24 نيسان 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

من القاهرة، قفز حرّ في صباح المقاومة

رضوان آدم

8 تشرين الأول 2023

من ملف المعركة
الجبهة الداخلية الإسرائيلية مهتزّة والمقاومة تحضّر نفسها منذ أشهر لهذا الصباح المشرق (Hatem Moussa - AP)

فلتغرُب طقوس هذا الصباح. لتنحبس حبّة الضغط العصبي في رفّ الثلاجة. ضغط الدم منضبط وأنا أقفز الآن في الهواء. أطاول اللمبة المُعلقة في سقف غرفة المعيشة. أطاول الشمس التي تضحك.

«هو النهاردة 6 أكتوبر يا ماما؟». صيحات من شقق مجاورة؟ سمعتُ الشابة التي تعيش في الطابق العلوي. تتابع مثلي قناة الجزيرة؟ أهاتف الأحباء وأبعث إيموشن وراء الإيموشن. وجدتُ إيموشن النصر (السبابة والوسطى مرفوعتان) في آخر قائمة الوشوش التعبيرية. أخذتُ نسخة منه، كي لأ أنزل إلى أسفل القوائم وأنا أقفز في الهواء.

من يعزف مقطوعة المقاومة هذه المرّة تحت غابات الزيتون؟ أغنية صباحية دائرة على أرض فلسطين. أغنية أكتوبرية أخرى؟ المقاومة الفلسطينية العملاقة تُفقد العدو الصهيوني توازنه في دقائق معدودات. حدث هذا وأنا نائم على قراءة مخاطر التمادي في تناول القهوة السوداء؟ القهوة هذا الصباح يجب أن تكون فلسطينية الألوان، وألا تُشرب على عجل.

 

 

في صباح السابع من أكتوبر اندلقت القهوة على النار أكثر من مرّة. هناك مثل مصري يقول إن دّلق القهوة خير. لم أستيقظ جيدًا؟ هؤلاء صهاينة يستغيثون عبر الإذاعات الإسرائيلية؟ المقاومة نقلت المعركة إلى داخل مستوطنات الكيان الصهيوني؟ طائرات مظلية ملوّنة فلسطينية تحطم السياج الذي يفصل غزة عن الجسد الفلسطيني؟ هذه حفلة كفاحية كبيرة. إنّه صباح فلسطيني مُبهج. القهوة سريعاً.

القهوة مهمة لأنني يجب أن أقترب أكثر من الشاشة. هذا نجاح إستراتيجي كبير للمقاومة الفلسطينية. هذا فشل استخباراتي إسرائيلي وأميركي كبير. هذه بداية لأيام طويلة صعبة؟ هذه الجارة الفوقية تُدبدب من الفرح؟

فلسطين صاحبة أملاك في قلب الإنسان العربي. مدخّن مثلي يقفز عشر مرّات في الهواء، ونسوة يزغردن، تحيّتنا المتواضعة للمقاومة. لقطات قريبة جداً من وجدان الشعوب. فمهما سار قطار التطبيع الرسمي مع الكيان الإسرائيلي، فإنّ الشعوب العربية لن تُطبّع. يعتقد ركاب القطار أنّ الكيان المُنكسر أمام تطوّر المقاومة الفلسطينية، يمنحهم الحماية والأبدية. جيش الاحتلال مُنهار يا مشائخ العرب.

صورة الشاعر أمل دُنقل قريبة مما أقصد؟ لا تُصالحْ، ولو منحوك الذهب. أتُرى حين أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل ترى..؟ هي أشياء لا تُشترى.

 

 

قفزتُ مجددًا في الهواء شماتة في الأنظمة الرسمية التي تتعرى في العلن. صالة المعيشة ميداني. الشوارع مُغلقة وممنوعة للإصلاح والتجميل. الخروجُ للتظاهر ممنوع بأمر الواقع الراهن الثقيل. لهذا كله، أظنُّ أنّ القفز في الهواء لا بأس به خصوصاً إذا كانت هناك زغاريد متقطعة في عمارة مجاورة!

من النافذة الدولية، يطل الموقف الأميركي والغربي الداعم لجيش الاحتلال المهزوم في مواجهة المقاومة «الإرهابية». أصحاب الأرض إرهابيون، ومُسلحون، ومتمردون، وكل هذا الهراء في المنصات الغربية، أما 99% من المنصّات العربية فتُظهر ردود الفعل الرسمية التي تساوي بين القاتل والضحية.

الموقف الأميركي خطير هذه المرّة. أعطت واشنطن الضوء الأخضر لإسرائيل لارتكاب مذابح في غزّة؟ التوتر سيتوسع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. قد تكون هناك مذابح يومية بين المستوطنين الصهاينة وفلسطينيي الداخل. الجبهة الشمالية مع لبنان قد تتوتر؟ لا أُرجح لكن كل شيء وارد تحت غطاء أميركي؟

 

 

مفاجأة المقاومة أربكت أوراق حكومة نتنياهو وبن غفير. تكتيكات المقاومة الفلسطينية تطوّرت إلى حد كبير. الفارق بين المقاومة الفلسطينية في عام 2008 وعام 2023 فارق بين السماء والأرض.

ظنّي أنّ المقاومة الفلسطينية لو استمرت على تفوّقها الميداني عشرة أيام على الأقل، فإنّ جيش الاحتلال سيتكبد المزيد من الخسائر البشرية والمعنوية بين صفوفه. سيضطر إلى تقديم المزيد من التنازلات. قطار التطبيع سوف يتعطّل كثيراً وقد ينحرف عن مساره. أحفاد بن غوريون يعيشون نكسة سوداء. التفوّق النوعي ومنظومة الردع فقاقيع. في الملاجىء، يدخن المُتزاحمون السجائر في اضطراب وعصبية. البثُّ مُباشر. تزغردُ الآن السيّدة التي تسكنُ  الدور الأخير!

هذا خبر عاجل؟ أسرُ عدد كبير من جنود الاحتلال الإسرائيلي ومن بينهم ضباط كبار. هذا خبر عاجل ومهم. دبدبات الجيران لا تُزعجني. تُحيّي المقاومة البطلة. الأيام القليلة المقبلة تحتاج قدرة أكبر على إدارة الميدان بتكتيكات المُباغتة. الحكومة المتطرفة في تل أبيب ستركع رغماً عنها وتفرج عن أسرى فلسطينيين. مهما طال أمد المعارك، ستكون حكومة نتنياهو أمام ضغوط شعبية كبيرة للتفاوض من أجل الإفراج عن الأسرى. لنقفز جميعاً في الهواء!

 

 

سوف تمتد الحرب لأكثر من عشرة أيام على أقل تقدير. إسرائيل أعلنت الحرب، لأنّ المقاومة فتحت «طوفان الأقصى». يحتاج الإسرائيليون المُنتكسون إلى مزيد من سفك الدماء. تحتاج الحكومة اليمينية إلى تجاوز صدمة الفشل الاستخباراتي المُبهج في هذا الصباح. الساعات تمرّ والحكومة الإسرائيلية تُطلق التصريحات المرتبكة، والذعر يجتاح الصحافة العبرية. فشل استخباراتي وعسكري وسياسي هائل. هكذا تقول أبرز العناوين.

سوف تشتعل غزة وتطول المعارك. سوف ترتفع وتيرة الصدامات الدموية في أراضي الداخل الفلسطيني المحتل. الضفة الغربية الأقرب إلى الإنفجار السريع. في القدس سيرفع المستوطنون البنادق في وجه المقدسيين. سينفجر الغضب الشعبي الفلسطيني في الأراضي المحتلة. معركة كبرى في غزة، ومعارك أصغر مستمرة في ميادين أخرى.

المعركة دائرة في الميدان، وفي دماغ  الداخل الإسرائيلي. الإسرائيليون مصدومون من قوة المقاومة ومن تطوّرها. صمت مُطبق أمام فيديوهات الجنود الإسرائيليين الذين يزحفون في الرمال. حرب المنزل والمنزل الدائرة في مستوطنات غلاف غزة بين المقاومين وجنود الاحتلال تُلبس الكيان ثوب الخيبة التي أصابتهم بعد عبور الجيش المصري قناة السويس عام 1973.  المُحللون العسكريون يتبارون في وضع المقارنات. هذا شيء يدفعني إلى القفز في قلب الشاشة لتحية الإنسان الفلسطيني الحرّ.

 

 

قد تلجأ إسرائيل إلى غارات وحشية على الفلسطينيين في غزة لتوقع أكبر عدد من الضحايا لكنّها هُزمت سياسياً. في صدمة أقل من صدمة «طوفان الاقصى» كان يجب أن يقدِّم ائتلاف نتنياهو وبن غفير استقالته من الحكومة. الشعور العام الإسرائيلي يشعر بالخزي من الجيش الذي لا يُقهر. هناك هزيمة ماحقة أحدثتها المقاومة الفلسطينية في دقائق!

لا مفرّ أمام جيش الاحتلال والحكومة المتطرفة إلا أن تستمر في الحرب ضد المقاومة في غزة. قد تنجح، وهذا مُستبعد، في ترميم بعض الجروح لكنّ الجرح سيبقى طويلاً في الحقيقة.

سوف تسعى إسرائيل لتحطيم البنية التحتية في غزّة، وعمارات غزّة، وشوارع غزّة، وحقول غزّة، لكن لن تنكسر غزّة. التصعيد الإسرائيلي قد يطاول اغتيال عدد من رموز حركة حماس وباقي فصائل المقاومة. قد يلجأ جيش الاحتلال إلى أعمال هيستيرية في القدس المحتلة.

لكنّ هذا كله، لا يعني أنّ إسرائيل يمكن أن تحقق نصراً في الأمد القريب على المقاومة في غزة. الجبهة الداخلية الإسرائيلية مهتزّة والمقاومة الفلسطينية تحضّر نفسها منذ أشهر لهذا الصباح المشرق.

سقط 300 إسرائيلي ونُقل المئات إلى المستشفيات في حالة خطرة. كل هذا في بضع ساعات؟ نعم. كل هذا وقد تكون هذه الأعداد في جانب الاحتلال مضروبة في ضعفين على الأقل.

الجولة الحالية مع جيش الاحتلال مفتوحة على احتمالات كثيرة. الضفة الغربية سوف تشتعل بالمقاومة الشعبية الفلسطينية. القدس سوف تشهد مزيداً من المواجهات الحامية. المقاومة ستزيد من إطلاق الصواريخ، وقد تقوم بعمليات نوعية جديدة في الداخل الإسرائيلي المحاذي لغلاف قطاع غزة. قد يسقط شهداء كثر من المدنيين الفلسطينيين لكن سيسقط إسرائيليون في المقابل. القواعد تغيّرت، والكيان المحتل في موقف دفاعي حتى لو أطلق تصريحات سياسية مستفزة.

 

 

هناك شيء إضافي يدعو إلى القفز في الهواء. الجبهة الشعبية الفلسطينية موحدة ضد الاحتلال. المقاومة الشابة في الضفة الغربية سوف تفتح معركة يومية مع المستوطنين وجنود الاحتلال. الأرجح، أنّ إسرائيل لن تطلب التهدئة من الأوساط المصرية إلا بعد أن تحاول، واهمة، ترميم صورتها الملطخة في الرمال.

لا تجرؤ دولة الاحتلال على فتح جبهة مع حزب الله في جنوب لبنان، لأنّها ستتعرض لصدمة أكبر من «طوفان الاقصى». صدمة حرب تموز (2006) تخدش الحياء في إسرائيل حتى الآن. حساب نتنياهو على منصة «إكس» يُسمي صباح الزغاريد والقفز في الهواء، باليوم الأسود في تاريخ إسرائيل؟ الخداع الإستراتيجي الذي طبقته المقاومة الفلسطينية غير مسبوق. ما أحلى القفز الحرّ في الهواء!

رضوان آدم

صحافي مصري وقاص وكاتب اسكريبت للفِلم الوثائقي والفِلم القصير. صدرت له في القصّة مجموعتان عن دار روافد للنشر: جبلُ الحَلَب (2013)؛ دَبيبُ النّجْع (2019)؛ وفي الفِلم الوثائقي: يوسف إدريس؛ نجيب الريحاني؛ أسامة أنور عكاشة؛ سليم حسن... حفّار مصر القديمة؛ وفي الفِلم القصير: البلابيصة؛ اختناق القمر.

×