروع
يا أيها المصفح المدرّع المجنزر السجين والسجان
هل أنت في أمان؟

(...)

يا أيها التائه في خرافة المكان والزمان
يا أيها التائه في خرائط النسيان
يا ابن القرابين ويا ابن النار والسكين!
ماذا تعلّمت من الذكرى
ومن رماد لحمك المطحون في «أوشفيتس»
يا من يجر خلفه الطاحون؟
وهل أخذت من سقوط «أورشليم»
وسبيك القديم
وعهدك القديم
غير حصى المقلاع من داود
تصكه أسلحة وأنبياء
وتطرق اللحم على السندان
تطرقه نيشان؟

يا أيها الجلاد والقربان
هل أنت في أمان؟

(...)

يا ساكن الدبابة
هل يستطيع المرء أن يبول، طول العمر، في دبابة؟
هل يستطيع المرء أن يقرأ أن يكتب في الدبابة؟
هل يستطيع المرء أن يطيّر الحمام في دبابة؟
هل يستطيع المرء أن يضاجع المرأة في دبابة
أن يغرس الأشجار في الدبابة؟
يا قادما من رحم الدبابة
يا عائداً لرحم الدبابة!
إلى متى تظل في مخالب الدبابة
إلى متى تظل في أمان؟

(...)

ماذا كتبت اليوم في الرسالة الجديدة
لـ «استير» البعيدة؟
هل قلت: إني عائد قريبا؟
الحرب سوف تنتهي قريبا
لم يبقَ إلا خندق من اللهب
ومدفع، وشارع، وحفنة من المحاصرين فوق كومة من الخطب
... وتنتهي الحرب التي تنجب حرباً تالية
وهكذا، وهكذا سوف تدور الساقية
وتغسل اليدين،
وكيف تغسل اليدين؟
وقطعة الصابون رأس طفل!
والماء رمل الرمل!

محمد رامي عبد المولى

كاتب صحافي ومترجم من تونس.

×