24 أيار 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

بونابرتية رثّة في قرطاج

أحمد نظيف

23 كانون الثاني 2023

لا يمكن أن يكون قيس سعيّد قائداً كاريزمياً بالمعنى التقليدي (تصميم المراسل)

كم تبدو الفجوة عميقة بين الأماني التي أطلقتها الجموع مختلفة الانتماءات من أنصار الرئيس قيس سعيّد ليلة انقلابه في 25 تموز/يوليو 2021 على قواعد اللعبة التي جاءت به إلى السلطة، وبين الواقع الكارثي الذي يعيشونه اليوم شأنهم شأن بقية الشعب وفئاته.

كانت الشعارات في المرحلة تلك «فلتذهب الديمقراطية إلى الجحيم... نريد اقتصاداً ورفاهاً وإنجازاً... شرعية الإنجاز هي الشرعية الوحيدة التي نريد». لكن بعد حوالي عام ونصف العام، لم يبق من الديمقراطية غير ظلالها، فيما الإنجاز نسمع به كثيراً في خطب الرئيس وشعاراته، وفي برامج حكومته، لكن دون أن نراه.

كانت بسيطة المقايضة التي وضعها سعيّد أمام الشعب إبان انقلابه، ومباشرة ومغرية إلى أبعد الحدود. قامت على الضد مما عاشه الناس خلال عشر سنوات من «انتقال ديمقراطي مغشوش» بوصفات التوافق بين الأضداد، كحركة النهضة ونداء تونس، وبتأمين الحد الأدنى من المصالح المشتركة للطبقة الحاكمة. مقايضة أساسها أن يتخلى الناس عن الديمقراطية التمثيلية، التي وضعها في خانة الكبائر، في مقابل أن يتمتعوا برفاه حكم القائد المعبِّر عن الإرادة العامة، الذي تتلخص في ذاته وشخصه قيم العدل والحرية والكرامة. كان ذلك انتصار القوّة بلا كلام على قوّة الكلام.

هل كان أنصار الرئيس – الكثيرون والمتحدّرون من الفئات والطبقات والمناطق كافة في حينه – على ضلال في تلك اللحظة؟ قطعاً لا، لأنّ الخطأ والصواب لا يمكن فصلهما عن سياق تاريخي موروث، لم يبدأ في 25 تموز/يوليو، بل في عام 2011، عندما أسقطت الثورة زين العابدين بن علي دون أن تبني أفقاً ثورياً لتنظيم السلطة الجديدة. سلطة تحوّلت إلى محاصصة حزبية لها من المصالح المشتركة ما جعلها تبتعد عن أشواق هذه الجماهير في الكرامة والعدالة، ودفعت بها إلى هاوية الإحباط والفرح بصعود المُخلِّص.

 

لماذا بونابرتية؟

في كتاب «الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت»، الذي صدر عام 1852 كتحليل نقدي مادي لانقلاب 2 كانون الأوّل/ديسمبر 1851 الذي استولى بموجبه نابليون الثالث، رئيس الجمهورية الفرنسية الثانية آنذاك، على السلطة وأسَّس الإمبراطورية الثانية، يشير ماركس إلى أنّ الجماهير/الناس لا تأخذ قراراتها وفقاً للحظة الحاضرة، بل إنّ أثقال الماضي هي التي تلعب الدور الأكبر في القرار.

يوجز ذلك على نحو دقيق وشديد البلاغة، قائلاً: «إنّ الناس يصنعون تاريخهم بيدهم؛ إنّهم لا يصنعونه على هواهم. إنّهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم، بل في ظروف يواجَهون بها وهي معطاة ومنقولة لهم مباشرة من الماضي. إنّ تقاليد جميع الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء. وعندما يبدو هؤلاء منشغلين فقط في تحويل أنفسهم والأشياء المحيطة بهم، في خلق شيء لم يكن له وجود من قبل، عند ذلك بالضبط، في فترات الأزمات الثورية كهذه على وجه التحديد، نراهم يلجؤون في وجل وسحر إلى استحضار أرواح الماضي لتخدم مقاصدهم».

هذا ما وقع للذين دعموا قيس سعيّد لحظة انقلابه. فهم لم يخشوا سلطته الفردية التي كشفها علانية، بقدر خشيتهم مِن الذين كانوا يحكمون، والذين بدّدوا الأحلام بعد الثورة. كان الماضي حاسماً في قرارهم أكثر من الحاضر.

جاء انقلاب سعيّد في تلك اللحظة من الإحباط الجماهيري، التي لا يمكن فيها التمييز بين الخطأ والصواب. لحظة كان المحكومون فيها يبحثون عن قشّة تنجيهم من الغرق في مستنقع «الديمقراطية التوافقية» مرّة جديدة. لذلك يسترسل ماركس ملخِّصاً اللحظة ببراعة: «ولهذا يبدو أنّ فرنسا لم تنج من استبداد طبقة برمّتها إلا لتقع تحت استبداد فرد، بل وتحت سلطة فرد بلا سلطة. ويبدو أنّ الصراع قد انتهى بحيث أنّ جميع الطبقات، وقد تساوت عجزاً وسكوتاً، جثت على ركبها أمام عقب البندقية».

اقتباس ماركس لا يعبّر عن زيف وعي الجماهير فحسب، بل إنّ كتاب «الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت»، يكشف إلى حد بعيد مشتركات بين لويس نابليون بونابرت وقيس سعيّد. كلاهما بلغ السلطة بالاقتراع العام مدفوعاً بشرعية شعبية كاسحة، وكلاهما انقلب على قواعد اللعبة التي جاءت به إلى السلطة، وكلاهما عادى النظام البرلماني والبرلمان بوصفه تعبيراً عن تنوّع الإرادة الشعبية، وكلاهما اعتبر ذاته الرئاسية معبِّراً وحيداً عن الإرادة العامة.

لذلك، يبدو لي، أنّه ليس من باب التجاوز اعتبار نظام قيس سعيّد القائم بونابرتياً. لكنّه ضربٌ من البونابرتية الرثة.

لويس نابليون بونابرت يؤدي اليمين كأوّل رئيس للجمهورية الثانية، 20 كانون الأوّل/ديسمبر 1848 (BNF)

 

لا يمكن ممارسة السلطة البونابرتية إلا ضمن إطار مؤسسي موحّد، هو الجمهورية المناهضة للتمثيل البرلماني، وهو نظام يمنح السلطة التنفيذية الغلبة المطلقة. مع ذلك، ينفي البونابرتيون عن أنفسهم دائماً صفة «الاستبداد»، وهذا دأب الرئيس التونسي في كلّ مناسبة يتاح له فيها القول والتعبير، وكان أيضاً دأب لويس بونابرت الذي وعد في خطاب تنصيبه رئيساً بأن تكون «الجمهورية الديمقراطية لي عبادةً: سأكون كاهنها».

إذا كان البونابرتيون يمقتون المؤسسات التمثيلية والهيئات الوسيطة، التي تقيم الكثير من العقبات أمام التلاحم بين الشعب والسلطة، فإنّهم يدافعون عن ديمقراطية تهدف إلى أن تكون مباشرة. لكنهم دائماً ما يفضِّلون أن يستمدّوا شرعيتهم من الاستفتاء العام. لجأ قيس سعيّد إلى الاستفتاء كي يثبت شرعيته من خلال إقرار دستور يضمن له الحق في التصرّف ملكاً كما لجأ من قبله بقرون نابليون الأوّل إلى الاستفتاء أربع مرات في أربعة عشر عاماً، ولويس نابليون خمس مرّات في ثمانية عشر عاماً.

أما الملمح الثالث من طبيعة النظام البونابرتي فهو السعي إلى دمج الأجزاء المختلفة من الجسم الاجتماعي في كلٍّ واحدٍ يتفاعل وينمو ويزدهر متناسقاً مع القائد. وذلك يؤدي ضرورةً إلى إنهاء وجود الأحزاب والمنظمات والأجسام الوسيطة بين الشعب والسلطة، وهذا جوهر عقيدة قيس سعيّد في تمثُّلِه للسياسة. وهو جوهر النهج السياسي البونابرتي التقليدي إذ لم يكن ثمّة حزب للسلطة في عهد لويس بونابرت، فالانتخابات التشريعية تُختزَل إلى مواجهة بين المرشحين الرسميين، وبعبارة أخرى البونابرتيين... وهو الأمر نفسه الذي جرى قبل أسابيع قليلة في تونس خلال الانتخابات التشريعية التي أقيمت في غياب أيّ معارضة، فاختُزِل الاستحقاق إلى مواجهةٍ بين مرشحين يجمعهم الولاء للرئيس ولنهجه السياسي، حتى وإن كانوا متنافسين.

 

روافد «الشعب الحقيقي»

تهتم البونابرتية بالشكل. فيستدعي وصفها نفسها بالديمقراطية اهتماماً بإجراء الانتخابات وتأكيداً على أنّ من يحكم لن يكون إلا حصيلة الإرادة الشعبية. لكن داخل هذا التجويف الانتخابي الشكلي لا توجد ديمقراطية. التنافس داخل البونابرتية هو مجرّد تبادل أدوار بين مرشحين يحملون تقريباً التوجه نفسه مع اختلافات بسيطة. هذا تماماً ما حدث خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة التي نظّمها قيس سعيّد وحكومته على أساس قانون انتخابي وضعه بنفسه، وتحت سلطة هيئة انتخابات عيّن أعضاءها، فيما ترشّح إليها من يعتبرهم ممثلي «الشعب الحقيقي»، المقابل الموضوعي لـ«النخب الفاسدة».

جاء هؤلاء المتنافسون من ثلاثة روافد مختلفة: الأوّل، تيّار الرئيس، ويمثّله عدد كبير من المرشحين الموجودين تقريباً في الدوائر الانتخابية كافة، وهم معروفون بقربهم إلى سعيّد سياسياً وفكرياً، وكان قطاع واسع منهم شارك في حملته الرئاسية عام 2019. تنتمي غالبيتهم إلى الطبقات الوسطى والشعبية، وإلى شريحة شباب يحملون شهادات جامعية ومن ذوي توجهات يسارية وقومية، إلى جانب أنصار مشروع الديمقراطية المباشرة التي يبشّر بها سعيّد.

يتمتع هذا التيّار بدعم واسع، خاصة في المناطق الداخلية للبلاد مستفيداً من التهميش الاقتصادي المديد الذي تعانيه. كما أنّه يستفيد من وجود سعيّد في رأس السلطة، سواء من حيث سيطرته على أجهزة الدولة البيروقراطية، أو من حيث المزاج الشعبي المؤيّد له نسبياً حتى الآن.

أما الرافد الثاني، فهم السياسيون التقليديون. يمثّله عدد من المرشحين من ذوي الخلفيات الحزبية الذين تقدّموا إلى الاستحقاق التشريعي بصفة فردية رغم أنّهم يمثّلون أحزاباً سياسية قائمة، أو أخرى منحلة. والتيّار الأوضح ضمن هؤلاء هم المرشحون عن الأحزاب القومية العربية (حركة الشعب، والتيار الشعبي)، ويعدّ هذا التيار مسانداً قوياً للرئيس، ويحظى بعض مرشحيه في مناطق مثل ولايات الجنوب والوسط بدعم قواعده الشعبية. وثمة تيّار آخر يتكوّن من السياسيين الذين كانوا ناشطين في أحزاب لم تعد موجودة على الساحة، أو أخرى قاطعت الانتخابات، مثل قيادات سابقة في حركة نداء تونس، أو نشطاء سابقين في حركة النهضة، وتنتمي غالبية هؤلاء إلى الطبقة الوسطى، والشرائح العليا من الطبقة الوسطى، ولديهم ميول نحو تأييد السياسات الرئاسية.

يتكوّن الرافد الثالث من الوافدين الجدد. يمثّل هذا التيّار، غير المتجانس، عدد كبير من المرشحين الذين يشاركون للمرّة الأولى في المشهدين السياسي والانتخابي، إذ فتحت آلية الترشّح الفردي الباب واسعاً أمام فاعلين من خارج الجسم الحزبي للمشاركة في العملية السياسية. لا تملك غالبية هؤلاء أيّ خبرة في العمل السياسي، وقد بدا واضحاً من حملاتهم الانتخابية مدى الارتجال والعفوية التي تتّصف بها برامجهم. ينتمي قطاع منهم إلى الطبقات الشعبية، ما يعكس رغبتهم في الصعود الاجتماعي، فيما ينتمي قطاع آخر إلى طبقة الوجهاء المحليين في المناطق الداخلية، الذين سيستفيدون من ميزة التصويت على الأفراد للظفر بمقعد في البرلمان، خاصة أنّه يمكن أن تؤدي الانتماءات العشائرية والجهوية، لا سيما في جنوب البلاد ووسطها، دوراً كبيراً في اتجاهات التصويت. وذلك ما ستكشف عنه النتائج النهائية بعد الدور الثاني.

على اختلاف الجذور والتركيب الاجتماعي، فإنّ ما يجمع هذه الروافد الثلاثة هو الولاء للنهج السياسي للرئيس، وفي الحد الأدنى الموافقة على المسار السياسي في البلاد.

 

مكامن الرثاثة

لكن كيف لهذه البونابرتية التونسية المعاصرة أن تكون رثّةً؟

تنبع جذور رثاثتها أولاً من الخصال الشخصية لــ«القائد البونابرتي»، فلا يمكن المقارنة بين بونابرت الثالث وقيس سعيّد على المستوى الشخصي دون ملاحظة محدودية التفكير السياسي لدى الثاني. تحتاج البونابرتية إلى قائد داهية، يملك ذكاءً سياسياً، ويكون قادراً على القفز فوق الطبقات كي يحكم ويوطّد ركائز حكمه، وهو ما فعله لويس بونابرت خلال ثمانية عشر عاماً من الحكم منفرداً فوق كافة الطبقات الفرنسية المتصارعة في الأسفل.

لقد نجح في ذلك من خلال آليات إنتاج ولاء ناجعة مثل الاستفتاءات الشعبية المباشرة، التي كسبها بنتائج ساحقة، وكذلك عبر اللعب على التناقضات بين الطبقات، وكان كما وصفه ماركس: «يحب أن يظهر بمظهر الأب المنعم لجميع الطبقات. ولكنه لا يستطيع أن يعطي طبقة من الطبقات دون أن يأخذ من الأخرى».

أما النموذج الرثّ الذي يمثّله قيس سعيّد فيبدو بعيداً عن النسخة الأصلية للبونابرتية. فبقدر ما يسعى إلى فرض نموذج من القيادة المؤثِّرة، على نمط قيادات ما بعد الاستعمار في الستينيات، يخفق في كلّ مرة فيتحوّل الأمر إلى سلسلة طويلة من السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي.

لا يمكن أن يكون قيس سعيّد قائداً كاريزمياً بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو قائد ديماغوجي لا يقدِّم مشروع تغيير جذري، بل يسعى إلى إعادة إنتاج الأنظمة السابقة على نحو مشوّه. يقدِّم ماكس فيبر إطاراً اجتماعياً صارماً للتفكير حول مسألة كاريزما الأفراد، أو بتعبير أكثر دقة «العلاقة الكاريزمية»، أي تلك العلاقة التي تنتج التصاقاً بين أولئك الذين يحدِّدون الصفات غير العادية في القائد. ومن خلال إطار فيبر، لكي نكون قادرين على التحدّث عن القيادة الكاريزمية، يجب علينا أيضاً، وقبل أيّ شيء، أن نلمس البعد الثوري في المشروع السياسي للقائد. فالكاريزما ثورية دائماً! لا كاريزما غير مرتبطة بالرغبة في إحداث تحوّل جذري في المجتمع، سواء كانت هذه الثورة تقدمية أو رجعية.

أما موضوع الرثاثة الأشد وضوحاً في نظام سعيّد فهو «فقر الشرعية الشعبية» التي صار يعاني منها. ظهر ذلك واضحاً في نسب المشاركة الضعيفة في الاستفتاء المباشر على الدستور الجديد في تموز/يوليو الماضي، وكذلك الأمر بشأن النسبة التاريخية لمقاطعة الاستحقاق التشريعي، إذ لم يشارك في جولته الأولى سوى 11,2 بالمئة من مجموع الجسم الانتخابي، وهي نسبة متدنية غير مسبوقة بالمقارنة مع الاستحقاقات السابقة (نحو 55 بالمئة في انتخابات 2011، ونحو 69 بالمئة في انتخابات 2014، ونحو 42 بالمئة في انتخابات 2019).

 

الشعبوية وقد فقدت شعبها

المفارقة العجيبة أنّ لدى الشعبويين علاقة فريدة بالانتخابات. إنّهم يستخدمونها كاستراتيجية لإبراز قوّتهم الشعبية، وإنتاج شرعية راسخة، والتعبير عن مدى ولاء المحكومين لهم. هي بمثابة طقوس تحتفي بــ«الشعب الحقيقي»، وتعامل المعارضة على أنّها ليست شرعية تماماً، أو على أنّها جسم غريب عن الشعب لفظته صناديق الاقتراع.

في خطابات القائد، أغلبيته ليست أغلبية بين أخر؛ إنّها الأغلبية الحقيقية، التي لا تكون صلاحيتها عددية فحسب، بل أخلاقية في المقام الأوّل، مستقلة عن إجراءات التصويت وتتفوّق عليها. تطمح الشعبوية إلى الوصول إلى السلطة من خلال المنافسة الانتخابية، ولكنّها تستخدم الانتخابات كاستفتاءات عامة تعمل على إثبات قوّة الفائز للجمهور. وهذا يجعل الشعبوية مختلفة عن الفاشية، التي لا تحتاج إلى انتخابات لإثبات شرعيتها، ويجعلها في الواقع شكلاً من أشكال الأغلبية الراديكالية التي تستخدم طقوس الانتخابات لإظهار قوّتها من خلال عدّ الأصوات. هذا المعطى الحاسم لتكون الشعبوية شعبويةً حقاً ومتمكنةً، غائب – لحسن الحظ – في تونس.

فقد فقدت شعبوية الرئيس سعيّد الفريدة غالبيتها الشعبية في أوّل امتحان للشرعية. نحن اليوم إزاء بناء شعبوي متكامل في تونس، يتكوّن من قائد شعبوي، وسردية شعبوية، وإدارة شعبوية، لكنّه يفتقد أهم ركيزة كي يواصل الوقوف، وهي «الشعب/ الغالبية».

غير أنّ المأزق الأكبر بالنسبة إلى قيس سعيّد ليس فقدان الشرعية الشعبية فحسب، إنّما غياب «شرعية الإنجاز» التي شيّد عليها قطاع واسع من أنصاره أمانيهم بالتغيير عشية انقلاب تموز/يوليو. يملك سعيّد صلاحيات واسعة لا حدّ لها بموجب الدستور الجديد، كما أنّه يملك سيطرة واضحة على أجهزة العنف، الأمنية والعسكرية والاستخباراتية، ولكنه في المقابل يبدو عاجزاً. فرغم هذه السيطرة الكاملة على جهاز الدولة البيروقراطي وغياب المعارضة السياسية والاحتجاجات النقابية الواسعة، فإنّ حكومته عجزت خلال عام ونصف العام عن تحقيق شعاراته التي رفعها حول الازدهار والرفاه، بل إنّ الأوضاع في عهدها تراجعت عمّا كانت عليه قبل صيف 2021.

في الزمن السابق لعام 2011، كان النظام السياسي الاستبدادي الحاكم منذ استقلال البلاد في عام 1956، قائماً على شكل من مقايضة الرعاية الاجتماعية بالديمقراطية، أي مشيَّداً على «شرعية الإنجاز الاقتصادي – الاجتماعي»، وعندما وصلت هذه الشرعية إلى حالة اهتراء سقط النظام. أما اليوم فقيس سعيّد عاجز عن تحصيل الشرعية الشعبية الانتخابية، وهو أعجز من أن يحقّق شرعية «إنجاز اقتصادي». ومع ذلك فهو حريص على البقاء داخل فقاعته كي لا يواجه الواقع.

نجح الرجل في تحقيق قفزة بونابرتية ليلة الخامس وعشرين من تموز/يوليو، لكنه عجز عن المضي في مسار بونابرتي، ذلك أنّ «جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تظهر، إذا جاز القول، مرتين (...) المرّة الأولى كمأساة والمرّة الثانية كمهزلة» (ماركس -الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت).

أحمد نظيف

كاتب صحافي تونسي، وباحث مهتم بالعلوم الاجتماعية، صدر له: بنادق سائحة: تونسيون في شبكات الجهاد العالمي (2016)؛ المجموعة الأمنية: الجهاز الخاص للحركة الإسلامية في تونس (2017)؛ عشر ساعات هزّت تونس.. حريق السفارة الأمريكية ونتائجه (2019)؛ التاريخ السرّي للإخوان المسلمين في تونس (بالإنجليزية 2020).

×