24 نيسان 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

العجوز والبحر، حين تماهى همنغواي وبطله

نصر عبد الرحمن

2 نيسان 2024

يتشابه الكاتب والشخصية في شكل المُعاناة وحجمها (Levan Amashukeli©)

حين تطالع الصفحات الأولى لرواية The Old Man and the Sea [العجوز والبحر] (1952)، لكاتبها الكبير الأميركي إرنست همنغواي (1899-1961)، ستكون قد وقعت فعلاً في أسر مزيج رهيب من البساطة والعُمق.

حبكة بسيطة، تتمحور حول سانتياغو؛ صيّاد عجوز لم يظفر بسمكة واحدة منذ أربعة وثمانين يوماً. وكان الحال قد انتهى به يُبحر وحيداً بعد مرور أربعين يوماً من الإخفاقات، إذ غادره معاونه الفتى مانولين نزولاً عند قرار أسرته البحث عن صياد آخر يكون أوفر حظاً.

راحت الوحدة تُضاعِف الأعباءَ الملقاة على سانتياغو، وتُقلِّص فرصه في الصيد، وتحرمه الحديث إلى شخص آخر في رحلات خاسرة ستطول في البحر قبالة سواحل هافانا. وكلما واجهه الإخفاق، انتشرت الأقاويل في القرية حول سوء الحظ المريب اللاحق به، وتصاعدت المخاوف من انتقال عدوى النحس إلى بقية الصيادين.

 

الأحداث

في مواجهة هذه الضغوط الهائلة والروح العدائية، يرفض سانتياغو الاستسلام، ويستمر في استعداده من أجل مواجهة البحر في رحلة صيد من شأنها أن تزيل عنه وصمة نحس ألصقها به رفاق المهنة، وتكون كفيلة بأن تُثبت له ولمانولين أنّ الصيد ما زال في متناوله.

هكذا، راح يوغل في البحر أبعد من المرّات السابقة، في مُخاطرة غير مأمونة العواقب، فعساه ينال مُبتغاه ويعيد مجده الغابر. وحين سينجح أخيراً في اصطياد سمكة مارلين ضخمة وقوية فعلاً، سيبذل غاية وسعه من أجل السيطرة عليها. غير أنّها تسحبه والقارب بعيداً عن الشاطئ مع تيار الخليج الدافئ في المحيط الأطلسي، ولا تتوقف سوى بعد ثلاثة أيام.

يُصاب الصياد العجوز بإرهاق شديد، وتُجرح يده لشدّة التشبّث بالحبل. يتحمّل الآلام الجسمانية ويرفض التخلي عن صيده الثمين، لأنّه بالنسبة إليه أكثر من مجرّد سمكة كبيرة. يقضي الأيام الثلاثة وحيداً في عرض البحر في مناورات مع سمكة جارِفة ترفض هي أيضاً الاستسلام، حتى نجح في سحبها نحو قاربه واستجمع قواه من أجل طعنة رمح قاتلة.

بعد هذا الصراع، بلغ قناعةً بأنّ هذه السمكة الشجاعة القوية الجميلة يجب ألا تموت وألا يأكل إنسان لحمها. شرع يُعامِلها مثلما يُعامَل خصم شريف، ويتحدث إليها لكي يدفع عن نفسه شعور الوحدة الشرسة على بُعد مسافة طويلة من الشاطئ.

 

اكتشف سانتياغو أنّها أكبر سمكة مارلين يراها في حياته، وقدّر أنّه سيجني مبلغاً كبيراً في مقابل لحمها. لكن بعدما ربطها إلى مركبه، وأبحر عائداً بمهارة تنمّ عن خبرة ذات شأن عظيم في المِلاحة، لم تدم فرحته طويلاً وحطّ عليه طائر النحس في لحظة مجده، حين اجتذبت دماء السمكة عدداً من أسراب القرش التي بدأت تنهش لحمها.

رغم الإرهاق الشديد، قاتل سانتياغو بشراسة دفاعاً عن سمكته العزيزة في ظل هجمات راحت تتوالى لأسماك القرش. فكلما طردها بعيداً، عادت من جديد. ومع كل رطل تنهشه من سمكة المارلين، تتقلّص أرباح سانتياغو ويتزعزع إحساسه بالفخر. لكن في جنح الظلام، التهمت القرش السمكة كاملةً، ولم تترك منها سوى الرأس وهيكل عظمي.

بلغ سانتياغو الشاطئ، وقد داخله شعور بأنّه هُزم. واجه المحيط المفتوح، وتجاوز حدوداً لم يتجاوزها صيّاد، وتماسك أمام عنفوان سمكة لم يصطد أحد مثلَها، وصمد في مواجهة هجمات القرش طويلاً. فعل ذلك كله بمفرده وبجسده الهزيل. لم يستسلم، لكنّه خسر في النهاية مواجهتَه مع القدر.

هل هذه هي رسالة همنغواي التي تنطوي عليها هذه الرواية؟ هل يريد أن يخبرنا بأنّ الإنسان ضعيف ومحدود في مواجهة الطبيعة؟ أليس هناك سبيل للنجاة من مخالب الدُنيا وضربات القدر، مهما تماسكنا وقاتلنا بشجاعة؟

 

مُستويات الصراع

للوهلة الأولى، يبدو الصراع في هذه الرواية القصيرة التي ستغدو من كلاسيكيات الأدب الروائي (Novella)، كأنّه يدور بين الإنسان وبين قوى الطبيعة العاتية: سانتياغو العجوز يواجه البحر وأسماك القرش. لكن تلك المواجهة هي نتيجة صراع من نوع آخر، صراع تحتي، ومكتوم، وضاغط. فما كان سانتياغو ليواجه الطبيعة لولا الضغط الاجتماعي.

المجتمع البشري أشرس من قوى الطبيعة، ولا يمكن النجاة منه بسهولة. الصراع على الموارد وعلى التراتُبية يدفع البشر إلى التناطح مثل الكِباش. لقد نهش سكان القرية لحم الرجل العجوز مثلما نهشت القرش سمكة المارلين.

وصف همنغواي القرش كما لو أنّه يصف مجموعة من البشر، وخلع عليها صفات بشرية. أسماك القرش جشعة مثل البشر، ولا ترحم مثلهم. أسنانها الحادة ليست أكثر رُعباً من ألسنة البشر حين يحاصرونك بالاتهامات والشكوك.

في مواجهة قوى الطبيعة، كان صيادنا العجوز يواجه رفاق صباه وزملاء مهنته وجيرانه. وفي المحاولات المُستميتة من أجل العودة بالسمكة، كان يحاول الإفلات من الرأي العام الذي تشكل ضده ولا بد أن يؤدي إلى طرده أو قتله من أجل إبعاد اللعنة عن القرية، أو يجعله يشعر بالدونية على الأقل.

أيضاً ثمة صراع آخر أعمق من صراع سانتياغو مع الطبيعة ومع سكان قريته، إنّه صراعه مع ذاته. يريد الصياد العجوز أن يثبت لنفسه أنّه قوي، وأنّه قادر على الانتصار، وصنعِ ملحمة، واستعادة أمجاد الشباب، وإحياء مجد عرفه في أفريقيا شاباً.

غير أنّ مأزقه هو تجسيد حيّ لمأزق همنغواي، إذ عاش الأخير صراعاً شبيهاً مع المجتمعين الأدبي والصحافي في أميركا، ولكن أيضاً مع ذاته في سعيه إلى استعادة لحظات ذهبية عرفها حين كانت أعماله الأدبية تُستقبل بحفاوة بالغة.

غالباً، لم تكن تلك الحملة النقدية ضده نتيجة اختلافات فنيّة أو أدبية، إذ انصبّت على شخص الكاتب الذي كان «ذكورياً أكثر مما ينبغي» ويتجاهل المرأة في أعماله أو يحطّ من شأنها. أيضاً ساد انطباع في أميركا وخارجها بأنّ إرنست همنغواي نال تقديراً أدبياً أكثر مما يستحق في سياق تكريم دوره أثناء الحربين العالميتين والحرب الأهلية الإسبانية، خاصة أنّه كتب عن تلك المحطات التاريخية الأبرز في القرن العشرين «لتمجيد المُعسكر الغربي».

رأى البعض أنّ ما حظي به كاتبنا من تقدير كان نتيجة انحيازه إلى المعسكر الغربي، والترويج لأجندته السياسية ثقافياً في أعماله الروائية. في حين اعتبر آخرون أنّه يتودّد إلى اليسار وتربطه علاقات وثيقة بالزعيم الكوبي فيدل كاسترو.

كان همنغواي بنفسه مادة للصراع والتنافس في زمن التحالفات والحرب الباردة. وقد تعرّض لهجمات مثقفين يمينيين تارة وتقدميين تارة أخرى، وحاول كل فريق النبش في أعماله وتأويلها على نحو يدعم نظريته.

 

كأنّها سيرة ذاتية

ما يثير الدهشة أنّه حين أقدم إرنست همنغواي على كتابة العجوز والبحر، كان مدفوعاً بانتقادات تزعم انتهاءه كاتباً، وعجزه عن إنتاج عمل أدبي رفيع المستوى. وقد رفض كاتبنا هذه المزاعم مثلما رفض سانتياغو مزاعم عجزه عن الصيد، وسافر إلى كوبا بحثاً عن تجربة مُلهمة تفجّر طاقاته الأدبية. وفي قرية للصيادين بالقرب من مدينة هافانا، عثر على ضالته أثناء ممارسته هواية صيد الأسماك.

يقول همنغواي في عدد نيسان/أبريل 1936 لمجلة Esquire، إنّه سمع هناك عن صياد خرج وحيداً إلى البحر ونجح في اصطياد أكبر سمكة مارلين على الإطلاق، غير أنّ القروش هاجمتها ملتهمة لحمها، فلم يبلغ الشاطئ إلا وقد استحالت غنيمته مجرّد هيكل عظمي ضخم. من هذه القصة سيصنع همنغواي ملحمة كبيرة ينال عنها جائزة Pulitzer عام 1953، وتكون أبرز دوافع منحه جائزة نوبل للآداب عام 1954.

رأت اللجنة أنّه يستحق جائزة نوبل «لأستاذيته في فن الرواية الحديثة، وقوة أسلوبه، كما يتجلى بوضوح في روايته العجوز والبحر».

كانت أحدث رواياته، وغدت آخرها. لكن لا بد أن نعيد قراءتها باعتبارها سيرة ذاتية رمزية للكاتب نفسه، وأن نبحث عن نقاط تشابه بينه وبين الصياد العجوز، إذ صنع همنغواي موازاة كبيرة بين حياته وبين تجربة سانتياغو القصيرة المؤلمة.

فتوقُّفه عن الإنتاج روائياً باستثناء قصص قصيرة، منذ إصداره For Whom the Bell Tolls [لمن تقرع الأجراس] عام 1940، وانتقادات الصحافيين العنيفة بحقه، وإصراره على كتابة روايته الأخيرة، هي نقاط يقابلها إخفاق سانتياغو في الصيد، والشائعات المثارة حوله، وإصراره على التوغل بعيداً من الشاطئ بحثاً عن رزق.

أيضاً قد يمكِننا المُقابلة بين الرواية نفسها وبين سمكة المارلين الضخمة التي حصل عليها سانتياغو بعد جُهد ومُجاهدة. فالكاتب والشخصية يتشابهان في شكل المُعاناة وحجمها، ولهما هدف واحد هو استعادة الثقة في الذات عبر تحقيق إنجاز مهني كبير. وهما يستميتان في المحاولة اعتماداً على ما يمتلكان من خبرات كبيرة وإصرار على سحق الحظ السيئ.

كما أنّهما يشتركان في التمسك بقيم الرجولة والتحدي. نرى ذلك في تشبّث سانتياغو بالحبل رغم جرح يده البليغ، وكذلك في إصراره على قتال أسماك القرش التي تريد استلاب صيده الثمين. ربما يوحي همنغواي بأنّه تحدّى جميع النقّاد الأدبيين الذين هاجموه ونهشوا تاريخه كأنّهم أسماك قرش شرسة.

 

ضربة القدر الغادرة

في نهاية الرواية، يعتقد سانتياغو أنّه عاد إلى الشاطئ مهزوماً، لكن مانولين يؤكد له أنّه حقّق انتصاراً كبيراً وغنم أضخم سمكة مارلين اصطيدَت على الإطلاق. ربما أصيبَ الصياد بخسارة مادية فادحة خاصة لأنّه فكّر كثيراً في وزن السمكة وقيمتها مادياً، غير أنّ هذه الخسارة لا تنفي نجاحه المعنوي الكبير.

توحي النهاية بأنّ سانتياغو قد اكتفى من حياته المهنية بذلك الإنجاز المعنوي، بعدما حقّق هدفه واستعاد ثقته في نفسه وردّ على منتقديه. وهذا ما حدث لهمنغواي تقريباً، بعدما نشر الرواية وتوقّف عن الكتابة لمرّة ستكون الأخيرة.

أيضاً ربما هي من سخريات القدر أن تفرض الموازاة نفسها بين بطل الرواية ومؤلفها حتى بعد النشر. فيبدو أنّ الإنهاك الشديد الذي عاناه سانتياغو مع بلوغه الشاطئ ثم كوخه، تُقابِله حالة اكتئاب شديدة اجتاحت همنغواي بعد نجاح الرواية، تلك الحالة التي انتهت بانتحاره في الثاني من تموز/يوليو 1961.

 

تعكس أعمال همنغواي الأدبية تجاربه الحياتية بدرجة أو بأخرى. يدخل أبطاله في مواجهات مع قوى لا قِبل لهم بها، وتنتهي حيواتهم على نحو مأسوي، ويكون نصيبهم من المجد، أو بالأحرى من الحياة، لحظات قليلة لكنّها كثيفة وساطعة.

لحظات يشعرون فيها أنّهم يسيطرون على العالم وعلى مصائرهم، قبل أن تأتي ضربة القدر الغادرة. هذه هي الفكرة التي استحوذت على عقل كاتبنا وظهرت بشكل أو بآخر في أعماله، غير أنّها كانت أوضح ما يكون في العجوز والبحر حيث تتجلى خلاصة فكره وروحه وفلسفته في الحياة، بكثافة وبساطة باهرتين.

نصر عبد الرحمن

مترجم وروائي مصري.

×