27 تشرين الثاني 2022

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

الاقتصاد التضامني في منظور نسوي

أحمد نظيف

21 تشرين الثاني 2022


من مجموعة المصمم كريستيان تيفيه

تحيل قضية تحرير النساء في ظلّ الهيمنة المديدة للعقيدة النيوليبرالية على العالم، إلى مفارقة دالة في التاريخ المعاصر للرأسمالية، إذ كيف يمكن أن تتحرر النساء من النموذج الأبوي الاجتماعي في ظلّ ارتهانهن لعلاقات إنتاج مختلة تشكّل الهيمنة جزءاً من تكوينها؟ تحتاج الإجابة إلى التقاء حقلين مختلفين هما: النسوية من جهة، والاقتصاد التضامني من جهة أخرى، وهي فرضية يدافع عنها الكتاب الجماعي "المؤثرات النسوية: إعادة تنظيم الإنتاج الاجتماعي، ودمقرطة اقتصاد التضامن، وإعادة التفكير في القيمة" الصادر حديثاً عن منشورات معهد الدراسات العليا في جنيف والناشر الفرنسي «L’Harmattan»، من خلال نهج تحليلي يجدّد بعمق وجهات النظر حول الاقتصاد التضامني، ويعيد النظر في المناقشات التجريبية والنظرية، والسياسية أيضاً، حول «إعادة الإنتاج الاجتماعي» (la reproduction sociale)، وإعادة التفكير في القيمة في منظور تضامني بات ضرورياً بالفعل لمكافحة الآثار المدمرة وغير الإنسانية للنظام الرأسمالي الأبوي العالمي.

كذلك، هو يسعى إلى تحرير الأسئلة الآتية من سجن الغموض: إلى أي مدى، وتحت أي ظروف، يمكن لاقتصاد التضامن أن يعزِّز المساواة بين الجنسين؟ هل يمكن أن يكون نسوياً، ومصدراً لتحرير المرأة؟ أم أنّ التضامن بين النساء، غالباً في حالات الإقصاء، يعيد إنتاج آليات استغلالهن؟

لا يمكن لأحد أن يتجاهل الأزمة المديدة للرأسمالية المعولمة اليوم، إذ باتت أمراً يحظى بشبه إجماع، حتى من داخل المعسكر النيوليبرالي نفسه، وهو يتجلى في أشكال كارثية من البؤس: المجاعة وسوء التغذية، وتراجع مستويات النفاذ إلى الخدمات الصحية، والأزمة المناخية، وتنامي العنف ضد الفئات الهشة. ولكن في المقابل، تَظهر مبادرات الاقتصاد التضامني وتنتشر على مستويات مختلفة؛ رجال ونساء يعملون من أجل التغيير، ويشكِّلون سبلاً لمقاومة الرأسمالية وعواقبها المدمرة.

يقدّم الكتاب في هذا السياق تحليلات في مجال الاقتصاد التضامني، وهو مبتكر بصورة خاصة في إظهاره كيف يجدّد التحليل النسوي وجهات النظر بالخصوص. ففي الواقع، رغم أنّ القضايا المتعلقة بالاقتصاد التضامني كانت موضع اهتمام متزايد، من الأكاديميين والسياسيين على حد سواء، إلا أنّ هذا الاهتمام ظلّ إلى يومنا متجاهِلاً النوع الاجتماعي حتى في حال كانت نشاطات الاقتصاد التضامني شديدة التمييز بين الجنسين وتلعب النساء دوراً رئيساً فيها.

تشترك مساهمات الباحثين في تسليط الضوء على الأشكال المبتكرة للإنتاج والاستهلاك والتبادل والتمويل، وكذلك نضال النساء من أجل حقوقهن من خلال هذه المبادرات، وذلك عبر التركيز على إعادة تعريف العمل و«إعادة الإنتاج الاجتماعي»، وكذلك الأمر بشأن الأسئلة المتعلقة بالسلطة والديمقراطية وممارسات اتخاذ القرارات.

 

في دواعي الاهتمام

يحتلّ الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مساحة متنامية، أو على الأقل أكثر وضوحاً، في سياقات الأزمات، وفي الممارسات الاجتماعية، وفي السياسات والدراسات. في الشمال وفي الجنوب، يحشد الرجال والنساء قواهم لممارسة النشاط الاقتصادي بشكل مختلف لا يقوم على إنتاج لانهائي للسلع بقدر ما أنّه يبحث عن سدّ الاحتياجات والاستدامة البيئية، ويراجع مسألة البحث عن الربح الفردي وإمكانية استمراره إذ لا يمكن لفرد أن يكوّن ثروة شخصية. وهم يسعون إلى التعبير عن المصالح على المستويات الفردية والمحلية والجماعية من خلال تعاونيات، وشبكات، وجمعيات، ومجموعات حرّة. وسواء تعلّق الأمر بالأنشطة ذات الصلة بالإنتاج الاجتماعي، أو الإنتاج المادي، أو الاستهلاك، أو التمويل، أو التجارة، أو برامج التكامل الاجتماعي، أو التنمية المحلية والبيئية، أو السياحة، أو الثقافة، فإننا نجد أشكالًا مبتكرة للتنظيم من خلال الشكل التعاوني الجماعي، أو التشبيك بين الأفراد.

بالمقارنة مع الاقتصاد السائد، فإنّ ممارسات الاقتصاد التضامني تؤثِر البحثَ عن التضامن بين الأجيال ومع الأجيال المقبلة، وداخل المجموعات، أو فيما بينها، وبين الأقاليم حيث تتكامل المناطق في تبادل الإنتاج وفقاً لحاجات الاستهلاك. هم لا يسعون إلى استبدال السوق، أو الدولة، بل يتطلعون إلى إعادة تشكيل هاتين المؤسستين بمبادئ المعاملة بالمثل والتضامن. بعض هذه المبادرات تفسح المجال أمام مساحات لتعويض العلاقات الاجتماعية الرأسمالية، أي الخروج من علاقات العمل المأجور، وأمام أشكال جديدة من تنظيم العمل وعلاقاته، وعلاقات جديدة لملكية وسائل الإنتاج، وعلاقات قوّة جديدة.

يمكن تعريف الاقتصاد التضامني على أنّه كافة الأنشطة الاقتصادية الخاضعة لإرادة العمل الديمقراطي بحيث تكون لعلاقات التضامن الاجتماعي الأسبقية على الربح الفردي أو المادي. تدخل طائفة واسعة من الأنشطة في نطاق هذا التعريف: التمويل التضامني، الخدمات المحلية، إدارة الخدمات الحضرية من قبل السكان، أنظمة التبادل، شبكات تبادل المعرفة، الإنتاج الذاتي، الزراعة المستدامة، متاجر المنتجات العضوية، المطابخ الجماعية، المطاعم النسائية متعددة الثقافات، السياحة التضامنية، إقامة أنشطة من قبل العاطلين من العمل، إلخ..

غير أنّ الأدبيات المتعلقة بالاقتصاد التضامني لم تُظهِر، إلى يومنا، سوى القليل من الاهتمام بالجندر والنظريات النسوية. ففي أحسن الأحوال، يكتفي الفاعلون والفاعلات والباحثون في هذا المجال بتأكيد وجوب مراعاة الفروق بين الرجل والمرأة، وأنّ المساواة بين الجنسين هي أحد أهداف الاقتصاد التضامني. في الواقع، سواء كانت مجموعات حرفية، أو إنتاجية زراعية، أو تبادل محلي، أو تمويل تضامني، أو جمعيات مجتمعية، أو عمل بأجر في تعاونيات، فإنّ النساء ممثلات بشكل كبير في بيئات الاقتصاد التضامني، حالهن حال الرجال، وهنّ يمثّلن أحياناً غالبية في بعض القطاعات، بالتالي إنّ التمثيل الواسع للمرأة ليس السبب الوحيد الذي يجعل الجمع بين مجالي النسوية والاقتصاد التضامني مثيراً للاهتمام، إنّما أيضاً تحليل كيف يمكن لهذا النوع من الاقتصاد أن يجعل من مسألة كسر الهيمنة الذكورية ممكنةً، ويمكن قراءة هذا التحليل من خلال ملاحظة إعادة إنتاج التقسيم الجنسي للعمل، والتقييم التفاضلي لعمل الإناث.

لأجل ذلك، تلخّص كريستين فيرشور، عالمة الأنثروبولوجيا والمشرفة على تحرير الكتاب، الإشكالية المركزية في الآتي: «كيف يمكن للتقاطع بين دراسات الاقتصاد التضامني والدراسات النسوية أن يجعل ممكناً إعادة النقاش حول الإنتاج الاجتماعي والقيمة والمساواة من خلال طرح مهام: تنظيم إعادة الإنتاج الاجتماعي؛ الترابط بين العلاقات الاجتماعية من النوع المحلي والرأسمالي؛ تحديد طبيعة العلاقات الاجتماعية الجديدة، والتحرّر، والحماية الاجتماعية؟ وفي ظل أيّ ظروف ثمة فرصة لإعادة اختراع الاقتصاد على نجو جذري، وإعادة ترسيخه في المجالين الاجتماعي والسياسي في خدمة العدالة الاجتماعية والمساواة والديمقراطية، وإعادة اختراع السياسي ثقافياً؟ إذ سيؤدي تغيير بنية علاقات الإنتاج إلى تحوّل نوعي في طبيعة البنى الثقافية والسياسة. وكيف يتيح لنا هذا النهج التحليلي بناء جسور بين النظريات والممارسات، من وجهات النظر الواقعية، في سياق الأزمة الاقتصادية والمالية الحالية؟».

 

أزمة «إعادة الإنتاج الاجتماعي»

يُعدّ التنظيم الحالي لـ«إعادة الإنتاج الاجتماعي» المعتمد على العلاقات بين الجنسين، وعلى العلاقات الطبقية والعرقية غير المتكافئة، والقمع، والطرد، شرطاً أساسياً للتراكم في النظام الرأسمالي المعولم. ولكنّه أيضاً، على نحو معكوس، ميدان نضالات وتحوّلات اجتماعية. يعرّف الباحثون في الكتاب «إعادة الإنتاج الاجتماعي» على أنها مجموع الأنشطة، والعلاقات الاجتماعية، والمؤسسات الضرورية لإعادة إنتاج الحياة، اليوم وللأجيال المقبلة. تُثري هذا التعريف مساهمات النضال السياسي للقوى المناهضة للرأسمالية، وكذلك نضالات الفئات الأكثر تهميشاً، وهو يتطلب بالتالي وضعه في سياقه كما تُظهر دراسات الحالة المختلفة في هذا الكتاب.

اغتنى هذا المفهوم الناشئ من مختلف التيارات النظرية والسياسية، لا سيما من الأدبيات النسوية الماركسية النقدية، بفضل مساهمات البدائل النسوية للرأسمالية، والاقتصاد الزراعي، والاقتصاد التضامني، وحركات النساء المهاجرات ضد العنف الجنساني، أو من أجل سلام محلي، أو عبر وطني. وهكذا يمكننا أن نذكر حركة نساء تشيبكو في الهند[1] المناضلة من أجل الدفاع عن الغابات، أو الحركة النسائية المستقلة في المكسيك[2] المنخرطة في الكفاح ضد العنف والإفلات من العقاب والحروب، أو حركة ني أونا مينوس في الأرجنتين[3] المناهضة للعنف ضد المرأة والتي يُعدّ نضالها جزءاً من النقد السياسي للنظام. وهكذا، تم تجديد فهم «إعادة الإنتاج الاجتماعي» بناءً على النضالات السياسية للحركات النسائية، أو النسوية، في دول الجنوب.

حدّدت الدراسات النسوية «إعادة الإنتاج الاجتماعي» قضيةً مركزيةً في فهم إعادة إنتاج عدم المساواة وتوسع التطوّر الرأسمالي. لطالما كان تحدي تبعية المرأة في الأسرة والتقسيم الجنسي غير المتكافئ للعمل جزءاً من نضالات الحركات النسوية. وفي سياق الرأسمالية المالية المعولمة، نواجه اليوم أزمة «إعادة إنتاج اجتماعي» مرتبطة بارتفاع معدلات عدم المساواة مع تنامي مستويات الفقر وانتزاع الملكية من جهة، وتراكم وازدهار لدى القلة من جهة أخرى. وهذا يؤدي إلى تدمير البيئة وأجساد المهيمَن عليهن وعليهم، وتآكل النسيج الاجتماعي، وتركيز السلطة، والاضطراب السياسي، ويقود نحو عودة قوية للنظم الشمولية، وانتعاش الشعبويات اليمينية والعنصرية، إذ تحوّلت الأزمة إلى مناخ ملائم لتحوّل اتجاهات تصويت الطبقات الشعبية نحو اليمين الشعبوي في أوروبا، وتأييد النظم السلطوية في دول الجنوب.

رغم ذلك، فإنّ هذه الأزمات تؤدي أيضاً إلى تشكّل الوعي من خلال التناقض، وقد تجلّى الأمر في إرادة الغالبية المهيمَن عليها في العديد من مبادرات التغيير. وهذا ليس أمراً جديداً، إذ أظهر المؤرِّخون النسويون كيف كانت «إعادة الإنتاج الاجتماعي» (سواء كان الإنتاج الاجتماعي قائماً على العمل المأجور، أو العمل غير المأجور) مكوّناً أساسياً، إنّما مهمل، في نضال الطبقة العاملة إبّان عصر الثورة الصناعية. هذه النضالات التي بدأتها بشكل أساسي نساء الطبقة العاملة، جمعت بين شبكات المساعدة الذاتية، والجمعيات، والتعاونيات اليومية، مع احتجاجات سياسية واسعة النطاق.

غير أنّ أزمة «إعادة الإنتاج الاجتماعي» اليوم تتشكل ضمن سياق ليبرالي جديد يدور حول خفض هائل في الإنفاق العام، وبخاصة في الخدمات الاجتماعية، إلى جانب الانخفاض المستمر في قيمة العملات المحلية، وتجميد الأجور، وسياسات التحرير والخصخصة، ومصادرة الأراضي وخصخصتها، وتسويق الزراعة من خلال المراهنة بالأمن الغذائي في أسواق المضاربة، وإلحاق الضرر بالسيادة الغذائية، ومحاولات خلق عالم حيث لا شيء يفلت من منطق الربح الفردي. هذه الطبيعة المنتشرة اليوم للرأسمالية المالية المعولمة، وفروق القوة الهائلة التي توّلدها، يمكن أن تجعل النضال من أجل بناء علاقات اجتماعية أكثر مساواة يبدو طوباوياً، أو عفا عليه الزمن. لأجل ذلك، يستكشف هذا البحث النسوي الجماعي في الكتاب إمكانات مبادرات الاقتصاد التضامني في المقاومة ضد الأنماط الرأسمالية والمحلية لخصخصة العمل، وضد التقسيم غير المتكافئ للعمل على الصعيد العالمي. كما أنّه يدرس إمكانات ظهور علاقات اجتماعية جديدة مدفوعة بالتضامن والقيم النسوية من أجل تنظيم «إعادة الإنتاج الاجتماعي» على أسس أكثر عدالة.

 

اقتصاد تضامني نسوي.. تحليل نقدي

تشترك النسويات النقدية، لا سيما المادية منها، مع الاقتصاد التضامني في فكرة حاسمة مفادها أنّ الهيمنة تمارَس إلى حدٍّ كبيرٍ من خلال النموذج الاقتصادي المهيمِن. هذه الملاحظة ذات صلة أوسع راهناً بالنيوليبرالية التي أشار منظروها بوضوح إلى الأولوية التي تمنحها لمبدأ المنافسة. رغم ذلك، لا يزال سوء الفهم قوياً بين النسوية والاقتصاد التضامني، فيما تقترح هذه المساهمة البحثية العودة إلى أسباب هذا الجهل المتبادل الذي تحصره في الأسباب الآتية: ركّزت الأدبيات الاشتراكية خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين على مركزية الحركة العمالية في مسار النضال ضد الرأسمالية، وأهملت دور النساء من جهة، ودور أشكال الاقتصاد غير الربحي من جهة ثانية. وعندما بلغت الحركات الاجتماعية الجديدة في النصف الثاني من القرن العشرين درجة من الوعي حررتها من هيمنة «الحركة العمّالية»، وجّهت اهتمامها نحو دور الهويات القومية، والثقافية، والجنسية في النضال. ومع أنّها أعطت دوراً أكبر للنساء، لكنّها لم تكتشف أهمية ربط هذا النضال القائم على الجنس، والثقافة، والقومية، بشكل إنتاجي جديد هو الاقتصاد التضامني.

علاوة على ذلك، حتى عندما أمست الحركة الاجتماعية العالمية مهتمة بالاقتصاد التضامني والاجتماعي، انصبّ أغلب تركيزها على النموذج التقليدي منه، وهي التعاونيات الناتجة عن استيلاء عمّالها على الشركات الصناعية، أو الشركات الزراعية، دون المضي قدماً صوب صياغة نظرية شاملة وأكثر اتساعاً لكافة أنشطة الاقتصاد التضامني التي يمكن أن تشمل مجالات إنتاج وتبادل غير مرئية على غرار عمل المرأة المنزلي. هذه الفجوة شكّلت عالمين بحثيين مجزّأين: أحدهما حول الحركات الاجتماعية التي تندد بالأشكال المتعددة للسيطرة والإنتاج، وترى أنّ التغلب عليها يكون فقط من خلال الأفعال الاحتجاجية البحتة، فيما يثمّن الثاني التجمعات الصغيرة المنبثقة من التجارب الاقتصادية.

هذان العالمان غير كافيين؛ الأول لأنه يدين أيّ تجمع ذي بُعدٍ اقتصاديٍ، ثم يؤدي إلى نقد جذري للنظام القائم دون أيّ إمكانية ملموسة لتجاوزه، فيما يتجاهل الثاني تنسيق العمل الاقتصادي المحلي من خلال الهياكل التي تؤثِّر عليه.

في المقابل، تتقاطع النسوية مع الاقتصاد التضامني في مناهضة هيمنة المفهوم الأرثوذكسي للاقتصاد القائم على خلق الثروة (الإنتاج) الذي يتبناه الرأسماليون والاشتراكيون على حدّ سواء، باستثناء النسخة الديمقراطية الاجتماعية من الماركسية التي نجحت في صياغة نظرية تقرّ بوجود اقتصاد غير سوقي ينبع من «إعادة التوزيع العام»، وتصحيح الآثار غير المرغوب فيها لديناميكيات السوق، وبالتالي إضفاء الشرعية على الدولة الاجتماعية التي اتسعت وظائفها مع ظهور ما سمّي بدولة الرفاه. ويمكن لهذا التقاطع أن يشكّل اللبنة الأولى في بناء نظرية عامة للاقتصاد النسوي التضامني/الاجتماعي.

بيد أنّ النهج الجديد لا يعيد التفكير في طبيعة الاقتصاد فحسب، وإنّما في السياسة أيضاً. تبدو غالبية المبادرات النسوية التضامنية، في دول الجنوب أساساً، في صراع دائم مع الدولة؛ هنّ يكرِّسن جهوداً متواصلة للضغط على الحكومات – من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني – للوفاء بالتزاماتها في حماية حقوق الناس وسبل العيش. ويتم تنفيذ هذه العملية من خلال وسطاء على غرار المنظمات غير الحكومية، أو النقابات العمّالية، ومن خلال تحالفات أوسع، لا سيما مع الحركات الاجتماعية، والنسوية، والزراعية، والبيئية، وحركات العاملات، وذلك عبر المفاوضات المباشرة، و/أو المظاهرات، والمسيرات والاجتماعات، كما في الهند ودول أمريكا اللاتينية.

يمكن في ظلّ ظروف معينة أن تلعب مبادرات التضامن دوراً مهماً في مساءلة الدولة والمساعدة في تحديد السياسات العامة، إذ قد تنجح هذه المبادرات في تأمين بعض مطالبها من خلال استفادتها من تغيرات جذرية، أو نسبية، في السلطة (فوز مرشح يساري بالرئاسة مثلاً). ولكنها في المحصلة تنجح في شريحة/فئة واعية بذاتها ولذاتها.

تشير النتائج التي توصّل إليها محرِّرو الكتاب إلى أنّ مسارات الخروج من الهشاشة، وضعف المسارات الفردية للاقتصاد التضامني النسوي، تكمن في ربط هذه المبادرات المتعددة، والحفاظ على استقلاليتها التي يمكن تعزيزها من خلال التحالفات مع المنظمات الحكومية أو غير الحكومية، ضمن قانون «الوحدة والصراع»، وهذا يتطلب بيئات سياسية تسمح بتكوين شبكات ومجالات استطرادية تدعم صياغة هذه المبادرات المتفرقة. كما أنّه يتطلب الاعتراف بالحاجة إلى إعادة تنظيم الإنتاج الاجتماعي.

تشكِّل النساء الخاضعات أنفسهنَّ في هذا النشاط الاقتصادي التضامني الجماعي على أنّهنَّ «يصنعنَ التاريخ»، ما يُظهر قوة الضعفاء رغم أنّ هذه العمليات يمكن اعتبارها غير مهمة أو سريعة الزوال. إنّهنَّ يساهمن عبر هذه العمليات في إعادة تعريف معنى العمل، وبناء علاقات اجتماعية قائمة على التضامن، ومحاربة التبعية. وهنَّ يبنين فضاءات مقاومة للرأسمالية المالية ولآثارها المدمرة على البيئة، والهيئات، والأقاليم، والنسيج الاجتماعي، والاقتصاد، والسياسة. إنها مساحات يمكن من خلالها التنازع في العلاقات الاجتماعية للإنتاج بطرق لا تؤدي إلى إعادة إنتاج عدم المساواة بين الجنسين، أو الطبقة، أو العرق.

حتى لو لم ينجحن في تغيير النظام الاقتصادي والسياسي، وحتى لو واجهن مقاومات متعددة، وحتى إذا كانت مساراتهن فوضوية ونتائجها متناقضة في بعض الأحيان، فإنّ هذه المساحات تشكّل سُبلاً لتصوّر حالة إنتاجية، أو تداولية، خارج الأفق الرأسمالي. إنّها خبرات قيّمة، إذ يوطِّد الضعفاء فضاءات المقاومة الخاصة بهم ويوسِّعونها، ويمكن مراجعة العلاقات بين الجنسين، وإعادة التفكير في «إعادة الإنتاج الاجتماعي»، وإعادة تنظيمه، وإعادة تقييمه. وهذا يتطلب أن تعتمد «إعادة الإنتاج الاجتماعي» على العلاقات القائمة على التضامن، لا على اللامساواة، والخضوع، والاستغلال. كما أنّه يتطلب بناء ممارسات ديمقراطية تأخذ في الاعتبار العلاقات بين الجنسين، والعلاقات الطبقية، والعرقية، وتدمج الأهداف السياسية للمساواة بين الجنسين، وعلاقات قوة أكثر إنصافاً وشمولية.

 


[1] نشأت الحركة في العام 1973 في منطقة أوتارانتشال الواقعة في جبال الهيمالايا، واستمرت إلى أن شكّلت نقطة تجمّع للعديد من الحركات البيئية في كافة أنحاء العالم، ويُنظر إليها بصورة متزايدة على أنها حركة نسوية إيكولوجية. رغم أنّ العديد من قادتها كانوا رجالًا، إلا أنّ النساء كنّ دعامة أساسية لها لأنهن كنّ الأكثر تضرراً من تفشي إزالة الغابات ما أدى إلى نقص الحطب، والأعلاف، وكذلك مياه الشرب والريّ.

[2]  حركة نسوية مناهضة للنيوليبرالية تتكوّن أساساً من نساء إقليم تشياباس، وهنّ من السكان الأصليين للمكسيك. تأسست كرد فعل على الانضمام إلى اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، وآثارها المدمرة.

[3] حركة نسوية تأسست في الأرجنتين وانتشرت عبر العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، وهي تقوم بحملات ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي.

أحمد نظيف

كاتب صحافي تونسي، وباحث مهتم بالعلوم الاجتماعية، صدر له: بنادق سائحة: تونسيون في شبكات الجهاد العالمي (2016)؛ المجموعة الأمنية: الجهاز الخاص للحركة الإسلامية في تونس (2017)؛ عشر ساعات هزّت تونس.. حريق السفارة الأمريكية ونتائجه (2019)؛ التاريخ السرّي للإخوان المسلمين في تونس (بالإنجليزية 2020).

×