13 تموز 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

الكاتدرائية

ريموند كارفر

20 شباط 2024

العدد السادس

الرجل الأعمى، أحد أصدقاء زوجتي القدامى، كان في طريقه لقضاء ليلة في منزلنا. توفيت زوجته، فأتى لزيارة أقربائها في ولاية كونيتيكت. اتّصل بزوجتي من منزل أنسبائه، وتم الاتفاق على الترتيبات كافة. سيستقلّ القطار في رحلة تستغرق خمس ساعات، وستكون زوجتي في استقباله في المحطّة. لم ترَه منذ أن عمِلَت عنده ذات صيف في مدينة سياتل قبل عشر سنوات. لكنّها والرجل الأعمى بقيا على تواصل. كانا يسجّلان أشرطةً صوتيّة ويتبادلانها عبر البريد. لم أكن متحمّساً لزيارته، إذ أنني لا أعرفه. ولم أطمئن أيضاً لكونه أعمى. كلّ ما أعرفه عن المكفوفين مستوحى من الأفلام. في الأفلام، يتحرّك المكفوفون ببطء، ولا يضحكون إطلاقاً. في بعض الأحيان ترافقهم كلابٌ لإرشادهم. لذا، لم أكن متحمّساً لاستقبال أعمى في منزلي.

في ذلك الصيف، في سياتل، كانت تحتاج إلى عملٍ. الرجل الذي قرّرت الزواج به آخر الصيف كان في مدرسة تدريب الضبّاط، وكان مفلساً هو الآخر. لكنّها أحبّته، وكان يحبّها. قرأتْ إعلاناً في الجريدة: «نرجو المساعدة – القراءة لرجل أعمى»، مع رقم هاتف. اتّصلتْ بالرقم وتوجّهت إلى منزل الرجل وحصلت على الوظيفة فوراً. عمِلَت مع الرجل الأعمى طوال الصيف. كانت تقرأ له كتباً ودراساتٍ اجتماعية وتقارير صحافية وغيره، كما ساعدته في ترتيب مكتبه الصغير في دائرة الخدمات الاجتماعية في المقاطعة. أصبحت زوجتي والرجل الأعمى صديقَين مقرّبَين. كيف أعرف كلّ هذه الأمور؟ هي أخبرتني بها كما أخبرتني أكثر من ذلك. في اليوم الأخير من عملها في المكتب، سألها أن تأذن له أن يلمس وجهها، فوافقت. قالت لي إنه تحسّس بأصابعه كلّ وجهها وأنفها – وحتى عنقها! لم تنسَ ذلك قطّ. حتى انها حاولت كتابة قصيدة عن ذلك. تحاول زوجتي كتابة القصائد على الدوام. في الحقيقة، كانت تكتب قصيدة أو اثنتَيْن كلّ سنة، غالباً بعد حدوثٍ أمرٍ مهمّ في حياتها.

عندما بدأنا نخرج معاً – أنا زوجتي، أطلعتني على القصيدة التي تستذكر فيها أصابعه وكيف مرّرها على وجهها. في القصيدة أيضاً، تصف مشاعرها في تلك اللحظات، والأفكار التي راودتها حين لمسَ الرجل الأعمى أنفها وشفتَيْها. أذكر جيداً أنّني لم أُعِـرْ اهتماماً للقصيدة، لكنّني بالطبع لم أخبرها بذلك. فربما أنا لا أفهم الشعر. أعترف بأنّ كُتُب الشعر هي آخر ما أفكّر فيه حين أودّ انتقاء كتاب جديد لقراءته.

المهمّ؛ ذلك الرجل الذي استمتعَ بجمالها قبلي، والذي سيصبحُ ضابطاً، كان حبيبها منذ الطفولة. فلنكمل القصّة. في نهاية ذلك ذاك الصيف الذي سمحت فيه زوجتي للرجل الأعمى بتمرير يديه على وجهها، ودّعته، وتزوّجت حبيب الطفولة، الذي بات الآن ضابطاً رفيعاً، وتركت سياتل. لكنّها والأعمى بقيا على تواصل. تواصلت معه للمرة الأولى بعد سنة تقريباً. هاتفته ذات ليلة من قاعدة للقوّات الجوّية في ولاية ألاباما. أرادت التحدُّث إلى أحد ما، فتحدّثا. طلبَ منها أن تُرسِل إليه شريطاً مُسجّلاً تخبره فيه عن حياتها، ففعلت ذلك، وأرسلت اليه شريطاً أخبرته فيه عن زوجها وعن حياتهما في القواعد العسكريّة. قالت للرجل الأعمى إنها تحبّ زوجها لكنها لا تحبّ المكان الذي يعيشون فيه أو عملَ زوجها في أمور تتعلق بالتصنيع العسكري. وأخبرت الأعمى أيضاً أنها كتبت قصيدة عنه، وأنها في صدد كتابة قصيدة أخرى عن حياتها كزوجة ضابط في القوات الجوية. لكنّها لم تنهِ القصيدة بعد. سجّل الرجل الأعمى شريطاً وأرسله إليها، فردّت عليه بشريط آخر. واستمرّا في تبادل الأشرطة لسنوات. تنقّل ضابطُ زوجتي من قاعدة عسكرية إلى أخرى. أرسلت أشرطة من قاعدة «مودي» للقوات الجوية، ومن قاعدتي «ماكغواير» و«ماكونيل»، وأخيراً من قاعدة «ترافيس» قرب مدينة ساكرامنتو، حيث شعرت ذات ليلة بالوحدة وبالابتعاد عن الناس الذين ما أن تتعرّف إليهم حتى تخسرهم في هذه الحياة غير المستقرة. وشعرت أخيراً أنّها غير قادرة على الاستمرار، فابتلعت كلّ الحبوب والكبسولات في خزانة الأدوية المنزلية، وشربت زجاجة كاملة من شراب «الجِن»، ثم استلقَت في حمّام من الماء الساخِن وفقدت وعيها.

لكنّها بدل أن تموت شعرت بتوعّك، وتقيّأت كلّ ما تناولته. عاد الضابط – لماذا ينبغي أن يكون له إسم؟ ألا يكفي أنّه كان حبيبها منذ الطفولة، فماذا يريد أكثر؟ - من مكانٍ ما ووجدها على تلك الحال، فاستدعى الإسعاف. بعد فترة، سجّلت هذه القصّة على شريط وأرسلته إلى الرجل الأعمى. على مرّ سنوات، سجّلت أشرطة عن أمور كثيرة وأرسلتها بلمح البصر إلى الرجل الأعمى. إلى جانب كتابتها قصيدة كلّ سنة، أعتقد أنّ تلك كانت تسليتها الأساسية. في أحد الأشرطة، أخبرت الأعمى أنها قرّرت العيش بعيداً عن الضابط لبعض الوقت. وفي شريط آخر، أخبرته بطلاقها. ثم بدأنا، أنا وهي، نخرج سوياً، ومن المؤكد أنها أخبرت الأعمى بذلك بطبيعة الحال. في الحقيقة، كانت تخبره بكلّ شيء، أو هذا ما بدا لي. في إحدى المرات، سألتني ما إذا كنت أرغب بالاستماع إلى آخر شريط وصلها منه. كان ذلك منذ عام تقريباً. قالت لي إنّ الأعمى أتى على ذكري في الشريط، فوافقت على الاستماع إليه. أحضرت مشروباً، وجلسنا في غرفة المعيشة. أدخلتْ الشريط في المسجّلة، وحرّكت بعض المفاتيح. بعدها، ضغطت على زرّ، فأصدر الشريط صريراً ثمّ بدأ شخص ما بالتحدّث بصوتٍ عال. خفّضتْ الصوت، وبعد دقائق من الثرثرة البريئة، سمعت اسمي يخرج من فم هذا الرجل الغريب، هذا الأعمى الذي لا أعرفه! ثم قال: «من خلال كلّ ما أخبرتني إياه عن هذا الرجل، يمكنني أن أستنتج أنه–». لكن شيئاً ما قاطعَنا، ربما طرقة على الباب أو أمر آخر، ولم نعد بعدها لمتابعة الشريط. ربما كان ذلك أفضل، فقد سمعت كلّ ما أردتُ سماعه.

الآن، هذا الرجل الأعمى نفسه قادم لينام في منزلي.

قلت لزوجتي: «ربما أصطحبه لنلعب البولينغ». كانت تقِف عند رفّ تجفيف الصحون تحضّر البطاطا المطهية بالصلصة. وضعت السكين جانباً والتفتت نحوي، وقالت: «إذا كنت تحبّني، عليك أن تقوم بواجبه من أجلي. وإن لم تكن تحبّني، فلا بأس. ولكنْ إذا دعوتَ أحد أصدقائك، أياً كان، لزيارتنا، سأفعل كلّ ما في وسعي ليشعر بالراحة». ثم مسحت يديها بمنشفة الأطباق.

 قلت: «ليس لدي أصدقاء مكفوفون».

فصاحت: «ليس لديك أصدقاء إطلاقاً». وأضافت: «اللعنة! لقد تُوفيتْ زوجته منذ فترة، ألا تفهم؟ الرجل فقدَ زوجته!».

لم أجبها. سبقَ أن أخبرتني القليل عن زوجة الرجل الأعمى. كان اسمها بيولا. بيولا! هذا اسم امرأة ملوّنة.

سألتُ: «هل كانت زوجته زنجيّة؟».

التقطتْ زوجتي حبّة من البطاطا، ضربتْ بها الأرض فتدحرجتْ تحت الفرن، وقالت: «ماذا دهاك؟ هل أنت ثمِل؟».

قلت: «إنه مجرّد سؤال».

على الفور، راحت تقصّ تفاصيل أكثر مما كنت مهتمًا بمعرفته. سكبتُ شراباً وجلست إلى طاولة المطبخ مستمعاً، وبدأتُ شظايا القصّة تتساقط في أرجاء المكان.

عملت بيولا لدى الأعمى في الصيف التالي بعدما تركت زوجتي العمل عنده. سريعاً، تزوّج الرجل الأعمى وبيولا كنسياً. كان زفافهما صغيراً – من يودّ حضور زفاف كهذا أساساً؟ - لم يحضره سوى العروسَيْن والقس وزوجته. لكنّه كان زفافاً كنسياً تماماً. هذا ما أرادته بويلا، بحسب الرجل الأعمى. في ذلك الوقت، كانت بويلا مصابة بسرطان الغدد. وبعد ثماني سنواتٍ من ارتباطها مع الأعمى (سـمّـتْه زوجتي «ارتباطاً»)، تدهورت صحّة بويلا سريعاً، وتوفّيت في مستشفى سياتل، فيما كان الأعمى بجوار سريرها ممسكاً بيدها. تزوّجا وعاشا وعمِلا معاً، وخلدا إلى الفراش معاً – وبالتأكيد مارسا الجنس – ثم كان على الرجل الأعمى أن يدفنها، وذلك كلّه من دون أن يلقي نظرة لعينة واحدة عليها! كان هذا عصيّاً عن الفهم بالنسبة إليّ. عندما سمعت ذلك، شعرت ببعض الشفقة على الأعمى. ووجدت نفسي أفكّر في الحياة التعيسة التي عاشتها هذه الإمرأة. تخيّلوا امرأة تعيش من دون أن تعرف كيف تبدو في نظر حبيبها. امرأة تعيش يوماً بعد يوم من دون أن تسمع ولو إطراءً بسيطاً من حبيبها. امرأة لا يستطيع زوجها قراءة تعابير وجهها، التعيسة منها أو الجيدة. لا فارق لديه إن تبرّجت أم لا. يمكنها، إذا أرادت، أن تضع كحلاً أخضر حول إحدى عينيها، وأن تشكّ دبّوساً في فتحة أنفها، وأن ترتدي بنطالاً أصفر وحذاءً بنفسجياً، ولن يرى أيّاً من ذلك. بعد ذلك خطفها الموت، والرجل الأعمى يمسك بيدها والدموع تنسال من عينيه المكفوفتَيْن - أتخيّلُ المشهد الآن-، ربما كان آخر ما فكّرت به في لحظاتها الأخيرة أنّه لم يرَ وجهها ولو لمرّة واحدة، وأنها في طريقها إلى القبر. كلّ ما بقي لروبرت هو بوليصة تأمين صغيرة ونصف قطعة معدنية من فئة العشرين بيزو المكسيكية. النصف الآخر دُفِن مع زوجته في التابوت. يا للبؤس.

عندما حان الوقت، توجّهت زوجتي إلى محطّة القطار لاصطحابه إلى المنزل. لم يكن لديّ ما أفعله سوى الانتظار – بالتأكيد، لمته على ذلك. كنت أشرب كأساً وأشاهد التلفاز عندما سمعت هدير السيارة تقترب من الممر. نهضتُ من على الأريكة حاملاً كأسي، وتوجّهت إلى النافذة لألقي نظرة.

شاهدت زوجتي تضحك وهي تركنُ السيارة. ثم رأيتها تخرج من السيارة وتُغلق الباب، والابتسامة على وجهها طوال الوقت. مذهل! توجّهتْ إلى الجهة الأخرى من السيارة، حيث كان الرجل الأعمى قد بدأ يترجّل. كان الرجل، تخيّلوا ذلك جيداً، ذا لحية عملاقة! رجلٌ أعمى بلحية! هذا كثير. سحب الأعمى حقيبة من المقعد الخلفي للسيارة. أمسكت زوجتي بذراعه، وأغلقت باب السيارة، وقادته، وهما يتحدّثان طوال الوقت، عبر الممر الخارجي ثم صعدا الدرج إلى المدخل الأمامي. أطفأت التلفاز، وأنهيت شرابي، وغسلت الكأس، وجفّفت يديّ، وتوجّهت إلى الباب.

قالت زوجتي: «أودّ أن أعرّفك إلى روبرت. روبرت، هذا زوجي. أخبرتك الكثير عنه». بدت مبتهجة، وهي لا تزال تمسك بكمّ معطفه.

وضع الأعمى حقيبته أرضاً ومدّ يده باتّجاهي. صافحته، فشدّ على يدي، وأمسكها لبرهة، قبل أن يفلتها.

وقال بصوت مرتفع: «أشعر بأننا سبق أن التقينا».

أجبته: «وأنا أيضاً». لم أعرف ما الذي يمكن أن اقوله أكثر من ذك. ثم أضفت: «أهلاً بك. سمعتُ الكثير عنك». بعدها دخلنا، نحن الثلاثة، إلى غرفة الجلوس. قادت زوجتي الرجل الأعمى إلى الداخل ممسكة بذراعه، وهو يحمل حقيبته باليد الأخرى. كانت تقول أشياء من قبيل: «إلى يسارك، روبرت. حسناً. انتبه، هناك كرسي أمامك. اجلس هنا، على الأريكة. اشترينا هذه الأريكة منذ أسبوعَيْن».

كنتُ على وشك أن أقول شيئاً عن الأريكة القديمة. لطالما أحببتُ تلك الأريكة. لكنني تجاهلت الفكرة. ثم أردت أن أدردش معه عن المناظر الطبيعية الجميلة التي يشاهدها المسافر بالقطار خلال الرحلة على طول نهر هدسون. فعندما تسافر إلى نيويورك يجب أنْ تجلس في الجانب الأيمن من القطار، وفي رحلة العودة يجب أن تجلس في الجانب الأيسر.

سألته: «هل كانت رحلتك مريحة؟ في أيّ جهة من القطار جلست؟».

فسارعت زوجتي إلى القول: «ما هذا السؤال! لا يهمّ أي من الجهتَيْن».

أجبتها: «إنه مجرّد سؤال».

«جلستُ إلى الجهة اليمنى»، قال الأعمى. وأضاف: «لم أركب القطار منذ أربعين عاماً تقريباً. كنتُ طفلاً في المرّة الأخيرة حين ركبتُ القطار مع والديّ. مضى وقت طويل مذذاك. بالكاد أذكرُ ما شعرتُ به وقتها. الآن غزا الشيب لحيتي. هذا ما يقوله لي الناس أقلّه». ثم سأل زوجتي: «هل أبدو مميزاً يا عزيزتي؟».

أجابته: «أنتَ حقاً مميّز يا روبرت». وتابعت: «روبرت، روبرت كم تسرّني رؤيتك».

أخيراً، أشاحت زوجتي بنظرها عن الرجل الأعمى والتفتت إليّ. شعرتُ بأنّ ملامحها تغيّرت في تلك اللحظة، لكنني تجاهلت الأمر.

لم أصادف يوماً أو أتعرف إلى شخص أعمى. هذا الأعمى في الأربعينات من العمر، ممتلئ الجسم، بدأت علامات الصلع بالظهور عليه. كتفاه محنيّان وكأنه يحمل عبئاً كبيراً فوقهما. كان يرتدي سروالاً بنّياً، وحذاءً بنّياً، وقميصاً بنّياً فاتحاً، وربطة عنق، ومعطفاً غير رسمي. بدا أنيقاً، خصوصاً مع لحيته الكثيفة. لكنه لم يحمل عصا أو يضع نظارة سوداء. لطالما ظننتُ أنّ النظارات السوداء ضرورية للمكفوفين. في الواقع، تمنّيت لو أنه وضع واحدة. للوهلة الأولى، تبدو عيناه عاديّتَيْن، كأيّ شخص آخر. لكن إذا حدّقت فيهما، ستُلاحِظ الاختلاف فوراً. الجزء الأبيض من القزحيّة أكبر من المعتاد، كما بدا أنّ البؤبؤ يتحرّك في محجر العين في كلّ الاتجاهات من دون أن يلاحظ الأعمى ذلك أو يتمكّن من إيقافه. مظهر غريب. وفيما رحتُ أحدّق في وجهه، رأيت بؤبؤ عينه اليسرى يتجه نحو أنفه، فيما حاول بؤبؤ العين الأخرى جاهداً البقاء في مكانه. لكنّ تلك المحاولات باءت بالفشل، إذ راحت تلك العين تدور في كلّ الاتجاهات، من دون أن معرفة الرجل أو إرادته.

قلت له: «سأحضر لك شراباً. ماذا تفضِّل؟ لدينا مجموعة واسعة. إنها إحدى الطرق التي نسلّي بها أنفسنا».

أجاب سريعاً بنبرة عالية: «أنا من محبّي الويسكي الإسكتلندي يا صاح».

«حسناً» أجبته. يا صاح! «بالطبع. عرفت ذلك».

مدّ أصابعه الى حقيبته التي كانت ملقاة إلى جانب الأريكة، في محاولة منه لاستكشاف محيطه. لا ضير في ذلك.

قالت زوجتي: «سآخذ الحقيبة إلى غرفتك».

أجابها بصوته المرتفع: «لا بأس. سأحملها معي حين أصعد إلى الغرفة».

سألتُه: «هل تريد بعض الماء مع الويسكي؟».

أجاب: «بضع قطرات فحسب».

قلت: «فهمت».

أضاف: «القليل من الماء. هل تعرفان الممثل الإيرلندي باري فيتزجيرالد؟ أنا مثله. يقول فيتزجيرالد، عندما أودّ شرب الماء، أشرب الماء. وعندما أودّ احتساء الويسكي، أحتسي الويسكي». ضحكت زوجتي. ومرّر الرجل الأعمى يده تحت لحيته، ورفعها وتركها تنسدل بمفردها.

سكبت ثلاث كؤوس كبيرة من الويسكي مع بضع قطرات من الماء في كلّ منها. ثم جلسنا ورحنا نتحدّث عن سفر روبرت، بدءاً برحلة طويلة في الطائرة من الساحل الغربي إلى كونيتيكت، ثم رحلة القطار من كونيتيكت إلى هنا. احتسينا كأساً ثانية أثناء الحديث عن الجزء الثاني من الرحلة.

تذكّرت أنّني قرأت يوماً أنّ المكفوفين لا يدخّنون السجائر لأنهم، كما تقول تفسيرات، لا يرون الدخان الذي ينفثونه. هذا ما ظننته، وهذا فقط ما كنتُ أعرفه عن المكفوفين. لكنّ هذا الأعمى دخّن سيجارته حتى عقبها، ثم أشعل واحدة أخرى. في الواقع، ملأ المنفضة بالسجائر، قبل أن تفرغها زوجتي.

عندما جلسنا لتناول العشاء، احتسينا مزيداً من الشراب. ملأت زوجتي طبق روبرت بشرائح اللحم والبطاطا المطهية بالصلصة، والفاصولياء الخضراء. دهنت قطعتَيْ خبز بالزبدة وقدّمتهما له قائلاً: «إليك بعض الخبز والزبدة»، ثم رشفت من كأسي، وقلتُ «دعونا نصلّي»، فأحنى الأعمى رأسه. نظرت زوجتي إليّ فاغرة فمها، فصحّحت: «دعونا نصلّي ألا يرنّ الهاتف وألا يبرد الطعام».

ثم انغمسنا في الطعام بشراهة. التهمنا كلّ ما كان على المائدة وكأنه آخر يوم في حياتنا. لم نتحدّث. كنّا نأكل فقط، لا بل كنا كمن يرعى على المائدة. انهمكنا في الطعام بشكل جدّي. تمكن الرجل الأعمى على العثور على الأطعمة مباشرة، وأدرك مكان كلّ صنف على طبقه. راقبته بإعجاب وهو يستخدم السكّين والشوكة لتقطيع اللحم. كان يقطع قطعتين من اللحم، ثم يرفعهما بالشوكة إلى فمه، ويتبعها بالبطاطا، ثم الفاصولياء، وبعدها بقطعة كبيرة من الخبز المدهون بالزبدة. ويتبع ذلك كلّه، بجرعة كبيرة من الحليب. ولم يتردّد في استخدام أصابعه بين الفينة والأخرى أيضاً.

أنهينا كل شيء، بما في ذلك نصف فطيرة من الفراولة. ولبضع دقائق، جلسنا منهكين، والعرق يتصبّب من وجوهنا. أخيراً، تركنا المائدة، مخلّفين وراءنا الصحون المتّسخة. لم نلتفت إلى الوراء. انتقلنا إلى غرفة الجلوس، وعاد كلٌّ منا إلى مكانه. جلس روبرت وزوجتي على الأريكة، فيما جلستُ على الكرسي الكبير. واحتسينا كأسَيْن أو ثلاثاً فيما كانا يتحدثان عن أبرز المحطّات في حياتهما في السنوات العشر الأخيرة. معظم الحديث كنت مستمعاً، وشاركت فيه بين حين وآخر، لكي لا يظنّ الأعمى أنني غادرت الغرفة، ولكي لا تظنّ زوجتي أني أشعر بأنني مهمّش.

 تحدّثا عن كلّ الأشياء التي حدثت لهما – فقط هما! – خلال السنوات العشر الماضية. عبثاً انتظرتُ أن أسمع اسمي يخرج من شفتي زوجتي العذبتين، كأن تقول شيئاً من قبيل: «ثم تعرّفتُ إلى زوجي العزيز...». لكنّها لم تأتِ على ذكر شيء من ذلك. كان معظم الحديث يدور حول روبرت. بدا أنّ روبرت هذا اختبر كلّ شيء في الحياة، وأنه بارع في كل الأعمال، وآخرُها عندما امتلك مع زوجته وكالة توزيع لشركة "Amway"، ومنها بحسب ما فهمت كانا يؤمّنان مصاريف حياتهما، إذا اعتبرناها حياةً. الرجل الأعمى أيضاً، كان يعمل مذيعاً في إذاعة للهواة، وحدّثنا بصوتهِ الجهوري عن حوارات دارتْ بينه وبين زملائه في الإذاعة، بعضُهم من الفيليبين، وآخرون من آلاسكا، وأيضاً من تاهيتي، وقال إنه يملك العديد من الأصدقاء في حال رغبَ بزيارة تلك المناطق. بين الفينة والأخرى، كان يدير وجهه نحوي، ويضع يده تحت لحيته، ويسألني عن شيء ما. منذ متى وأنا في عملي الحالي؟ (ثلاث سنوات) هل أحبّ عملي؟ (كلا) هل سأبقى فيه؟ (هل لديّ خيار آخر؟)... أخيراً، عندما شعرتُ بأنّه فرغ من المواضيع، شغّلتُ التلفاز.

نظرت إليّ زوجتي بحنق، وكانت على وشك أن تنفجر من الغضب. ثم التفتت إلى الرجل الأعمى وقالت: «هل لديك تلفاز يا روبرت؟».

أجابها الأعمى: «لديّ اثنَان يا عزيزتي. أحدهما ملوّن، والآخر قديم بالأبيض والأسود. المضحك أنني كلّما شغّلت التلفاز، وأنا أشغّله غالباً، أُشغّل الجهاز الملوّن. أليس ذلك مضحكاً؟».

لم أعرف بما أجيب. خانتني الكلمات. ليس لدي أيّ رأي حول هذه المسألة. لذا، واصلتُ مشاهدة البرنامج الإخباري وحاولتُ الإصغاء إلى ما يقوله المذيع.

قال الأعمى: «هذا تلفاز ملوَّن. لا تسألني كيف أعلم، لكنني متأكد من ذلك».

أجبته: «بعنا جهازنا القديم واشترينا هذا منذ فترة».

احتسى الرجل الأعمى جرعة من مشروبه، ورفع لحيته وشمّها ثم أفلتها. انحنى إلى الأمام على طرف الأريكة، ووضع منفضة السجائر على طاولة القهوة، وأشعل سيجارة أخرى. أرجع ظهره إلى الخلف مجدداً ومدّ رجليه ووضع إحداهما على الأخرى.

غطّت زوجتي فمها بيدها وتثاءبت. تمطّت قليلاً وقالت: «أعتقد أنني سأصعد إلى الغرفة وأرتدي ملابس مريحة. تصرّف براحتك يا روبرت».

أجابها الأعمى: «أنا مرتاح».

قالت له: «أريدك أن تشعر بالراحة حقاً في هذا المنزل».

فقال: «أنا مرتاح حقاً».

بعدما غادرت الغرفة، استمعنا أنا وروبرت إلى نشرة الطقس ثم إلى الموجز الرياضي. مضت فترة على غيابها، ولم أعرف ما إذا كانت ستنضمّ إلينا مجدداً. ظننتُ أنها خلدت إلى النوم. لكنني تمنّيت لو أنها تنزل من غرفتها. لم أُرِد البقاء بمفردي مع رجل أعمى. سألته إن كان يرغب بكأس أخرى، فأجاب: «بالتأكيد». ثم سألته ما إذا كان يريد تدخين بعض الحشيش معي، وقلتُ له إنّني لففتُ سيجارةً للتو. في الحقيقة، لم ألفّ السيجارة بعد، لكنني نويتُ أن افعل حالاً.

أجابني الأعمى: «سأجرّب بعضها معكَ».

فقلتُ له: «ممتاز. هذا ما أريد».

أحضرتُ كأسين وجلستُ على الأريكة إلى جانبه. ثم لففتُ سيجارتَيْ حشيش غليظتَيْن. أشعلتُ الأولى ومرّرتها له. قرّبتها من أصابعه. فتناولها وأخذ نفساً. قلتُ له: «أبقِ الدخان في رئتَيْك قدر الإمكان». بدا واضحاً أنه لم يدخّن الحشيش سابقاً.

عادت زوجتي إلى الغرفة مرتديةً ثوبا وخُفّاً ورديين.

سألت: «ما هذه الرائحة؟».

أجبتها: «ندخّن بعض الحشيش».

رمقتني بنظرة متوحشة، والتفتت صوب الأعمى، وقالت: «لم أعرف أنّك تدخّن الحشيش يا روبرت».

فأجابها: «أصبحتُ الآن كذلك يا عزيزتي. كل شيء يبدأ بمرة أولى، لكنّني لا أشعر بتأثيرها بعد».

قلتُ له: «هذا الحشيش خفيف. إنه من النوع الذي يبقيكَ صاحياً، ولا يشوّش الذهن».

فقهقه الأعمى وأضاف: «هذا ما يبدو يا صاح».

جلست زوجتي على الأريكة بيني وبين الأعمى. ناولتها السيجارة فسحبت منها نفساً وأعادتها إليّ سائلةً: «بأيّ اتجاه تمرّرونها؟» وأضافت: «لا يجدر بي أن أدخّن هذا، فأنا بالكاد أستطيع إبقاء عينيّ مفتوحتين. هذا العشاء قضى عليّ. لم يكن يجدر بي أن آكل كثيراً».

«هذا بسبب فطيرة الفراولة»، أجابها الأعمى، وتابع: «الفطيرةُ قضتْ عليكِ»، وضحكَ ضحكته الرنّانة ثم هزّ برأسه.

قلتُ له: «هناك المزيد من الفطيرة»، وأضافتْ زوجتي: «هل تريد المزيد يا روبرت؟»، فأجاب: «ربما بعد قليل».

عدنا لمشاهدة التلفاز. تثاءبت زوجتي مجدداً، وقالت: «سريرك جاهز يا روبرت متى أردت النوم. لا بد أنّك متعبٌ بعد هذا اليوم الطويل. أخبرني عندما تريد أن تنام». هزّتْـهُ من ذراعه وصاحتْ: «روبرت!».

صحا من غفوته وقال: «أمضيت وقتاً ممتعاً. هذا أفضل بكثير من الأشرطة المسجّلة، أليس كذلك؟».

قلتُ له: «حان دورك» ووضعت السيجارة بين أصابعه. استنشق بعض الدخان بعمق، وأبقاه في رئتيه، ثم أخرجه من فمه. بدا هذه المرّة وكأنه يدخّن منذ أن كان في التاسعة من عمره.

وقال: «شكراً يا صاح. أعتقد أنّني دخّنتُ كفاية. بدأتُ أشعر بتأثيره»، ثم مرّر السيجارة إلى زوجتي، فقالت، وهي تمرّرها لي، «اكتفيتُ أنا أيضاً. سأجلسُ بينكما لبعض الوقت وأُغلق عينيّ لبرهة. لا أريد إزعاجكما. إن انزعج أحدكما، فليقُل لي. ولكن إن لم تمانعا، سأجلس هنا قليلاً وأُريح عينيّ إلى أن تشعرا بالنعاس». واضافت: «سريرك جاهز يا روبرت متى أردتَ النوم. غرفتك بجانب غرفتنا مباشرة في أعلى الدرج. سنُرشِدك إليها متى أردتَ. أيقظاني إن غفوت». ما إن أنهَت جملتها حتى أغمضت عينيها وراحت في سُبات عميق.

انتهى البرنامج الإخباري فغيّرتُ القناة. عدتُ وجلستُ على الأريكة. تمنّيتُ لو أنّ زوجتي لم تنَم. كان رأسها متّكئاً على ظهر الأريكة وفمها مفتوحاً، فيما انحسر ثوبها كاشفاً عن فخذها المثير. مددتُ يدي لأغطي فخذها، لكنّني نظرتُ إلى الأعمى وتذكّرتُ أنه لا يرى شيئاً! فعدتُ وأزحتُ الثوب.

قلت له: «أخبرني عندما تريد تناول المزيد من فطيرة الفراولة»، فأجاب: «سأفعل».

أضفت: «هل أنت متعب؟ هل تريدني أنْ آخذكَ إلى السرير؟ هل تريد أن تخلد إلى النوم؟».

"ليس بعد. سأسهر قليلاً معك يا صاح إن لم تمانع. سأبقى معك إلى أن تنعس. لم تُتح لنا الفرصة للتحدث معاً، أليس كذلك؟ أشعر أنّني وزوجتك استأثرنا بالأمسية». رفع لحيته وتركها تهوي، وتناول علبة السجائر والولاعة.

أجبته: «لا بأس. تسرّني رفقتك». وربما كنت كذلك فعلاً. في كلّ ليلة، أدخّن الحشيش وأسهر لأطول فترة أستطيعها قبل أن أغفو. نادراً ما نأوي أنا وزوجتي إلى الفراش في الوقت نفسه. عندما أغفو، تراودني أحلام غريبة. وأحياناً أستيقظ وسط أحد هذه الأحلام وقلبي يخفق بجنون.

كان التلفاز يعرض برنامجاً عن الكنيسة والعصور الوسطى مختلفاً عمّا يُعرض في العادة. أردتُ مشاهدة برنامج آخر، فقلّبت بين القنوات، لكنّ أيَّا منها لم يُثِر اهتمامي. فعدتُ إلى القناة الأولى واعتذرتُ.

فقال الأعمى: «لا بأس يا صاح. أنا سعيدٌ بكل الأحوال، أيّ شيء تريد مشاهدته سيكون جيداً بالنسبة لي. فأنا أتعلّم من كل شيء، التعلُّم لا ينتهي، لنْ يضرّني أنْ أتعلّم شيئاً جديداً هذه الليلة، لا تنسَ... لديّ أذنان».

تابعنا بصمت لبعض الوقت. كان منحنياً إلى الأمام ويدير وجهه ناحيتي، ويوجّه أذنه اليمنى نحو التلفاز. كان ذلك مزعجاً. بين الفينة والأخرى كان جفناه يتدليان فوق عينيه، ثم يرفعهما بسرعة، يمسكُ لحيته ويشدّها، وكأنه يفكّر بما يسمعه من التلفاز.

على الشاشة، كانت مجموعة من الرجال يرتدون قلانس يتعرّضون للضرب والتعذيب على أيدي رجال يرتدون أزياء هياكل عظميّة وآخرين بملابس شياطين. المجموعة الأخيرة ارتدت أقنعة شيطانية وقروناً وأذيالاً طويلة. كان هذا العرض ضمن كرنفال قال المعلّق الإنكليزي إنه ينظَّم في إسبانيا سنوياً. حاولت أن أشرَح ما يجري للرجل الأعمى.

هزّ رأسه موافقاً: «هياكل عظمية... أعرف الهياكل العظمية».

ثم عرض البرنامج مشاهد لإحدى الكاتدرائيات، تلتها لقطات مطوّلة لكاتدرائية أخرى. أخيراً، انتقلت الصورة إلى الكاتدرائية الشهيرة في باريس، مع دعاماتها الشاهقة وأبراجها التي تناطح السحاب. ثم ابتعدت الكاميرا لتُظهر الكاتدرائيةً كاملةً فوق الأفق.

كانت تمر فترات يصمت فيها المعلّق الانكليزي تاركاً الكاميرا تدور في أرجاء الكاتدرائيات، أو تجول في الأرياف وتصوِّر رجالاً يسيرون في الحقول خلف ثيران. انتظرتُ قدر الإمكان، ثم شعرتُ أنّ عليّ التفوّه بشيء ما، فقلتُ: «إنهم يعرضون صور الكاتدرائية من الخارج الآن. تماثيل صغيرة منحوتة على شكل وحوش. أعتقد أنها في إيطاليا الآن. أجل، إنهم في إيطاليا. هناك لوحات معلّقة على جدران هذه الكنيسة». 

سألني: «هل هي لوحات جصّية يا صاح؟»، ثم أخذ رشفة من كأسه.

 مددتُ يدي إلى كأسي فوجدتُها فارغة، حاولتُ أن أتذكّر ما يمكن تذكُّره. قلت له: «تسألُني إنْ كانتْ هذه اللوحات جصّية؟ إنه سؤال وجيه، لكني لا أعرف».

انتقلت الكاميرا إلى كاتدرائية قرب لشبونة. لم تختلِف الكاتدرائية البرتغالية كثيراً عن تلك الفرنسية والإيطالية، لكنها موجودة، ومعظمُ الفروق في التصميم الداخلي. ثم خطر لي أن أسأل الأعمى، فقلت: «خطر لي شيء، هل تملكُ أدنى فكرةٍ عمّا تكون الكاتدرائية؟ أعني كيف تبدو؟ هل تفهمُ عليّ؟ إذا ذكر أحدهم كلمة "كاتدرائية" أمامك، فهل لديكَ أيُّ تصوّر عمّا يتحدث؟ هل تعرف مثلاً الفرق بين الكاتدرائية والكنيسة؟».

نفث الدخان من فمه متقطّعاً، وقال: «أعرف أنّ بناءها استغرق خمسين أو مئة سنة وتطلّب مئات العمّال. سمعتُ ذلك على لسان المعلّق للتو. وأعرف أنّ أجيالاً عدّة من العائلة نفسها شاركت في بنائها. سمعتُه يقول ذلك أيضاً. بعض الرجال الذين أمضوا حياتهم في بنائها لم يعيشوا إلى زمنٍ يرونَ فيه اكتمال ما بنوه. من هذه الناحية، يا صاح، أعتقد أنّ حالهم كحالنا جميعاً، أليس كذلك؟»، ثم قهقه وتدلّى جفناه على عينيه، وأحنى رأسه قليلاً. بدا وكأنه غفا. ربما كان يتخيّل نفسه في البرتغال.

 انتقل البرنامج إلى كاتدرائية أخرى، هذه المرّة في ألمانيا. وتابع المعلّق الإنكليزي السرد بصوته الرتيب. «كاتدرائيات»، قال الأعمى. عدّل وضعيّته وراح يهزّ برأسه. «في الحقيقة يا صاح، هذا كلّ ما أعرفه عنها. أقصد ما قلته للتو. ما سمعته على لسان المعلّق. لكنْ، هل يمكن أن تصف لي إحداها؟ أتمنّى أنْ تفعل ذلك. سيُسعدني ذلك. بصراحة، الفكرة ليست واضحة في ذهني». تمعّنتُ بصعوبة في الكاتدرائية التي تظهر على الشاشة. من أين أبدأ بوصفها؟ لكنْ فلأفترض أنّ حياتي متوقفةٌ على ذلك، فلأفترض إن حياتي مهدّدة من قبل شخصٍ مجنون، أمرني بأن أصف له الكاتدرائية أو أموت.

حدّقت أكثر في الكاتدرائية قبل أن تنتقل الكاميرا لعرض لقطات من الريف. لا فائدة من الأمر، ولكن فلنحاوِل. استدرتُ نحو الأعمى وقلتُ: «لنبدأ بأنها طويلة جداً». كنت أبحث في الغرفة عن بعض الوحي. «إنها تمتدُّ إلى الأعلى، عالياً جداً. لبعضِ الكنائس دعائم كبيرة تحفظ لها تماسكها، يمكن قول الكثير من الأشياء، الدعائم تسمّى عوارض، إنها تذكّرني لسببٍ ما  بالجسور. لكنكَ ربما لا تعرف ما هي الجسور أيضاً؟ أحياناً تُنحَت شياطين ووحوش على واجهات الكاتدرائيات. وأحياناً أخرى تُنحَت تماثيل لرجال ونساء من النبلاء والنبيلات. لكن لا تسألني لماذا».

كان يهزّ برأسه. بدا وكأن القسم الأعلى من جسمه يتمايل إلى الأمام والخلف. سألته: «لا أجيدُ الشرح، أليس كذلك؟».

توقّف عن الاهتزاز واقترب من طرف الأريكة. كان يمرّر أصابعه في لحيته وهو يستمع إليّ. لم أستطعْ إيصال الفكرة له، بدا ذلك واضحاً، لكنه واصل الإصغاء لشرحي على المنوال نفسه. ثم هزّ برأسه، وكأنه يشجعني على المتابعة. حاولت التفكير في شيء آخر أقوله: «إنها كبيرة جداً، إنها هائلة، مبنيّة من الصخر، وأحياناً من الرخام. في الزمن الذي كانت تُبنى فيه الكاتدرائيات، أراد الناس يكونوا قريبين من الله. آنذاك، كان الله جزءاً أساسياً من حياة كل إنسان. يمكنك تبيُّن ذلك من طريقة بنائهم للكاتدرائيات. اعذرني. أظنّ أنّ هذا كل ما في وسعي فعله. لستُ بارعاً في الوصف».

قال الأعمى: «لا بأس يا صاح». وأضاف: «إسمعني. آمل ألا تمانِع أنْ أطلب منكَ شيئاً، هل لي أنْ أطلب منك؟ دعني أسألك سؤالاً بسيطاً، وما عليك سوى الإجابة بنعم أم لا. إني رجلٌ فضوليّ فحسب، ولا أقصد الإساءة، فأنا في ضيافتك. دعني أسألكَ هل أنت - بطريقةٍ ما - رجلٌ مؤمن، إن لم تمانِع؟».

هززت رأسي في إشارة للنفي. لكنه لم يرَ ذلك. فالغمز والإيماء سيّان بالنسبة إلى الأعمى. ثم قلتُ: «أظنّ أنني لستُ مؤمناً. لا أؤمن بشيء. هذا صعب أحياناً، أتفهمني؟».

- «بالتأكيد، أفهمك تماماً».

- «جيد».

كان المعلّق الإنكليزي يواصل الكلام. أخرجت زوجتي تنهيدة أثناء نومها، ثم أخذت نفساً عميقاً وواصلت غفوتها.

قلت: «أرجو أن تعذرني، لكنني لا أستطيع أن أصِف لك كيف تبدو الكاتدرائية. لا أملكُ ذلك، ولا أستطيع فعلَ أكثر مما فعلت».

لم تصدر أيّ حركة عن الرجل الأعمى وهو يصغي إليّ محنيّ الرأس.

أضفت: «في الحقيقة، لا تعني الكاتدرائيات لي الكثير. لا شيء. صدقاً. هي مجرّد أشياء تشاهدها في برامج من هذا النوع تُعرَض في آخر الليل. هذا كلّ ما في الأمر».

تنحنح الأعمى لتسليك حنجرته فخرج شيء من جوفه. أخرج منديلاً من جيبه الخلفي، ثم قال: «فهمتُ عليكَ يا صاح. لا عليك. يحدثُ هذا عادةً، لا تقلقْ». وأضاف: «اسمَع. هل تُسدي لي معروفاً؟ خطرت لي فكرة. هلّا تُحضِر ورقة سميكة وقلماً. سنرسم كاتدرائية معاً. أحضِر قلماً وبعض الورق السميك. هيا يا صاح، أحضرها».

صعدتُ إلى الطابق العلوي. شعرتُ أنّ رجليّ تخذلانني، وكأنّي عدتُ للتو من الجري. بحثتُ في غرفة زوجتي، فعثرتُ على بعض أقلام الحبر الجاف في سلّة صغيرة على طاولتها. ثم رحتُ أفكّر أين يمكنني العثور على الورق الذي طلبه منّي.

في المطبخ، في الطابق، السفلي، وجدتُ كيساً ورقياً في قعره بعض قشور البصل. أفرغتُ الكيس ونفضته وأخذته إلى غرفة الجلوس. وجلستُ على الأرض قرب ساقيّ الأعمى. أزحتُ بعض الأغراض عن طاولة القهوة ومسّدتُ الكيس ووضعته على الطاولة.

نزل الأعمى من على الأريكة وجلس بجواري على السجّادة.

مرّر أصابعه على الورق، ملامساً كلّ جوانبه، حتى الأطراف والزوايا.

ثم قال: «حسناً. فلنرسمها».

عثر على يدي التي أحمل القلم بها، ووضع قبضته فوقها، وأضاف: «ارسُم. سترى. دعني أتبع حركة يدك. لا تقلق. إبدأ بالرسم كما قلتُ لك. سترى. هيّا ارسُم».

فبدأت بالرسم. في البداية رسمتُ مربّعاً أشبه بمنزل. قد يكون منزلاً عشت فيه سابقاً. ثم وضعت سقفاً له، وعلى طرفيّ السقف رسمتُ بُرجين عاليين، يا للجنون!

قال الأعمى: «جيد. ممتاز. تقوم بعمل عظيم. لم تظنّ يوماً طوال حياتك أنّ شيئاً كهذا قد يحدثُ معكَ، أليس كذلك يا صاح؟ حسناً، الحياةُ غريبة، جميعنا يعرف هذا. تابعْ، أبدعْ».

رسمتُ نوافذ وأقواساً، وعوارضَ طائرة، وأبواباً ضخمة. لم أستطِع التوقف. انتهى بث القناة التلفزيونية. وضعتُ القلم جانباً وحاولت إراحة يدي عبر تحريك أصابعي. راح الأعمى يتحسّس الورقة، ويمرّر أطراف أصابعه على الخطوط التي رسمتها. ثم هزّ برأسه وقال: «ممتاز».

التقطتُ القلم مجدداً، وأمسك الأعمى بيدي، وتابعنا الرسم. لستُ فناناً على الإطلاق، لكنّني تابعت الرسم بالطريقة نفسها.

فتحت زوجتي عينيها وحدّقت بنا. ثم وقفت على الأريكة بثوبها المفتوح وسألت: «ماذا تفعلان؟ أخبراني، أريد أنْ أعرف».

لم أجبها.

قال الرجل الأعمى: «نرسمُ كاتدرائية. نعمل أنا وهو عليها». ثم قال لي: «اضغطْ بقوة. أجل. جيد. مؤكد أنك تقوم بعمل جيد يا صاح. لم تظنّ أنّ بإمكانك الرسم، لكنك نجحت، أليس كذلك؟ أنتَ الآن تطهو على نارٍ هادئة، أتفهمُ ما أقول؟ سننجزُ عملاً هاماً حالاً. كيف هي حال ذراعك؟ ارسُم بعض الناس. فما فائدة كاتدرائية خالية من الناس؟».

 سألَت زوجتي: «ما الذي يجري يا روبرت؟ ما الذي يجري؟»

أجابها: «كلُّ شيء على ما يرام»، ثم قال لي: «أغلق عينيكَ الآن».

فعلتُ ذلك. أغلقتهما كما طلب منّي.

سألني: «هل أغلقتهما؟ لا تراوغ».

أجبته: «أغلقتهما».

قال: «أبقهما كذلك، ولا تتوقفْ. تابع الرسم الآن».

 

تابعنا الرسم معاً، أصابعُه تركبُ فوق أصابعي، بينما تسيرُ يدي على الورقة. لم يمر بي شيء كهذا في حياتي، حتى هذه اللحظة.

قال: «أعتقد أننا نجحنا، لقد فعلتها. ألقِ نظرة. ما رأيك؟».

لكنّ عينيّ بقيتا مغلقتَيْن. فكّرت بأن عليّ إبقاءهما مغمضتين لفترةٍ أطول. شعرتُ أنّه لا يجدر بي فتحهما.

قال: «حسناً، هل تنظر الآن؟».

كانت عيناي لا تزالان مغلقتَيْن. كنتُ في منزلي. أدرك ذلك. لكنني لم أشعر أنني داخل أي مكان.

ثم قلتُ: «إنها حقاً جميلة»

ريموند كارفر

قاص أميركي (1938-1988).

×