12 آذار 2026
11 آذار 2026
لا شَيءَ حَقيقيٌّ؛ «لِمَن شاءَ مِنكُم أَنْ يَتَقدَّمَ أو يتأخَّرَ».
(*)
زَقزَقَةٌ، الوَقتُ فَجْرٌ، رَهبَةٌ، المشاعِرُ تَتخبَّطُ تَتَلاطَمُ، أتَسَمَّرُ في الأرضِ، أَجهَلُ بِماذا أَنطِقُ، إنَّه هُوَ! أرتَجِلُ: صَباحَ الَخيرِ يا جَنوبُ والثَّغرُ يَفْتَرُّ! (يَبْشَشُ رَغمَ الذُّهولِ). أُسبِلُ اليَدَين. لا فَراغَ يُلْوى عَلَيه. المَكانُ كُلُّهُ حَيرةٌ. (يَنظُرُ بِحِسابٍ). الحَربُ تَكادُ لا تُبقي ولا تَذَرُ، والمُستَقبَلُ في عُيونِ القَصْرِ وفِرَقِ الأشياعِ مُفزِعٌ مُرَوِّعٌ بِما لا يَقبَلُ التَّشكيكَ؛ ولَكِنْ لِكُلٍّ ما يُفزِعُه وَما يُريعُهُ، وما يُرغِبُه وما يَتمنّاه. (ما زال يَنتظِرُ مِنّي تَبريرَ وجودي). فَأُسارِعُ مُستأذِناً أيَّما استِئذانٍ!
دَولَة الرَّئيس! (يَتَدَثَّرُ بِعباءةٍ بُنِّيَّةِ اللَّون). أنا صَحافِيٌّ كُنتُ عابِراً. وَلَكِنَّ رَفيقَةَ الدَّربِ عُصفورةَ التّينِ فَرَّت مِنّي إلى حَديقَتِكُم، فأَقحَمَتني! (يَرفَعُ حاجِباً). الدُّنيا حَربٌ نَبَّهتُها، لَمّا هَمَّت تَطير. كُنّا قَد بَلَغنا الشَّاطِئَ الذي تُشرِفون عَلَيه. (يَتَبَسَّمُ). بَعدَ ذَلِكَ، جِئتُ إلى السّورِ لأُطِلَّ فَحَسْب، وما كانَ إلّا أنْ تَزَحْلَقت. فَأتدَحرَجُ وأرتَطِمُ، وأرتَطِمُ وأتدَحرَجُ، حَتّى هَوَيتُ في الدّاخِلِ عَلى هذا الطَّريقِ الطَّويلِ. أتخيَّلُ الحَرَسَ خَلفي يَركُضون، أَركُضُ، أهرُبُ، أهرَعُ… (يَضحَكُ، وَيَعقدُ كَفَّيهِ بوضعيَّةِ وَرَقةِ التّينِ دَلالةً عَلى الإصغاءِ).
بِجُهدٍ ألتَقِطُ تَهافُتَ الأنفاسِ. المَدينةُ ما زالَت صامِتَةً في هذا الفَجْر. زَقزَقةٌ وتصفير في الَحديقةِ. (هُو يَجلِسُ في كُرسيٍّ مِن خشَبِ الـمَيْس). البَحرُ يُرى مِنَ النّافَذَةِ غَرباً، ولا ضَوءَ يَنعَكِسُ فيهِ بَعد. النوافِذُ ذاتُ أقواسٍ مُدَبَّبة. يُطِلُّ أوَّلُ الضَّوءِ مِن نافِذَةٍ على الشَّرقِ. الألوانُ مُتبايِنةٌ بِشِدَّةٍ على جَانِبَي الوَجه. (يُحَدِّقُ إلى البَحر).
يَتناوَلُ بَريدَ الفَجْرِ. في مُقدِّمَةِ مَصائِبَ هَزيعِ اللَّيلِ: مَجزَرَةٌ في بَلدةٍ عَلى الضِّفَّة الجَّنوبيَّةِ لِنهرِ اللَّيطانيّ. 18 شَهيداً في غارَةٍ على مَبنى سَكَنيٍّ واحِدٍ. (يَتَجَهَّمُ). مِن بَين الشُّهداءِ طِفلةٌ اسمُها جوْري. وبأعجوبَةٍ، نجا شَقيقُها الطِّفلُ حُسَين. (يَنطِقُ لِمَرَّةٍ أولى وأَخيرةٍ: اللهُمَّ إنَّا لا نَسأَلُكَ رَدَّ القَضاءِ، وَلَكِنْ نَسأَلُكَ اللُّطفَ فيهِ).
في عَواجِلِ اللَّيلِ أيضاً، تَتَوالى إنذاراتُ العَدُوِّ بالإخلاء؛ مِن جَنوبِ النَّهرِ إلى الضَّاحِيةِ. صوْر دَوْلْتَك! هِي أيضاً مَدعُوَّةٌ إلى الإخلاء؛ أيُفرِغونَ البَحرَ؟ (يَرفَعُ العَينَ عَن وَرَقَةٍ يَهُمُّ بِتَوقيعِها). أَيَجتاحون؟ (يحَمِلُ سُبحَةً مِن دُرِّ النَّجَفِ). أَيُدفَعُ بِالجَّنوبيِّين نَحوَ الدّاخِلِ لِلاصطِدامِ بِبَقِيَّةِ اللُّبنانِيّين، كما حصلَ مع القوى الفلسطينية و"القوى الوطَنية" قَبلَ عُقودٍ؟ (يُسَبِّح، ويَرفَعُ الحاجِبَ). هَل صارَ الوُجودُ الجُّغرافيُّ مُهدَّداً يا دَوْلْةِ لرَّئيسْ؟ (يُسَبِّحُ بِعَجَلَةٍ). هَلْ نُسَلِّمُ السِّلاحَ وهو أيضاً مِن إرثٍ طَويلٍ عَريضٍ لهذا الصِّراع مع إسرائيل؟ انتَهى الشَّكلُ القَديمُ للصِّراع نِهايةً لا رُجْعَةَ فيها؟ أم إنَّه استِسلامٌ تَرَونَ لا بُدَّ مِنهُ لِعقودٍ ستَطولُ؟ (يَجَمَعُ السُّبحَةَ في الكَفِّ شاخِصاً). والقَهرُ! والحَشدُ! وَالنَّهرُ! وَمَجراهُ! وَحُدودُ اللهِ! ومُعامَلةُ المَهزومِ! والسَّابِحاتِ في الفَلَكِ ومَجاري المُنسَلَكِ! وهذا القَصر؟ بَل وَصَبرا وشاتيلا؟؟!! (يَهوي المُخَضرَمُ، رَجُلُ المُمكِنِ، بِالسُّبحَةِ عَلى الطاوِلَةِ).
إنَّها، دَولةُ الرَّئيس، الكارِثةُ قَيدَ الصُّنعِ. فَالجَّميعُ يَرى المُستقبَلَ مُروِّعاً، ولكنَّ كُلّاً يََروي ويَسرِدُ ويُدافِعُ عن تَصوُّراتِه ومخاوفِه. (يَهُزُّ الرَّأسَ مُوافِقاً). وعلى ما يَقولون، يا مَحفوظْ السَّلامِةْ: "القُدرةُ على سَردِ الحَدَثِ تَعني القُدرةَ على خَلقِ معنى مِن حَولِه، وفهم حبكته السردية، وإدراجه ضمن سياق الحديث". أنا أيضاً أَسقُطُ في يَدِ الحَبكَةِ وسَردِ الحَدَثِ بَل المَرحَلةِ. مَعذورٌ! فَأينَ العَقلُ فَنَعقِلَه وَنَتَوَكَّل؟ (يَتبَسَّمُ ويُخرِجُ رِزمَةَ أوراقٍ مَسَّها شُحوبٌ).
(*)
تَتَناهَى زَقزَقَةٌ مِن حَديقةِ القَصرِ. عُصفورةُ التّينِ مِن غُصنٍ إلى آخَر. قُربَ العَينِ يَتوضَّأُ مُؤذِّنٌ. وقُربَ الرَّئيسِ سَجَّادةُ صَلاةٍ فَوقها تُرْبَةٌ دائِريةٌ يُؤْتى بِها مِن جِوارِ آلِ البَّيت. فَفي كَربلاء، سَماءٌ "سِرُّها مَحجوب". "تَعلَمُ الأسبابَ، وَلا تَبوح". (يُحَدِّق). وَبَدرُ كَربَلاء، (رافِعاً يُمْناي)، "مِنْ ذُرى النِّسيانِ يَبزُغ… يُجَلّي الموالينَ يَمضونَ في رَكْبِ التَّاريخ". (تَطْفَحُ مَلامِحُهُ سُروراً). ولَكِنْ، إلى أينَ المُضِيُّ دَوْلْةِ لرَّئيسْ؟ أَنَمضي ونَترُكُ ٱلۡمُدَّثِّرْ فَلا يَقُومُ فَلا يُنذِرْ؟! (يَقرَأُ الأوراقَ الشَّحوبَة في سِرِّه).
يَرفَعُ المُؤذِّنُ الأذانَ. تَحتَ المِئذنَةِ العُصفورةُ تَنقُرُ الماءَ. لَستُ أتَخَيَّل، أقولُ لَهُ؛ فَفي المَرَّة الأولى رأيتُها مُستَقِرَّةً ساكِنةً على غُصْنِ تينَةٍ؛ عِندَ آخِرِه. حَمَلتُها مَعي رَفيقةَ دَرْب، وهِيَ بِدَورِها اختارَتني رَفيقاً. (تَنفَرِدُ الأسارير، وَيَقومُ لِيَتمَشّى). كِنّا صوبْ أَيْلولْ دَوْلْتَكْ، والشَّجَرة كانِتْ صوبْ الحْدود السّورِيِّة بِبْعَلْبَكْ-الهِرمِلْ، (يَشبِكُ الكَفَّينِ خَلفَ الظَّهرِ والسُّبحة بين الأنامِل)، وْهُوِّ هَيدا النّوع، وْعِندكُمْ العِلْمْ كِلُّه، مِنْ أكتَرْ الطْيورْ لِمهاجْرَة شُهرة حَوْلْنا. زِيتْ التّينْ هُوِّ المُعين بَسفَرهم الطَّويل. (يَرجِعُ صَوبَ الكُرسِيِّ). ولَكِّنَّ رَفيقَتي هَذِه التي جَذَبَتها حَديقتكَمُ، كانَت ساكِنَةً وحيدَةً تنظُرُ شَرقاً. فَهل يَنفَعُها البقاءُ سائِبةً؟ السَّفَرُ قَدَرٌ، والهِجْرَةُ حَنينٌ. (يَقرَأُ في سِرِّهِ)... دُنيا!! دُنيا!! "دُنيا مَعاشٌ لِلوَرى"، فَلا رَبيعَ؟ (يُخرِج ديواناً لأبي تَمّام، فأضحَكُ). يَنتَهي أذانُ الفجرِ. وبَعدَ قَليلٍ، تَعلو العُصفورةُ المِئذَنَةَ، ويَتربَّعُ المُؤذِّنُ شارِعاً في الدُّعاء: «اللّهُمَّ يا مَن دَلَعَ لِسانَ الصَّباحِ بِنُطقِ تَبَلُّجِهِ».
(*)
(يُخرِجُ مِنَ الرِّزمَةِ قَصيدَتَه): «صَباحُ الخيرِ يا جَنوب». عُمرُها يَفَوقُ العَقدَين. (جَسَدي يَستَرخي، حَنيناً لِجنوبٍ جامِعٍ لامٍّ لَم يَعُدْ). أبياتُ القَصيدَةِ تَسكُنُها القُرى «المُتلَألِأةُ كَقَناديلِ النُّجومِ عَلى أُبَّهَةِ السَّماء»؛ والقُرى «الأسماءُ الشَّهيدةُ»؛ و«القَمَرَ والدّوارِيَ». (يَنقُرُ بأطرافِ الأنامِلِ). وَبَلدةُ قانا! قانا-1996 لا غَير، كانَت هِي بيتُ القَصيدِ؛ «كَلِمَةُ السِّرِ… العَروس»! بِاللهِ كَم تَدَمّى الزَّمَنُ وجاشَ! «ثالِثُ الحرَمَين وثالِثُ القِبلَتَينِ وآخِرُ لَيلاتِ القَدْر!». فَهَل آخِرُ لَيلاتِ القَدْرِ دانِيةٌ دانِيةً لا مَحالة؟ (ينَظُرُ في الرِّزمَةِ). هَل تَلعَبون دوراً، دَولَتُكم، بِهدَفِ التَّسليمِ بِمُضيِّ ما كان؟ وَبِأيِّ ليالي قَدْرٍ تَعِدون؟ هَل مَن يَعِدون؟ (يُفكِّرُ مُتَأمِّلاً البَحرَ).
لمّا بَرَزتُم، بِالكادِ سَبعةُ عُقودٍ كانَت قَد مَضَت على خُروجِ الجّماعةِ الشيعيَّةِ من مِلَلِ السَّلطنة؛ وعلى دخولِها دولةَ جَماعاتٍ يَعرِفون مُسبَقاً أنَّها لِمقاساتِ الغَير. فَهَل النَّوْلُ في النَّسيجِ اللبنانيِّ صَعبٌ عَصِيٌّ عَسير؟ أليسَ الأمرُ بِغريب؟ (يَأخُذُ نَفَساً عَميقاً). كأنْ لَم يولَجْ لَيلٌ في نَهار؟ ولا نَهارٌ في لَيل؟ وكأنْ لَم يَجرِ كُلٌّ لِأَجَل؟ (يُقَهقِهُ). فعَمّا نَحنُ نَبحَثُ اليوم؟ (اليَدُ فَوقَ الرِّزمَةِ).
تِهْنا؟! تِهنا في بادِيةِ الشَّام، نَحنُ الجماعةَ الشّيعيَّةَ في لُبنان؟ كما المَنفِيُّ مِن فِلسطين وَليد مَسعود في الرِّوايةِ؟ (يَرفَعُ حاجِباً). تاهَ ارتِحالُ البَّحثِ عن ذاتٍ شيعيّةٍ جَديدةٍ تَعبُرُ الحدودَ؟ (يُخرِجُ خَريطَةً مِنَ الرِّزمَةِ). وتماماً كَما يُسأل: مَن يَبحثُ عن نَفسِهِ في وَليد مَسعود اليوم؟ ومَن يَبحَثُ عَن وَليد مَسعود في نَفسِهِ؟ (يُسَبِّحُ). فَيا عاقِدَ الحاجِبَين الجالِس مُتَقَدِّماً! مَن كُنّا لمّا دَخَلنا لبنانَ الكَبير قبلَ التّيهِ بِكثير؟ أنا يَنقُصُني اليَقين. (يَتَفاجأ). لي صَديقٌ، مارونيْ دَوْلْتَكْ، يُشَدِّد عَليَّ مُنذُ الحربِ الأخيرةِ واستِعارِ الصَّدمةِ، أنَّ التّاريخَ يُمكِنُه "أن يُبرِّرَ ما نَشاء". الرَّئيس! التاريخُ "فيه كُلُّ شَيءٍ، ويُعطي أمثِلةً عن كلِّ شَيء". (كأنَّه يَبدو مُوافِقاً. لا أدري). "التّاريخُ أَخطَرُ مُنْتَجٍ ابْتَدَعَتهُ كيمياءُ العَقْل"! إنَّه، والذِّكرياتُ الزَّائِفَةُ، مِن مُذهِباتِ العَقل، مُسكِرٌ، والعِياذُ بِاللهِ، فاجَتَنِبوه؟ (يَتَبَسَّمُ بِمَرارَةٍ). هل الماضي يَتَحكَّمُ بِحاضِرِنا فَنَحبِسُ المَدى ونَخنُقَهُ؟ أم الحاضِرُ يَصنعُ ماضينا ويُعيدُ إنتاجَه بأشكالٍ جَديدةٍ؟ (يَنقُرُ بأنامِلِه).
(عابِساً. ثُمَّ كأنَّهُ في حَيرَةٍ، يُشيرُ بِالسَّبّابَةِ إلى مُنَمْنَمَةٍ قُرآنيةٍ بِالخَطِّ النَّسخِيّ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا).
أنظُرُ مِنَ النّافِذَةِ صَوبَ البَحرِ مُناجِياً. يا حَنّانُ يا مَنّان…
(*)
أراقِبُ جدرانَ القَصرِ. أُجرِّبُ شُعورَ الوقوفِ في بَلاطِ الجَّماعةِ! أحُثُّ الحَديثَ، وَلَكِنَّني أتَقَفّى المَخارِجَ في آنٍ. فأنا، دَوِلْتَكْ، أدخُلُ الجَّماعةَ لِكي أخرُجَ مِنها، وأخرجُ مِنها لِكي أدخُلها. (تَفلُتُ مِنهُ الضُّحكَةٌ عَريضَةً). انتقَلتُم إلى هذا القَصرِ بتاريخِ 09/02/1995. «بِهدوءٍ وصَمتٍ، وَمِن دونِ أيّة إجراءاتٍ أو مراسِمَ»؛ وفقاً لخبَرٍ موجَزٍ في الصفحةِ الثانيةِ لعَدَدِ جَريدةِ السَّفير 7007. (أرفَعُ العَددَ مُشيراً إلى الخَبَرِ في كَعبِ الصَّفحة). وفي السِّياق، «نُحِرَتْ ثَلاثةُ خِرافٍ أمامَ بَوَّابَةِ القَصرِ احتِفاءً». (يُحَدِّقُ سارِحاً، كأنَّه يَتذَكَّر. ويُسَبِّحُ).
ثَلاثُ سَنَواتٍ كانَت قَد مَرَّت على انتِخابِكُم رئيساً لِمجلِسِ النُّوّاب؛ وخَمسٌ عَلى تَوَقُّف الأعمالِ القتالِية لِأعنَفِ حَربٍ شَهِدَها لبنان. جِئتُم من المَقَرِّ في شارِعِ بَربور، حَيثُ قُدتُم حُروبَ "حركةِ أمَل" و"القوى الوَطَنِيَّةِ"، و"انتِفاضة 6 شباط" رِفقَةَ رَفيقِ الدَّربِ زَعيمِ قَصرِ المُختارة. (تَرتَفِعُ اليَدُّ مُتَثاقِلَةً، كأنَّه يَتَحَسَّرُ: سَقى الله!). تُجْمَلونَ بِـ "زُعماءِ الحَربِ" (أرفَعُ مَقالَةً وأقرأ): «يَعمَدُ نِظامُ الزُّعماءِ (زُعماء الحرب) دائماً إلى حَرفِ النِّقاش من المستوى الداخلي… وَالتَّنَصُّل عَبرَ لَومِ القوى الخارجية». (يُشيحُ النَّظَرَ، ويتأَمَّلُ الخريطةَ).
هُناكَ في بَربور، أرسَيتُم الدَّعائِمَ لِزَعامَةٍ، بَل لِشيعِيَّةٍ سِياسِيَّةٍ لا عهدَ لِبيروت بِها؟ بَيروت الغَربِيَّةُ حَيثُ يَقومُ القَصرُ فَوقَ تَلَّةٍ تُشرِفُ عَلى البَحر. (ينظُرُ في لَوحةٍ تُصوِّرُ المَدينةَ مُحَصَّنَةً، وصِراعَ الخَضِر والتِّنّين). يَزعَمُ رُواةٌ بِأنَّ السَّلَفَ هو مَن طالَبَ بِمَقَرٍّ لِرئاسةِ مَجلَسِ النوّاب؛ "الرِّئاسةُ الثَّانيةُ"، ولَكِنَّ الزَّعيمَ الجديدَ للجَّماعةِ الشّيعيةِ هو مَن سَيُكمِلُ الأعمالَ ويَدخُلُ في تِلكَ الليلةِ مِن شِتاء 1995. المَكتوبْ، دَوْلْتَكْ، ما مِنُّه مَهروبْ! وِالدِّني، تُؤْخْذُ غِلابا؟
(يُشير بالإصبَعِ إلى إطارٍ خَشَبِيٍّ فيهِ قَولُ الإمام عَلِي: لَا يُقِيمُ أَمْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا مَنْ لَا يُصَانِعُ وَلَا يُضَارِعُ وَلَا يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ. تَفلُتُ مِنّي ضُحكَةٌ).
تَرَيَّسَ القَصرَ، وسايَسَهُ، وزرَعَ فيهِ غَريزَةَ البَقاء. صارَ المكانُ عُنواناً أبرزَ في إدارَةِ التَحاصُصِ بَين الجَّماعاتِ اللُّبنانِيَّة؛ فأسْتَقي مُتَردِّداً مِن نَهجِ البَّلاغَةِ: "وَلاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ"! (يُقَهقِهُ).
النُّكتَةُ، والهَمشَرةُ، والفِطنةُ، والخَطابةُ، والبَحَّةُ الجَّنوبيةُ مَخصوصَةِ المَخارِج، تآلَفَت لتَبنِي الزَّعامةَ. (يَسرَحُ). بَلَغَت منابِركَ دِمشق. هُناكَ في العاصِمِة السّوريَّة، أمام حافِظ الأسَد قبل عُقودٍ خَلَت، اختَزَلتَ كُلَّ شيءٍ نِيابةً عَمَّن تُمَثِّل: فَقَدْ «ألقَينا مُفتاحَ الغُرْبةِ في بَرَدى… وأخَذْنا شَكلَ دِمَشق». ما زالَ المفتاحُ في النَّهر؟ وسَماءُ دِمشق! "مِن حُلى الماضي كِتاب"؟ (يَخرُجُ صَوتٌ مِنَ فونوغرافٍ يَستَكمِلُ الكَلِمةَ أمام الأسَد: يا برَّ الشَّامِ تَحشَّدْ… النّاسُ تُساوِمْ).
كانَت دِمشق السَّنَدَ والحامِلَ، وحَربُ لبنان تَأفُل، فيما تَصعَدُ دَولَتُكَ دُروجَ الزَّعامَة. (يُثَبِّتُ النَّظَرَ في السَّقف). مِزاجُ الجَّماعةِ الشّيعيّةِ انقلَبَ على البَواكات، بِمَعِيَّتِكُم، ثُم راحَ يَبحَثُ عن منابِرَ أعلى، وعن "أميرٍ للمنابِر". (يَشخَصُ). خُطبَةُ الحَماسةِ أمامَ المِناصِرين والمُبايِعين في 1989! «يا قادَةَ العُربِ، أيُّها المُسلِمون، أتَعرِفونَ أنَّ في السِّجنِ موسى؟!... غُيِّبَ في صَحارى العَرَب… شَمسُكُم دونَه حَطَب»؛ «مَتى تُزَيِّنُ صوْرُ إسوارَها ويَعودُ المُعتَصَم؟ مَتى نَحتَشِدُ في بَعلَبَكَّ ثانِيةً نَستَعيدُ القَسَم؟». (يَمُطُّ الشَّفَتَين، ويُقَلِّبُ الكَفَّين، كأنَّهُ يَقولُ: لَستُ أدري).
(النِّهاية)
الزَقزَقةُ والتَصفيرُ دائماً في الحَديقَةِ. عُصفورةُ التّينِ بَين الأغصان والثِّمار. بِضعُ سَياراتٍ ودَرّاجاتٍ عابِرَة؛ فالقَصرُ في قَلبِ بَيروت. (مِرفَقاه عَلى المَكْتَبِ، وأَصابِعُهُ مُتَشابِكةٌ أَمامَ شَفَتَيْه، ولكِنْ تَزامُناً، وبِلا أيِّ مُقَدِّمات، يَحُلُّ ذُهولٌ لا مَثيل لَهُ).
ألتَفِتُ نَحوَ الجُّدران، اللَّمعانُ مُنقطِعُ النَّظير، ثم يَبهُتُ اللَّون، وبَعدَ ذلِك يَلمَع، وعلى هذا المِنوال… (نتَطلَّع مَشْدوهَين)، أطيافُ أفراحٍ جَنوبِيَّةٍ وبِقاعِيّة، وَمُنجَيرَةٌ، وسَبَّابَةٌ، وعِمامَةٌ سَوداء، ومِنْ طَيِّبَاتِ ما رُزِقوا يَأكُلونَ ويَشتَهون، ومَجرى النَّهر، وقِلاعُ عامِلَةَ والحُصون، وإكليلُ القُبَّةِ الشُّعاعِيّ، وعَينان بَين الأخضَرِ والعَسَليّ، ومَنابِرَهُ وجَماهيرُهُ، ومِئذَنةُ جامِعِ البَحرِ في «بَوّابةِ الجَّنوبِ» صيدا، وعَبدُ الباسِطِ يُجَوِّدُ في الإسْراءِ الأرضَ والجِّبالَ طُولا، (مَصعوقانِ، شاخِصانِ، مَعقودا اللِّسانِ، دَوْخَةٌ! دَوْخَةٌ! كأنَّه الإغْماء!)، وأضواءٌ تَشُعُّ مِن حُدودِ الكَّرمِلِ والجَّليل، (عَلى عجَلٍ، عَلى قَلَقٍ كَأنَّ الريحَ تَحتَهُ، يُفَلفِشُ الرِّزمَةِ)، وأسوارُ صوْر! أسوارُ صوْر! أَتَنتَهي السَّهرةُ الجَّنوبِيَّةُ الطَّويلةُ في بَيروت؟!
كُلُّ شَيءٍ يَنتَهي! فَجأةً! على حينِ غَرَّةً! كُلُّ شَيءٍ! كُلُّ شَيءٍ! يَفنى المَشهدُ! فجأةً! ماذا حَصَلَ في الجُّدران ولَها؟! أبحثُ عَن الماء، أفرُكُ العَينَين والصُّدغَين، أشيلُ مِنَ الجَّيبِ حُقَّةً مِن زَيتِ الخُزامى، فيما هُوَ يُمَرِّرُ مِنشَفَةً مَبلولَةً عَلى الجَّبين، ساهِماً في السُّطور، ونَحنُ نَتَساءَلُ ما هذا الذي خَرَجَ مِنها؟ كيف أمَكنَ حُصولُ ذلك؟! (يَشرَبُ ماءً فيه قَطَرات مِن زَهرِ اللَّيمونِ، وعلى القَّنّينَةِ مَكتوبٌ: زَهْرُ النّاقورة. يَتحامَلُ عَلى نَفسِهِ لِيَنْهَض، ثم يخطو خُطُواتٍ قَليلَةٍ). أقترِبُ قليلاً، فَأرى آيَةَ سورَةِ طَهَ تَتوَسَّطُ المكتَبَةَ: «مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى».
يُلقي نَظرَةً مِنَ النّافِذَةِ، ويتأمَّلُ نَجَماتٍ ثُمانِيَّةِ الزوايا نُقِشَت في الأرجاءِ، ويُمَرِّرُ البَصَرَ عَلى العُصفورَةِ تَطيرُ إلى غُصنٍ مُرتَفِعٍ يُطِلُّ على خارجِ السّورِ، ثُمَّ يَسرَحُ في المُؤذِّن يَسقي الوردَ والزُّهورَ وشَتلَةَ تَبغٍ وبِضعَ شجراتِ لَوزٍ وزيتونٍ وسِندِيانٍ ومَيسٍ. ولَكِنْ، أينَ السُّقاةُ، دَولَتُكَ، يَصُبّونَ الماءَ صَبّاً في هكذا أيامٍ تَحْلَوْلِكُ؟ (يَتَفاجأ)، أينَ الشَّوَّافون؟ (يَتَطلَّعُ صوبَ الخَريطَةٍ)، أينَ أهلُ الذِّكرِ فَنَسألُهُم لَو كانوا يَعلَمون! (نَتَلَفَّتُ مِن حَولِنا؛ لا أحد). أسألُ لأنَّ العالمَ، على ما يَقولون، "صحراءٌ عَلى الدَّوام؛ تَحتاجُ مَن يَبدَأون، لتكونَ القُدرَةُ على البَدءِ مِن جَديد". (يَهُزُّ الرّأسَ كأنَّه يقول: ماشي ماشي… بَلِاها هَلَّأ… وَيَعودُ إلى كُرسِيِّه، يَرفَع سمّاعةَ الهاتِفِ فَيَتهافَتَ المُتهافِتون والمساعِدون والرِّجالات واحِداً يَتلو آخَرَ). وبعدَ ذلِك، لَن أراه. يَختَفي، يَختَفي تماماً. أرفَعُ الصَّوتَ بِالسُّؤالَينِ اللَّذَين لم أطرحهُما بعد. كنتُ أتَحَيَّنُ الفُرصَةَ...
دَوْلْتَكْ!!! دَوْلْتَك!!!! هل تَخافونَ ضَياعَ إمامَةِ هذا القَصرِ بالجَّماعةِ الشّيعيّةِ في مَطارِحِ لُبنان؟ نحن في عَصرِ حَيرةٍ، (أندَهُ!)، فَهَل عادَتْ الإمامةُ، ومَعها تَفسيرُ الكِتابِ، إلى عُهدَةِ الاجتِهادِ؟ رَجعُ الصَّوتْ… لا أحد... لا أحد سوى حارِسٍ يُرافِقُني إلى البَوّابَةِ. ألتَفِتُ مُحَدِّقاً إلى العُصفورةِ. تَرمِقُني، تُصوِّبُ النَّظَرَ، تتساءَلُ مَن يَكون؟
(يَركُضون… أركُضُ، أَهرُبُ، أَهرَعُ… يا عَفو الله!!!
تُسدَلُ السِّتارةُ).
صحافي، ومحرِّر موقع المراسل.