22 حزيران 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

من سيرتي مع الجحش

بسام لولو

16 أيار 2024

(Pablo Prada©)

مشاعر التجربة الأولى في الركوب على الجحش

يبدو أنني بدأت أصير ثقيلاً على نانتي (جدتي)، أو ربما كانت مستعجلة وقدّرتْ أنني لا أستطيع مجاراة سيرها السريع، فيما نحن نعبر شارع قَرْلِقْ المزدحم بالناس والبائعين. المهم، لا أعرف بالضبط لماذا استوقفَتْ أحد الجحّاشين وقالت له: «خيّو الله يرضى عليك ركّبلنا هالصبي وراك». بسهولة وبساطة وافق الجحّاش على عَرْض نانتي، وهكذا وجدتني على ظهر الجحش مرتفعاً عن الأرض كثيراً وراء رجل لا أعرفه. فكان عليّ أن أخشى السقوط، وأن أتمسّك بالرجل، وأيضاً أن أتابع بنظراتي نانتي خشية أن يذهب بي الجحش بعيداً عنها وأفقدها في هذا الزحام، فيما هي كانت تحاول أن تجاري سير الجحش... وهكذا، تبددت مشاعر متعة مغامرة التجربة الأولى في الركوب على الجحش، وهي المتعة التي يحلم ويفرح ويزهو كل طفل بتحقيقها.

 

الجحش العنيد

مع مشاعر الزهو بأنني بدأت أصير كبيراً، وصار بإمكاني أن أنفّذ بعض الأعمال بمفردي، دون الاعتماد على أختي – أسطورتي التي لم أستطع أبداً أن أجيد تقليد غنائها وعزفها على قفا الطنجرة وتحليقها عالياً في المرجوحة، وظلّتْ تكبرني بتسع سنوات، مع أنني حاولتُ جاهداً أن أصير أكبر منها بأن أبقى مستيقظاً خلال نومها، ولكنّ النوم كان يغلبني دائماً، فاستسلمت إلى حقيقة أنه لا يمكنني ذلك.

 مع هذه الفترة من مثل هذه المشاعر والأفكار التي ظلّتْ تتجدد، لبّتْ عائلتي دعوة إحدى العائلات في أحد الأرياف المجاورة لحلب، فكان عليّ أن أندهش وأستمتع كل الوقت بطبيعة القرية، وببستان تلك العائلة الذي يبعد قليلاً عن بيتها، حيث وجدتُ الفرصة سانحة لأحقّق حلمي في الاستمتاع والزهوّ بمقدرتي على ركوب الجحش والمضيّ به من البستان إلى البيت.

قدّرتُ أنّ التصدي لهذه المهمة العظيمة لا يحتاج إلا إلى التزوّد بالعدّة المناسبة، وهي عبارة عن عصا صغيرة أنكشه بها، والقول له «جي» عندما أريد أن أحثه على السير قُدُماً أو «هش» عندما أريد منه أن يتوقف.

لكن كل مشاعر الاستمتاع والزهوّ تلاشت وحلّت محلها مشاعر الحيرة والقلق والهَمّ عندما وصلنا، أنا والجحش، إلى مفترق طرق، حيث رأيت أن أنعطف به نحو اليمين، في حين ظلّ هو مصراّ على التوجه نحو اليسار.. لم تفلح معه كل محاولات النكش بالعصا والنزول من عليه وجرّه إلى اليمين، حتى يئست وحرت بما يجب أن أفعله... لم أجد من المناسب أن أتركه وأمضي فأسبب لمستضيفينا مشكلة كبيرة في فقدانه وضياعه، ورأيت أن أنسب الحلول أن أستسلم لمشيئته وعناده وأبقى معه وأركبه ليمضي بي في الطريق المصرّ عليه إلى أن أجد أحداً من الكبار ينقذني من هذه الورطة ومن التيه الذي يأخذني إليه هذا الجحش، لأكتشف في النهاية أنّ الذي ضلّ الطريق هو أنا وليس هو، عندما أوصلني بالضبط إلى أمام البيت المقصود.

من أرشيف الكاتب

 

عودة إلى الجحش العرصة بعد انشغال طارئ

ارتأت الفنانة هياتم (1948-2018) في إحدى مسرحياتها، على ما أذكر، أن تبرّئ ذمتها وتعمل ما عليها وتقوم بواجبها على أكمل وجه، مثل أبناء الأصول والحلال، عند موت زوجها، فارتدت ثياب الحداد وبكت وشاحت وناحت ولطمت وندبت وعدّدت مناقب الفقيد، وفور انتهاء مراسم العزاء خلعت ملابس الحداد، كأن همّاً انزاح عن صدرها، وراحت ترقص وتغني: «ما خلاص خلاص، عيّطنا زي الناس، وعَمَلنا بأصلنا». حالة الفنانة هياتم هذه ذكّرتني بها حالتي، بعدما انشغلت بالكتابة عن «يوم اللغة الأم» الطارئ، وانقطعت عن حَكايا جْحاشي، ثم عودتي الآن لسردها.

في إحدى عصرونيات صيف 2010، وعند محل مرطبات سلورة المكتظ بالزبائن من الشباب والصبايا (من أرقى محلات بيع البوظة في منطقة محطة بغداد بحلب)، توقف جحّاش مسنّ مع جحشه واشترى برشانتين (قبّوعين من الآيس كريم) واحدة بخمس عشرة ليرة، والثانية بخمس ليرات. أطعم الأولى «أم الخمسطعش» لجحشه الذي أقبل على التهامها بلهفة وسرعة وسعادة غامرة، فيما تفرّغ الجحاش بعد ذلك ليتلذذ على مهل بلحس أم الخمسة.

لكن يبدو أنّ الجحش قد استطاب له الآيس كريم في هذا الجو الحار، فانجلق وراح يحاول أن يشاركه في التهام الثانية. هنا عَصّب الجحاش وقال لجحشه المجلوق: «يا عرص يا ابن العرص طعميتك أم الخمسطعش ولسّا لاحئني على أم الخمسة». هذا الفيلم أرويه كما حدث أمام عيني التي سيأكلها الدود، فلم أَشْتَهِ أن يراه أحد غير غابرييل غارسيا ماركيز.

 

سرّ دمعة الجحش

لله درّ الإنسان، راح يتزاحم ويتداحم على تمجيد الحصان وأشباهه من البشر، مع أنّه لم ينفع في يوم من الأيام إلا للحروب والاقتتالات والبَرْوَظَة والفخفخة والمنفخة، في حين راح هذا الإنسان يهزأ بالجحش ويتهمه بالغباء ويشتم به المرء الطيب البسيط الحكيم العامل الصبور المتواضع. مع العلم أنّه، أي الجحش، الوحيد الذي أسهم في بناء صروح حضارته يداً بيد وطوبة طوبة وشق له الطرق في المناطق الوعرة وحمل له أثقاله ونقلها وساعده على تأمين رزقه. ودليلنا على ذلك الجِحاش التي عملت في ترميمات قلعة حلب والتي لا يمكن لأي آلية أن تنوب عنها، إضافة إلى جحاش الحمّالين والحجّارين والبائعين الجوالين التي ظلت تعمل إلى وقت غير بعيد.

لعل كل ذلك يفسّر دمعة الجحش الخالدة في عينيه وهدوءه وشروده وصفناته الطويلة وتأملاته في هؤلاء البشر الجاحدين الأكّالين النكّارين المنّانين المدّعين الظالمين المتقاتلين، الذين يرى كل واحد منهم أنّه أفهم إنسان على هذه الأرض.

لكن والحق يقال، هناك قلّة من البشر في عدد من دول العالم انتبهوا إلى دور وأهمية وعظمة ونبل وبساطة وعفّة وتواضع هذا الكائن، فشكّل بعضهم الجمعيات والأحزاب وألّفوا الكتب في محاولات إنصافه وتمجيده واتخاذه مثلاً يُحتذى به، من مثل جمعية الحمير المصرية، المعروفة بأنّها ضمت نخبة من كبار مثقفي وفناني مصر، كزكي طليمات وطه حسين وعباس العقاد ونجيب محفوظ وناديا لطفي.

أما مسابقة جمال الجحاش التي أقيمت في لبنان عام 2006 فقد كتبت عنها خبراً كان على الصيغة الآتية: نظّمت إحدى بلدات لبنان مسابقة لجمال الجحاش، ففاز ملك الجمال بكميات وافرة من العلف وإكسسوارات تجميل الجحاش، كما فاز هذا الجحش بفنانة ركبت عليه، وغنت من على ظهره، بحضور أحد سياسيي البلدة الذي أصرّ على الظهور في صورة تخلّده مع الجحش والمطربة، وأيضاً بحضور جمهور غفير ضم الكثير من الوجهاء والأعيان والتهاب الأيادي بالتصفيق، فلم يعرف أحد لمن كل هذا التصفيق: أللسياسي؟ أم للفنانة المطربة؟ أم للجحش الفائز؟ كما لم ينتبه أي من المنظمين والحضور إلى دمعة الجحش التي ظلت تنسكب من عينيه الواسعتين والكحيلتين في هذا الحفل البهيج، وتدعو إلى التساؤل: أهي دموع الفرح أم الحزن من هذا الإنسان وعليه وعلى هذه البلاد؟

 

الجحش الجميل

عندي مشكلة قديمة ومستعصية، ولم أستطع أن أبلغ حلاً لها، فأنا منذ طفولتي أحب وأقدّر الجحش جداً جداً، إلى درجة أنني جعلته مَثَلي الأعلى، ولا أشعر بأي غضاضة من وصفي بالجحش الوحيد في الكرة الأرضية، ولا أرى من الإنصاف أن أستخدم اسمه أو اسم الكلب للشتم والذم، ولكن لا أجدني إلا منزلقاً مع الجميع ومستخدماً اسميهما في شتم شخص ما.

فقد رأيت صورة على فيسبوك لأحد مدراء المؤسسات في شرقنا العظيم وفي مكتبه الفخم جداً، وللأمانة فقد حباه الله بجمال أخّاذ يمكن أن يجعل أخته تعشقه، كما يقولون، وقد كان يرتدي طقماً وكرافيته في غاية الأناقة والحداثة، فيما المتفاعلون المطيّبون له والشاكرون إطلالته المُنَوِّرة والبهية كثر، ولكنني مع ذلك لم أستطع قبل أن أطنّشه إلا أن أصفه بـ «الجحش الجميل»، فأنا أعرف عقليته المعفّنة التي يقود بها مؤسسته، وهي الصفة التي اعتدتُ إطلاقها على الكثيرين من أمثاله الذين اعترضوا طريق حياتي وعَكْنَنوها.

ثم تساءلت: أليس في شتمي له بالجحش ظلم للجحش؟ ولم أجد مانعاً من وصفه بالجرذ الجميل، لكن لساني ليس معتاداً على الشتم بالجرذ الذي أقرف منه وأكرهه جداً جداً. وهكذا، ضعتُ وحرت بين إنصاف الجحش وبين استخدامه بمثابة شتيمة، فما العمل؟

بسام لولو

كاتب سوري.

×