27 تشرين الثاني 2022

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

يوم عادي في حياة تونسي

محمد رامي عبد المولى

20 تشرين الثاني 2022


الساعة السادسة والنصف. يرّن منبّه الهاتف الذكي. يمرِّر عبد الله (35 سنة، موظف في شركة خاصة) أصابعه على الشاشة دون أن يفتح عينيه، ويعود إلى النوم. يرّن المنبّه مرة أخرى بعد خمس دقائق، ومجدداً يتجاهله عبد الله. عشر دقائق أخرى ويتكرر الأمر بالتفاصيل نفسها، إلى أن يشعر بهزّة توقظه بحزم.

«إذا تطلقنا يوماً، فسيكون بسبب رنة المنبّه هذه. إنّها مرعبة وتصلح لإيقاظ الموتى لا الأحياء، والأسوأ أنّك تدعها تتكرر كل خمس دقائق لنصف ساعة. أنا متأكدة أنّ كلّ سكان العمارة قد استيقظوا وهم يشتمون آباءنا وأجدادنا الآن»، هكذا مازحته زوجته فاطمة (31 سنة، معلمة فرنسية في مدرسة خاصة) فيما هي تحاول إيقاظه.

«لم أفهم يوماً الناس الذين يستيقظون على أصوات رنات هادئة، أو أغنيات رائقة، يجب أن يكون المنبّه مزعجاً وفظاً حتى ينتشلك من الفراش»، يجيبها فيما هو يصارع يائساً من أجل دقيقة نوم إضافية.

يفتح عبد الله عينيه تدريجاً محاولاً استعادة حواسه. يتحامل على نفسه للوقوف والذهاب إلى الحمام دون الاصطدام بحائط أو قطعة أثاث. يمرّ بغرفة الأطفال ليمارس أكره الأمور على قلبه: انتزاع طفل من فراش دافئ، وإجباره على ترك عالمه، والاستعداد للذهاب إلى المدرسة. يصل الحمام، ويضع رأسه تحت الحنفية حتى يلسعه الماء البارد ويطرد بقايا النوم.

يتناول فطوره بسرعة في المطبخ: شربة ماء، وملعقتا بسيسة، ثم سيجارة في الشرفة المطلة على شارع الحرية، أحد شرايين حيّ السعادة، العالق كبرزخ بين عشوائيات المدينة وأحيائها العصرية الراقية. يتمنى أحياناً أن يلتقي الموظف السادي الذي اختار هذه الأسماء. كتل خرسانية، وقليل من السماء، ولا أثر لشجرة.

كان في بلدته يستيقظ على أصوات الطبيعة، تطالعه عندما ينظر من الشبّاك شجرات التين واللوز والرمان. العمارات جريمة بحق البشرية، خاصة في المدن التي لا يجول في بال حكامها أنّ البشر فيها في حاجة إلى مساحات خضراء وحدائق. تطلّب الأمر سنوات حتى استطاع التكيّف مع السكن في شقة «زوز بيوت وصالة»، غرفتان وصالة جلوس، لا تتجاوز مساحتها غرفة المعيشة في البيت الذي نشأ فيه.

كان يحسّ في البداية بالاختناق بشكل يشبه الكلوستروفوبيا. حتى جسده كان يتعذب ويصطدم ألف مرة بكافة الأشياء الممكنة. لا تعوّض أصص الورد والنعناع التي تملأ الشرفة الفقد الرهيب، لكنها تريح بصره قليلاً من القبح العمراني المحيط.

فكّر في مرحلة ما بالتسجيل في منظومة «قرض المسكن الأوّل» التي أحدثتها حكومة سابقة لإنعاش المطوّرين العقاريين والبنوك، لكنه لم يستحسن كثيراً فكرة شراء «زوز بيوت وصالة» في حيّ يطلّ على سبخة أو مصب نفايات، بمئتي ألف دينار (نحو 60 ألف دولار) تُسدد على مدار ربع قرن؛ «عاش ما كسب، مات ما خلّى».

يطفئ السيجارة وهو يطالع الأخبار في فيسبوك: ردود فعل معارضة على قرارات الرئيس، فقدان الزيوت النباتية، وكذلك السميد والدقيق والأرز... زيادة أخرى في أسعار المحروقات بداية من منتصف الليلة الماضية. تذكّر أنّ سيارته قضت الليلة في كاراج الميكانيكي حتى يجهزها كما ينبغي للفحص الفني الدوري بعد يومين، فوعده بأنه سيجعل منها «عروسةً» مقابل مبلغ صغير. بعض التعديلات لن تكلّف أكثر من مئتي دينار، ثم اكتشف أنّ هناك قطعة يجب تغييرها، وأنّ هناك خللاً ما في أسلاك الكهرباء... في المحصلة 500 دينار إلى جانب المصاريف التي سيدفعها يوم إجراء الفحص الفني.

لا يصدّق عبد الله أنّه ينفق في كلّ سنة آلاف الدنانير على كتلة خردة فرنسية مستعملة، جالت عشرات آلاف الكيلومترات، واشتراها بعشرين ألف دينار (نحو ستة آلاف دولار) اقترض غالبيتها من البنك، فيما باعت زوجته مصوغها لإكمال الباقي. خردة سعرها أقلّ مرتين أو ثلاثاً في بلدان مجاورة. أما لو كانت في أوروبا، لذهبَت إلى مقبرة سيارات، أو جعلوا منها أصيصاً للزهور. كلّ هذا لأنّ بلاده لا تصنّع سيارات، وتمنح امتياز استيرادها لثلاث أو أربع عائلات نافذة تتحكم في السوق وتفرض الأسعار التي تريدها دون خوف من أيّ منافسة.

زاد الأمرُ سوءاً منذ قرر البنك المركزي تعويم الدينار حتى صار عاجزاً عن الوقوف على ركبتيه أمام العملتين الأوروبية والأميركية. أرادوا تعويمه قليلاً فكاد أن يغرق تماماً وخسر 80% من قيمته في ظرف سنتين أو ثلاث.

غياب السيارة يعني أنّ العائلة ستستخدم سيارات التاكسي طوال اليومين المقبلين. سيأخذ معه ابنته أمل (4 سنوات، قسم ما قبل التحضيري) لكي يوصلها إلى روضة الأطفال القريبة من عمله، في حين ستذهب زوجته وابنه خليل (6 سنوات، أولى ابتدائي) في تاكسي آخر يوصلهما إلى المدرسة. أراد أن يشعل سيجارة أخرى، لكن العلبة فرغت والوقت تأخر.

يجب أن يرتدي ملابسه ويساعد في تحضير الأطفال. لم يشترِ بدلة جديدة منذ سنتين تقريباً، حتى الحذاءان اللذان يلبسهما بالتناوب طوال أيام الأسبوع في حاجة إلى ترميم عاجل. يتوقف عن التفكير ويهيّئ نفسه بسرعة. رشة عطر رخيص الثمن في انتظار أن يأتي الصيف ويهديه أحد أصدقائه أو أقاربه المقيمين في الخارج عطراً أفخم. تذكّر أنّه لم يهدِ زوجته زجاجة عطر فرنسي في الفالانتين الفائت كما اعتاد أن يفعل في كلّ سنة، واكتفى بوردة حمراء، وحلية تقليدية جميلة مقبولة الثمن.

قال لزوجته إنه أراد التغيير قليلاً حتى لا تملّ من الهدية نفسها، مع أنّ كليهما يعرف الحقيقة. تذكّر أيضاً أنهما لم يخرجا كثيراً في الأشهر الماضية. لا مطاعم ولا سينما. بماذا سيتحجج الآن بعدما انحسر الوباء! وحتى لا يفسد مزاجه أكثر، غادر غرفة النوم وذهب لمساعدة الأطفال في تجهيز المحفظات وصناديق الغذاء: علبة عصير، وقطعة كيك، وموزة، وتفاحة، وقارورة مياه صغيرة لكلّ واحد منهما... بمجموع ستة دنانير.

07:15؛ تأخر الوقت كثيراً. خرج الجميع إلى الشارع فأوقف سيارة لزوجته وابنه، وأخرى له ولابنته. يجلس في المقعد الخلفي مع ابنته مراقباً الطريق. سيول من الخردة المتعددة الألوان. لاحظ تزايد السيارات الرباعية الدفع «المزيّفة». سيارات عادية أعلى قليلاً حتى تجبر بخاطر الطبقات الوسطى وتديم أوهامها. أما الأمر الأكثر سوءاً، فهي السيارات الفرنسية والآسيوية الطويلة التي تتصنع الفخامة حتى يشعر راكبها أنه يقود سيارة ألمانية.

تعترض عيناه ألف لوحة إعلانية في الطريق إلى وسط البلد: هواتف ذكية، شركات اتصالات، طماطم معلبة، حفاظات للأطفال وفوط صحية للنساء، رهانات رياضية، شامبو، حليب، رحلات إلى البقاع المقدسة وتايلند... ينظر إليها لتحاشي وجوه الناس. الوجوه صفراء والعيون حائرة.

سائق التاكسي صامت – عجيبة الكون الثامنة – بعيون بلورية لا تخبرانك هل هو منشغل في الطريق، أم أنّه منسجم مع الأغنية المنبعثة من راديو السيارة:

آش جاب رجلي

للمداين زحمة

لناس ما يحبّوه

وآش جاب عيني

لبرّ ناقص رحمة

لا يطولوا في الود لا يصونوه

آش جابني ما جابني

كان التعب وخوه

خُيّل إليه أنّه رأى دمعة جامدة، أو شعلة خامدة، في عيون السائق. إذاً هي الأغنية لا «الكيّاس». سائق غريب عن المدينة مثله. كلّ غريب للغريب نسيب. هو أيضاً يسكن في علبة مقسّمة إلى «زوز بيوت وصالة» تضغط على صدره.

وسط البراري

عشت وتربيت

وردة روابي

ماتطاوق حصر

صفحة نقية

للمدينة جيت

بالحلم باني

قصر فوقه قصر

لما دخلت

السور غابة لقيت

نسيو المحبة

والوفاء باعوه[1]

يطلب من السائق التوقف أمام الروضة ناظراً إلى العداد: أربعة دنانير. يقبّل ابنته ويدخلها إلى الروضة، ثم يتوجه إلى البلاد العربي (المدينة القديمة) ليشرب قهوته قبل الذهاب إلى العمل. يمرّ بـالدكان أولاً ليشتري علبة سجائر. كان وهو أعزب يدخّن السجائر المستوردة، وكانت مرتفعة الثمن بعض الشيء، لكن كان لديه ما يكفي. ثم بدأت الدولة ترفع سعر التبغ والكحول بسرعة، فصار يدخن سجائر تونسية، لكنها رديئة في غالبية الأحيان، تفسد المزاج عوضاً أن تعدله، وتختفي أحياناً من السوق فجأة فيرتفع ثمنها كثيراً.

صار عسيراً بعد الزواج والأطفال تخصيص ميزانية للتبغ، إلا أنّه عاجز عن الإقلاع عن التدخين فاختار السجائر المهرّبة كحلّ وسط. يُخرِج من جيبه ثلاثة دنانير ويتحدث إلى «الحمّاص» (صاحب الدكان) خمس دقائق حول الطقس، ودربي الأحد المقبل، وغلاء الأسعار، واختفاء الكثير من السلع، ثم يشتمان الحكومة ويتمنيان يوماً سعيداً.

يحرص عبد الله على المرور بالبلاد العربي قبل العمل ليطهّر عينيه من السيارات، ولوحات الإعلانات، والمحلات التجارية. يحب الدروب الضيّقة والملتوية، والانتقال من العتمة إلى النور، ثم إلى العتمة، ويتلذذ رائحة البن المطحون لتوّه، والتوابل، والجلود، والفطاير بالعسل. لم يتوقف «التقدّم» عند أسوار البلاد العربي، لكنه أخفق في خنق روحها تماماً. ليس بعد على الأقل.

اكتشف منذ سنوات مقهى صغيراً هو في الحقيقة بيت قديم حوّله صاحبه إلى مقهى. لولا كلمة مقهى باللغتين العربية والفرنسية فوق الباب بطلاء أسود باهت، لما تفطن له أصلاً. عشر طاولات من الخشب العتيق، منها أربع في الفناء المكشوف، والبقية موزعة على غرفتين. صاحب المقهى هو أيضاً البارمان، والنادل، والقائم على صيانة المكان وتنظيفه. مقهى بلا تلفاز مسطح أو «بوكرش»، ولا تجد فيه سوى القهوة، والشاي، والماء. لا مشروبات، ولا حلويات، بأسماء معقدة وغريبة.

نادراً ما وجد أكثر من 15 شخصاً أو 20 في المقهى. لا يدري كيف يتدبّر المالك أمره، علماً أنّ الحركة لم تنقطع عن المكان على مدار سنوات طويلة. يفضّل عبد الله الجلوس في الفناء المكشوف بالقرب من النافورة الصغيرة وشجرة تحافظ على اخضرار أوراقها كامل السنة. يلقي التحية على صاحب المقهى طالباً اكسبرسو، وقاروة مياه صغيرة: ثلاثة دنانير.

على الطاولة المجاورة صحيفة نسيها زبون، أو تركها صاحب المحل. يلتقطها ويطالع عناوين الغلاف: الرئيس يتعهد بتطهير القضاء، أحزاب معارضة تعلن تشكيل جبهة الخلاص، منظمات مجتمع مدني تدعو إلى إنقاذ مسار الانتقال الديمقراطي... الكلّ يريد خلاص البلاد من الآخرين. وفي زحمة المخلصين والأنبياء هذه، تضيع أصوات الأرواح القلقة التائهة المتعبة. يتذكّر عبد الله سنوات الجامعة والديكتاتورية وكلّ الأحلام التي استحالت كوابيس. يحسّ بالتهاب مفاجئ في عينيه فيلقي الصحيفة جانباً. «مو حزن لكن حزين.. مثل ما تنقطع جوّا المطر.. شدّة ياسمين».

08:20؛ يجب أن ينهض ويتجه إلى عمله كي لا يصل متأخراً للمرة الثالثة في الأسبوع نفسه. يشتم العمل وصاحبه، ثم يأخذ نفساً أخيراً من السيجارة الثالثة، أو الرابعة، ويرتشف ما بقي في فنجان القهوة. يجتاز البلاد العربي سريعاً، ويصل في الوقت المناسب إلى الحيّ التجاري العصري.

لم يخطر في باله يوماً أنّه سيكون محاسباً في متجر أجهزة كهربائية. كانت لديه مشاريع أكبر بعد حيازته إجازة في الاقتصاد. كان يعتقد أنه عمل موقت، لسنة أو اثنتين، يمكّنه من جمع بعض المال لاستكمال دراسته، أو لاجتياز مناظرة الخبراء المحاسبين. السنة صارت ثلاثاً، ثم خمساً… وعشراً.

هكذا، بعدما درس نظريات الاقتصاد السياسي، وأسُس المحاسبة، وقوانين العمل والاستثمار، والبورصة والمحافظ المالية، وجد نفسه في مكتب صغير، أو بالأحرى في ركن متجر؛ 16 متراً مربّعاً محاطة بحاجز من الزجاج والألمنيوم. مكتب من الخشب الرديء، وجهاز كمبيوتر، وأجندة وروزنامة، ومقعدان قبيحان مغلفان بالجلد الصناعي الأسود المهترئ، وخزانة حديدية لا تغلق بشكل جيّد، وإطار معلّق في الجدار المقابل حتى لا يغيب عن ناظره، وحديث نبوي بخط عربي جميل: «إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَه». أخبره أحد العاملين أنّ صاحب المحل حرص على تعليقه بنفسه.

الشيئان الجميلان الوحيدان في المكتب هما صورته مع عائلته، ونسخة من لوحة القيلولة لفان غوغ التي تصوِّر زوجاً من المزارعين نائمين وسط حقل بين أكوام القش. لا يعرف عبد الله هل كان قد علقها كي يغيظ صاحب المحل، أو كي يضخّ بعض النور والدفء في المكتب الكئيب. يبدأ يومه بالاتصال بالمزوّدين، والمندوبين، وكبار الزبائن للاستفسار حول طلبيات وفواتير وتحويلات.

يشغِّل بعد ذلك موسيقا بصوت خافت: أنور براهم، نصير شمة، إبراهيم معلوف... وينغمس في العمل. يحسّ بعد ساعات بالجوع، فينظر إلى الوقت: ثمة ربع ساعة إلى حين استراحة الغذاء، فيرسل بعض الإيميلات ثم يأخذ سترته ويخرج من المحل في اتجاه مطعم شعبي قريب من مقرّ العمل يقدّم ألذّ «كسكروت أومليت وتن وهريسة» في المدينة، ثم يمرّ بالمقهى المجاور ليأخذ جرعة شاي أخضر في كوب ورقي لا ينسى أن يضع فيه ورقتي نعناع وقطعة ليمون صغيرة: خمسة دنانير.

يبحث عن مقعد شاغر في الحديقة الصغيرة التي صمدت، ولا تزال تقاوم، كبقعة خضراء ميكروسكوبية في غابة من الإسفلت والإسمنت والبلور والألمنيوم، بانتظار أن تجد البلدية حجة لإزالتها من أجل المصلحة العامة وإهدائها إلى مقاول.

يتناول السندويتش بسرعة ويترشف الشاي مع سيجارتين. يتصل بالروضة للاطمئنان على ابنته، ثم بزوجته ليعطيها فرصة تنفِّس خلالها قليلاً من غضبها من التلاميذ المدللين، والأولياء النزقين، وصاحبة المدرسة التي تديرها كما يدير رأسمالي إنكليزي مصنعاً في بداية القرن التاسع عشر. يغيّر الموضوع ويمازحها قليلاً كي تهدأ، ويطلب منها إرسال قائمة المشتريات على واتساب كي يأتي بها عند العودة من العمل.

ثمة عشرون دقيقة على حصّة العمل المسائية. يستغلها للتجوال قليلاً بين فترينات المكتبات: عناوين تغريه بالقراءة، لكنّ العين بصيرة واليد قصيرة. يحفظ العناوين حتى يبحث عنها في الإنترنت لعلّه يعثر على نسخ «بي دي اف» مقرصنة. في طريقه إلى المحل، يمرّ بحانات يعرفها جيداً بيد أنّ علاقته بها ضعفت في السنوات الأخيرة بسبب تدهور قدرته المالية.

صار مكلفاً طلب «حارة بيرة» (أربع قوارير)، وصحن عجّة، أو تريليا في حانة، فيكتفي بشراء بعض البيرة وقليلاً من المكسرات المملحة في كلّ يوم سبت. ينتظر حتى ينام الأطفال، ويسهر في المطبخ صحبة الشاب حسني، والشاب خالد، والشيخ إمام، وصباح فخري، وصالح الفرزيط. أحسّ عبد الله بعطش مباغت وشوق إلى زجاجة خضراء عرقانة.

يشعل سيجارة أخيرة ويحثّ الخطى باتجاه المكتب. اليوم بداية الشهر، ويجب أن يشرع في تحضير بطاقات سداد أجور العاملين في المتجر. يتذكّر مصاريف الشهر فيمسك قلماً وورقة، ويشرع في التقسيم: 500 دينار إيجار الشقة، 500 قسط قرض المصرف، 150 ديناراً للإنترنت، والماء، والغاز، والكهرباء، 150 للروضة، 300 للبنزين ومصاريف السيارة، 500 للحوم، والخضراوات، والفواكه، والزيوت، والألبان، والبيض، والمعجنات، والحلويات، ومواد التنظيف، ومستلزمات النظافة الشخصية، 300 مصروف شخصي لزوجته، و400 له.

إذاً، 2800 دينار دون ميزانية للترفيه، أو الملابس، أو الأمور الطارئة. يتلقى عبد الله 1100 دينار شهرياً، وزوجته نحو 800، ويحاول كلّ واحد منهما تدبير دخل إضافي. يساعد هو بعض التجار والحرفيين الصغار في تحضير التصاريح الضريبية والإجراءات الإدارية، فيما تعطي هي دروساً خصوصية. لا يتجاوز دخلهما، في أفضل الحالات، 2500 دينار أو 2600، ما يعني أنّ هناك عجزاً في ميزانية العائلة يتراوح بين 500 دينار في الأشهر العادية، و1500 في الأشهر التي تتزامن مع الأعياد والعودة المدرسية، أو في حالات المرض الشديد، أو تعرّض السيارة لأعطال، وغيرها من الطوارئ.

إنه عجزٌ يتفاقم عبر السنوات مع القفز العالي لتكلفة المعيشة وجمود الأجور، ويديم احمرار حسابه وحساب زوجته في البنك. ينغمس عبد الله في العمل حتى لا ينفجر رأسه بالحسابات. الساعة الخامسة مساء. نصف ساعة وينتهي يوم العمل. هانت. يحضّر عبد الله جدول عمل يوم الغد ويرجع الملفات إلى الخزانة العرجاء، ثم يطفئ جهاز الكومبيوتر والأضواء، ويغادر المكتب.

يلقي التحية على زملائه ويتحدث معهم دقيقة من باب اللياقة، ثم يغادر باتجاه الروضة ليأخذ ابنته. يحسّ كلّ يوم بتأنيب الضمير. لم يتقبل أبداً فكرة ترك طفل عند غرباء لثماني ساعات أو تسع. يقبّل ابنته ويتركها تلعب قليلاً بالأرجوحة في حديقة الروضة، ثم يشتري لها شوكولاتة حتى يخفف قليلاً إحساسه بالذنب.

يوقف سيارة أجرة وينشغل عن زحمة الطريق باللعب مع ابنته وسؤالها عن يومها. يتفقد رسائله على واتساب لكي يجد قائمة المشتريات التي أرسلتها زوجته: حليب، بيض، نسكافيه عدد 2، ياغورت، خبزتين، ماء معدني، 2 لتر زيت ذرة، أرز أبيض، سكّر... وقبلتان وقلب أحمر.

يدفع خمسة دنانير للتاكسي، ثم يقف في أوّل الحيّ عند الميني ماركت المعتاد منذ سنوات. اقتنى كلّ ما ورد في القائمة، لكنه لم يجد السكّر والأرز، فسأل صاحب المتجر الذي أومأ بيده أن ينتظر قليلاً. فهم عبد الله الرسالة: يجب أن ينتظر حتى ينقص عدد الزبائن.

أخرج له البائع بعد دقائق كيساً أسود فيه رطل أرز وكيلو سكّر قائلاً: «والله السلعة شوية نقسم فيها بين الكليونات باش ما يتغشش حد». يشكره عبد الله، ويضع أمامه سلّة المشتريات بعدما أضاف إليها كيس مقرمشات لابنه، وعلبة صغيرة من الشوكولاتة السوداء لزوجته. الحساب ثلاثون ديناراً. يسدّده عبد الله فيما هو يحسب ذهنياً جملة نفقاته: أكثر من 50 ديناراً في يوم واحد، يوم عادي واحد.

18:30؛ يصل عبد الله وابنته إلى البيت أخيراً. يجد أنّ زوجته بدأت تحضير العشاء فيما ينشغل ابنه بمشاهدة الكرتون. يأخذ دشاً خفيفاً، ثم يدرّس طفليه ساعة. بعد العشاء ومفاوضات طويلة، يذهب الأطفال إلى النوم أخيراً.

استراحة المحارب قبل أن تبدأ المفاوضات مع زوجته حول التلفاز. تشاهد هي حلقة من مسلسلها المفضّل، بينما يريد هو متابعة الشوط الثاني من مقابلات «التشامبيونز-ليغ». وإذا تبقى لهما جهد بعد كلّ ذلك... ربّما. طبعاً لم ينسَ عبد الله أن يضبط المنبّه المزعج.

 


[1] أغنية للفنان التونسي عدنان الشواشي، من كلمات الشاعر الجليدي العويني.

محمد رامي عبد المولى

كاتب صحافي ومترجم من تونس

×