24 نيسان 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

مثل تنوينٍ نعلّقه فوق الألوف الواقفة

محمود مروّة

20 شباط 2024

العدد السادس
الشهيد أيمن الرفاتي، ارتقى في شمال غزّة صباح 14/2/2024

عثرتُ على المحادثة مصادفةً، وقد مرّ يومان على ارتقائه. في هذه الأيام مقاوم من غزّة يسأل عن الحال. ما هذه الصلابة! أشعر بمرارة لأنّ كثرة القنوات الفعّالة في تطبيق تلغرام تُبعثِر المحادثات الخاصة وتنثرها. كان نهاري في الرابع عشر من شباط/فبراير سيبدأ مع إنسان سيرتقي بعد ساعتين أو أكثر بقليل. يبيدوننا متشبّثين بمعادلة شيطانية يزيد عمرها عن قرن: الحرب، معقِّمة العالم الوحيدة.

أما الحال التي سُئلتُ عنها، فهو أننا لا نريد بحراً ولا سفناً تنقل الفدائيين ثانيةً، ولا نكبة جديدة. فأنا من جيل الثمانينيات الذي ورث حين وعى نوستالجيا زمن عربي تقدمي، وصورة الفدائيين يركبون بحراً سيرميهم «في قرطاج أصدافاً ونجمة».

هكذا يتهيأ لي العالم اليوم وأنا أجلس على كرسي وثير، مرتاحاً خلف المكتب في مدينة تترقّب قدرها. أتمنى لو قدِّر لأيمن، ابن العائلة المقدسية التي هُجِّرت قبل عقود، أن يرسل إليّ ما كنّا في صدد تحضيره من سيرة عن مُجرِم الحرب، بنيامين نتنياهو. لكنّ الأخير سبقنا إلى قتله لتنتفي في مقامَي الشهادة والرحيل الاحتمالات ويزول الغموض.

لا عشوائية في الأحداث في غزّة وجنوبي لبنان، وإنّما حتميات ندرِك مسبِّباتها. لذلك، أكتبُ الآن وأنا واعٍ تردّدي القديم في إفلات مكابح الكتابة الذاتية. قد أُفلتُها، فأصلاً لم يبقَ شيء نحسب له حساباً. لا شيء سوى الحروب تنفجِر فوق رؤوسنا، وإخفاقات المعارك الخاصة التي هي على شيء - لو بنذر قليل قليل - من صورة غزّة. حرب في الأمتار الأخيرة من أجل حياة مغايرة. أنا من الذين تُبهرهم لعبة الكاتدرائية، لعبة ابتكار احتمالات التحقّق الكثيرة، التي تحتل ركن السرد في هذا العدد السادس.

 

ركوةُ قهوة واحدة جمعتنا في مقهى قرب منزلي في وطى المصيطبة خريف 2018. ثم انقطعنا بضع سنوات قبل أن تجمعنا المهنة مجدداً، وإنّما لأسابيع كُتِبَ لها أن تكون معدودة. كنتُ حين بلغني نبأ ارتقائه، أقرأ نصاً وأسأل نفسي - ربما للمرّة المئة - كيف سرى في الصحافة Trend وضع علامات التنوين فوق الحرف السابق للألف آخرَ الكلمة (شهيدًا)، فلا توضع على الألف (شهيداً). رغم متانة حجج هذه الموضة الصحافية، ولكن كيف صرنا فجأةً شعوبَ صحافيين يعيدون التفكير في موضع التنوين!

غير أنّي أدري الآن جمالية خياري اللغوي: الإبقاء على تنويناتي معلّقةً فوق الألوف، كما لو أنّها في الهواء والريح وحدها سيّدتها. كان لقاؤنا في بدايات هذه العادة، ولسبب أجهله أتصوّر شهداء غزّة وجنوبي لبنان تنوينات معلّقةً فوق الألوف، ولكن كأنّها في الهواء ثابتة راسخة متأصّلة، وما عادتْ الريحُ سيِّدتَها.

 

محمود مروّة

محرِّر موقع المراسل. عمل في الصحافة المكتوبة في جريدتي السفير والأخبار اللبنانيتين وفي وكالة الصحافة الفرنسية.

×