20 شباط 2026

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

في مَشغَلِ فؤاد عند أطرافِ بيروت

محمود مروّة

20 شباط 2026

«في الخَلفِ تُرى نارٌ رائعةٌ ولكنَّها مرسومةٌ على الجدار، وإلى جانبها رُسِم قدرُ حساءٍ يَغلي بِبَهجةٍ، ومنه تَطلع سحابةُ دخانٍ تضفي بِوَفرةٍ وهمَ الواقع».

كولّودي، مغامرات بينوكيو

 

(1)

بجَدِّيةٍ، لماذا اخترتَ حِرفةَ الأعمال الخشبية؟ كرَّرتُ السؤال ثانيةً على فؤاد. ليُكرِّر بدوره: «لِأنْ شغل الحديد بَدُّه كهربا، وكهربا ما في!». ثم يوضح أنّه اشترى لزوميات شغل الخشب في سنة 2020. بالكاد شهورٌ قليلةٌ مرَّت على «الانهيار» في لبنان. المشهد قاتم بغياب اللاعب الأبرز. وشبكات المولِّدات الخاصة ما زالت لم تتَّسع بما يكفي لتعويض «كهرَبة الدولة»، لتعويض الدولة، على مدار الساعة. فآثَرَ فؤاد شغلَ الخشبِ، وعنده حق. لن يعمل «عَ الطريقة القديمة»، فيضطر إلى إحماء الحديد بالنار لضربه وطرقه كلَّما أراد لقطعةٍ أن ترِقَّ أو تَنثني أو تَطول أو تُكَوَّر. وهكذا، أخرج في يومٍ من ربيع 2020 مِخرطةً كان قد اشتراها ضمن «عادةٍ قديمةٍ باقتناء أدوات العِدّة وتجميعها». ثبَّت خشبةً بين رأسَي المخرطة، وجعلها تدور. بعد ذلك وجَّه الإزميل، وراح يقشر الخشبة ويعطيها شكلَ كوبٍ إلى أن أخفق إخفاقاً لا لبس فيه. «طُلِعْ ما خَرْج يِنشاف». فأعاد الكَرَّة مرّات كثيرة. وبعد عامَين، انتقل من تِرَّاس شقَّته القديمة في الرّوف، إلى مشغلٍ افتتحَه في حيٍّ هادئٍ عند أطراف بيروت. أعطى المشغل اسم «إزميل»؛ الأداة التي شكَّلت الكوبَ الأوّل، ومنحَته مستقبلاً جديداً رغم تجاوزه خمسينَ العمر.

 

ما يُحبِّه هو الشغل اليدوي، والرسم بمرتبة الهواية. لا يعيش من حِرفة الأعمال الخشبية. بل من مهنته مُخرِجاً فنياً في صحيفةٍ عربيةٍ. فلا تصحُّ فيه ثنائية الببغاء في رائعة «مغامرات بينوكيو»، لأنّها ترسم سبيلَين منفصلَين إلى كسب العيش: فإعمالُ إما اليدَين وإما العقل. ولكنّه يتعلَّم الحِرفة لكي تكون مشروعَه الخاص بعد التقاعد؛ أو بعد الاستقالة من عملِه. فيمنح المشغلَ ثلاثة أيامٍ في الأسبوعٍ. ويقول إنّه صار يُحصِّل قليلاً، بفضل طلباتٍ خاصةٍ. أسرَّني بأنَّ أكثر ما يُطلَب هو لوح خشبي للعبة X/O. وأذهلَني بقصة منافض لا أعلم بوجودها: مَنافِض السيجار المحمولة portable ashtray cigars. طبيعي، يعتبر فؤاد، «إنُّه يللي بيدخِّن سيجار يحب يكون عنده منفضته الخاصة... في الأنا». ما يتعذَّر عليّ فهمه هو أن تكون هذه المنفضة محمولةً مع المدخِّن. سأُفضِّل مجالسةَ الِمنفضةِ لا ريب.

 

أراني فؤاد مصباحاً خشبياً صغيراً صنعه من «الخشب القطراني يلّلي كانت تُسنَد فيه سقوف البيوت القديمة». جاء بالخشبة «من منزلٍ قديمٍ انهار بأوّل منطقة الجمَّيزِة». شاهدتُ كراسي خشبيةً صغيرةً وأكواباً وملاعقَ ومغارفَ وأطباقاً. لا يُخفي أنَّ مما أسهم في تفضيله الخشب على الحديد هو التأثُّر بسلسلة الفايكنغز. «كان بدي أعمِل أدوات بتشبه أدواتهم». فأخبرتُه بأنني من مُحبّي شخصية فلوكي Floki، الحرفيّ العبقريّ صانع سفن الفايكنغز. في قصص Floki أنَّ التعلُّمَ والعملَ لا يعرِفان سنّاً. إنّهما الإبحار بعينِه صوبَ العوالم الجديدة. وهذا درسٌ في «مغامرات بينوكيو». لمّا تعِظه الجنِّيةُ الطيِّبةُ ذات الشعر الأزرق، فتقول: «إنَّ الإنسان، ولتعلم ذلك يا بينوكيو، مُجبرٌ دائماً على أن يفعل شيئاً، أن ينشغل، أن يعمل». فلا حقولٌ تُثمِر شجرات ذهبٍ، كما أوهمه الثعلب الأعرج والقط الأعمى.

 

 

(2)

لا يؤمن فؤاد بشجرات ذهب تنبُت على شاكلةِ التي في «بِلاد الغُفَّل». يؤثِر «جزيرةَ النَّحلِ الدؤوب». أسأله من أين تأتي بالخشب؟ «من السوق، وأحياناً بجيب حطب من الريف وبتركهم ينشَفوا عَ مهل، وبعدين بقصهم ع حسب شو بدي اشتغل وحسب نوعية الخشبة وعروقها». ماذا تعني؟ «هناك قص عرضي وهناك قص طولي. والعرضي ما بيزبط للأدوات الصغيرة لأن بتكون قاصص حلقات النموّ الدائرية العرضية، فالملاعق مثلاً حَ تْطُق خاصة إنْها مش سميكة». وما هو أصعب شيءٍ في شغل الخشب؟ «التأسيس! يعني بس بدك تعمل الشكل وتاخد قياساتك… لأن الخشبة رح تصغر بعد حفها وتنعيمها، وبالتالي إذا شغلة بدَّك هي 10 سنتيمترات لازم تشتغلها ع الـ 12 أو 11,5. لأن إذا اشتغلتها بالأول عشر سنتيمترات رح تصير تسعة وتمانة». "طيِّب" وما هو أجمل شيءٍ؟ «الترميم… شغل الترميم حلو». يروي فيقول:

 

«في مكتَبْ هون بالحيّ عمره شي 150 سنة، لَـ سِتْ واحد كانت فرنسية. كانوا حاطينه بالمستودع وعليه ماكينة خياطة قديمة، فكِلُّه مْجَوَّر وخيوط الخشب ع السطح رايحة من محلها. اضطريت أعمل فيلر وإرجع متل حكيم لِسْنان لمن ينقر لْسِنْ ويرجع يعبيّبه، فَضّيت الخشب من جوّا وحشيته نشارة وقطع صغيرة… حشي وتنضيف وحدن أخدوا شي أربع تِيّام. بعدين بس خلَّصت رجِعِت إرسم الخيوط من جديد ووَصَلت الخشب ببعضه… وبعد شي أسبوع رجعت عملت اللاكر… يعني حافظت عَ الروح القديمة للطاولة، وبس صلّحت المطارح الخربانة». ثم بلغةِ معلِّمٍ في سوقٍ يختم: «يلّلي قبلي كان بدُّه يبرِشلُه هِيِّ كلها للزلمة ويحطله طبقة خشبة جديدة… شي بَشِع».

 

بينما هو يتغزَّل بفنّ الترميم، ويتمنّى السفر إلى مصر أو إيطاليا «من أجل دورةٍ تدريبيةٍ»، خطر لي حديثُ شخصٍ يحترف ترميم اللوحات. كان يتحدَّث عن «تعب العيون لشدَّة التركيز طويلاً في تفاصيل تفاصيل الألوان والخطوط». كذلك يحكي، مثلاً، من يعملون في الموزاييك. الحرفيّ ليس مجرَّد لقبٍ. وفي الكتابة بوجهٍ خاصٍّ، يُسِرُّ ابن الخيّاط الذي سيصير واحداً من روّاد "الصحافة الجديدة" في أميركا، غاي تاليسي، قائلاً: «أنحدر من أسرةٍ تتوارَث عمل الخياطة… نشأتُ على الخياطة الرفيعة... أكتب كما يخيّط الخيّاط، أتحرّى الدقّة بعنايةٍ شديدةٍ، وأسعى إلى أن تصمد الأشياء وتتماسك». هذا ما أقصده بحرفيٍّ. أو مثل الحرفيين في أزقّة دمشق القديمة، وهم يصنعون طاولات الزَّهر ويُزخرِفونها. لا أعرف أين نحن فؤاد وأنا من تلك العوالم. فماذا تفعل حين تُخطِئ؟ «أُرمِّم!».

 

لمّا أخذَنا الحديث بعيداً، حكى عن لوحةٍ في متحفٍ خليجيٍّ للمستَشرِقين أُرسِلت إلى إيطاليا لكي تُرَمَّم. ينقل عن صديقٍ عمل في المتحف: «كانِت لوحة آكلها العِت، شحنوها ع إيطاليا… هونيك الطليان حطّوها متل مَ هي بمكنة وصارت معلَّقة بفراغ. وبعدها سحبوا كل الخيطان القديمة خيط خيط حتى ما يتخزَّق شي من اللوحة… ورجعوا ركَّبوا نوع القماش نفسه يللي مصنَّع من تقريب مية وخمسين سنة». نحكي ونتغزّل بالمكنة وبفنّ الطليان. "بعد في قهوة؟". ما رواه هي ما تُسمّى عملية التبطين. يُلجأ إليها، وفقاً لخبيرَين إيطاليَين، «عندما يفقد قماش اللوحة الأصلي متانته الداعمة، سواءً أكان نتيجة تدهور ألياف السليلوز أو بسبب تمزقاتٍ كبيرةٍ أو شقوقٍ وما شابه». ويضيف الخبيران: «تتمثّل العملية في تثبيت قماشٍ جديدٍ واحدٍ أو أكثر على ظهر القماش الأصلي، ثم يُشدّ قماش التبطين الجديد موقتاً على إطارِ شَدٍّ أكبر من مقاس اللوحة، في عمليةٍ تتطلَّب تطبيق ضغطٍ وحرارةٍ يؤدّيان إلى تسييل المادة اللاصقة، بما يتيح لها التغلغل في ألياف القماش». شغلَنا الأمرُ. ولكنَّ ما شاهدتُه بالعَين هي سعادة فؤاد عند الحديث عن المكنات والشغل «والحرتَقة». أسرد معه. نُثرثِر. "يا زلَمِة وين القهوة؟!". سعادتُه تشبه سعادةَ بينوكيو لمّا دخل مسرح الدُّمى؛ «يتعذَّر وصفُها، يجب تخايلها».


 

 

(3)

أنا أتقفّى معنى الاعتزال إلى حرفةٍ؛ ومعنى عيشِ "حياةٍ جيِّدةٍ ضمن حياةٍ سيِّئةٍ". قد لا تكون هذه حالة فؤاد تماماً، لأنّه يعيش من مهنةٍ أخرى. ولكنَّه لم يتعلَّم المهنة ولا الحرفة في جامعةٍ أو أكاديميةٍ. هو مِن الخارج. مِمَّن يُؤخَذون بالحوارات الصامتة مع ما يشتغلون عليه. «ونحن نوشك أن ننسى ما هو الصمت. صرنا نخشاه»؛ اقتباساً من مؤلَّف «تاريخ الصمت؛ من النهضة إلى يومنا» لآلان كوربان. «يصعب اليوم أن نَلوذَ إلى الصمت»، يضيف كوربان؛ «فالمجتمع يحثُّنا على تقبُّل الضجيج لكي نكون جزءاً من الكلّ… فتتبدَّل بُنيةُ الفرد ذاتها». أجواءٌ من قبيل الشعار الحربيّ Made like a gun، المطبوع على دراجة فؤاد النارية من نوع Royal Enfield. كانت خلفي، ولم أفهم تماماً لماذا يفكُّها ويشتغل "بِسماها".

 

متى بدأتَ تكتشف حبَّك للشغل اليدوي؟ يرجع بالذاكرة بعيداً. يرجع إلى صندوقِ عدَّةِ جدِّه. اكتشفه مصادفةً تحت دروج منزل العائلة في قريتهم الجنوبية. جَنَّةٌ! فمن المفكّات والبراغي والمسامير والمفاتيح والمِتر، إلى قَطّاعةٍ ومِطرقةٍ ومنشارٍ صغار، إلخ.. كان فؤاد قد فرَّ وأسرته إلى قريتهم الجنوبية مع اجتياح إسرائيل لبيروت. الجنوب أفضل رغم أنّه محتلٌ بدوره، ويغلي غلياناً. القرية المجاورة هي قرية الشيخ راغب حرب. هناك عاش فؤاد يوميات المرحلة. في يومٍ، فقَعَت طابته تحت دبابةٍ إسرائيليةٍ بعدما فلتَت. وفي القرية هناك لا غير ولِد لديه الشغف بشغل اليدَين. فعلاوةً على صندوقِ الجدِّ، فُتِحت أمامه أبواب مطبعة القرية. عمل في صَفِّ الحروف. كلُّ كلمةٍ تُجمَع حرفاً حرفاً، في صفحاتٍ مكتوبٌ لها أن تُكتَب.

 

في القرية الجنوبية رأى الملاذُ والاعتزالُ النّورَ للمرَّة الأولى. وبعد ذلك مع العودة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت. فهناك شهد على «تغيُّر الأجواء». يُخبِرني عن قريبه صاحب متجر بيع الكاسيتات؛ ««صار يْغلِّف كاسيتات الأغاني الوطنية متل مارسيل خليفة وأحمد قعبور بأغلفة Metallica وThe Rolling Stones ومثلاً راغب علامة يلّلي كان بأوّل طلِعتُه كرمال يقدر يبيعهم». أغتنم الفرصة وأسأله على الفور: أيُّ موسيقى تسمع وأنت تعمل في عُزلةٍ في المشغل؟ يضحك ويُسِرُّ بولَعِه بموسيقى الروك إبان حرب فيتنام. هذا ما ينقص يا فؤاد! هذا ما ينقص! يقولون إنَّ الحرب دخلَت في الموسيقى. اشتهرَ جيمي هندريكس بتفكيك لحن النشيد الوطني الأميركي. زاد الضجيج عليه. «فكأنَّها الحربُ في نشيد» الاستفهام البلاغي:

قُلْ، هل رايةُ النُّجومِ اللَّأْلَاءةِ تُرفرِفُ بعدْ
فوقَ أرضِ الأحرارِ وموطنِ الشُّجعانْ؟

 

غير أنّ بينوكيو، هو من خطر لي في طريق الرجوع من المشغَلِ الواقع عند أطراف بيروت. إنّه ليس مجرَّد شخصيةٍ خياليةٍ للأطفال؛ يطول أنفها كلَّما كذبَت، وتتحوَّل في مرَّةٍ إلى حمار. صاحب مفهوم الحياة العارية nuda vita، جورجيو أغامبن، ينظر إلى بينوكيو بكونه سبيلَ خروجٍ أو مهرباً من مجمل الثنائيات المتعارِضة التي تُعرِّف ثقافتنا: بين الحمار والإنسان، وبين الجنون والعقل، وقبل ذلك بين الصبيّ المهذّب حسن السلوك والحطبة الجامحة. فلماذا لا تنحت وتحفر بينوكيو يا فؤاد؟ كلُّ الأشكالِ التي نعرفها هي لآخرين غير مؤلِّف الرّائعة كولّودي. "أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هم الخالِقون"؟! قُلْ! وفي المشغل حطبةٌ تشبه تلك التي بها بدأ كلُّ شيءٍ. فقد «كان يا ما كان حطبةٌ»... «مُجرَّد حطبةٍ، من النوع الذي نضعه شِتاءً في الموقد أو المدفأة». رأيتُها في الزاوية خلفَ البابِ «تجفُّ على مهل». تعلوها بقليلٍ لوحةٌ لم يُكمِلها فؤاد بعد، لظهر امرأةٍ عاريةٍ تنظر في زرقةِ بحرٍ وسماءٍ صافيَّين.

محمود مروّة

صحافي، ومحرِّر موقع المراسل.

×