24 نيسان 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

شتاءٌ في الصيف، فِلمٌ يستكشف الظلام ويحذّر من المستقبل

أحمد عمرو

6 آذار 2024

تحاولُ المخرجةُ الفرنسية إعادة تشكيل المجتمع وتكوّن لوحةً انطباعيةً عن بلادها اليوم

ماذا لو كان مجرّد الوحدة والفشل في إيجاد الرفقة دافعاً وحيداً لعملٍ إرهابيٍّ يبدأ تنفيذه من متحف L'Orangerie في باريس، وتحديداً من أمام جدارية زنابق الماء للرسّام كلود مُونيه!

 

يبدو فِلم Un hiver en été [شتاءٌ في الصيف] الصادر عام 2022 للمخرجةِ الفرنسية ليتيسيا ماسون، كأنّه يثير التساؤلات حول نهاية العالم. هكذا يبدو من عنوانه، ولكنّها ثيمة ستظهر لاحقاً كأنّها فخٌّ معدٌّ سلفاً للمشاهدين. فخٌّ يدفعهم إلى تحمّل ثقل الحوارات المأسوية بين الشخصيات، ويكشف في الوقت نفسه عن مستقبلٍ غامضٍ ومُظلمٍ للبشرية، حيث يسود القلق والخوف من تطوّراتٍ مجتمعيةٍ وسياسيةٍ وتكنولوجيةٍ سوف تأثّر بشكلٍ كبيرٍ في حياة الإنسان، وتجعل الأرض – وهي في هذا الفِلم فرنسا تحديداً – «مكاناً لا يُمكن العيشَ فيه»، بحسب التعريفِ المعجميِّ للديستوبيا.

تُظهر المخرجةُ خلال الفِلم رؤيتها التحذيرية المظلمة للمستقبل، في عالمٍ ستواجه فيه عشرُ شخصيات متنوّعة البردَ الشديد في منتصف الصيف. تنقل القصّةُ من لقاءاتٍ حدثت مصادفةً: كثافةَ مشاعر الوحدة وثِقلها؛ الأملَ عندما يعبّرُ فقط عن الرعب؛ الحبَّ أو بالحدِّ الأدنى الجنسَ عندما يكون وسيلةً وحيدةً للتصالح مع العُزلة؛ الخوفَ من ضياع الأحلام؛ الحاجةَ إلى الغناء والرسم في مواجهة الفوارق الطبقية والاجتماعية؛ محاولاتِ اللاجئين المتعثرة لبداياتٍ جديدةٍ في مجتمعٍ يعتبرُ مجرّد استخدامهم لُغتَهم الأم اتّهاماً مسبقاً ضدهم.

تحاولُ المخرجةُ ماسون إعادة تشكيل المجتمع، وتكوين لوحة انطباعية عن فرنسا اليوم، بعد مرور ثلاث سنوات على جائِحة كوفيد-19، وما تسبّبت به من عزلةٍ فُرضت على البشر ومخاوف الأوروبيين الكابوسيّة من فكرةِ نهاية العالم. تجمع المخرجة الكوميديا ​​الرومانسية مع التأمّل في البؤس البشريِّ من أجل أن تعكسَ مشاهدُ الفِلم أوجاعَ البشر وآمالهم في ظلّ التحديات على تنوّعِها من سياسيةٍ واقتصاديةٍ وبيئيةٍ. ويجري ذلك في رحلةٍ عاطفيةٍ وعقليةٍ تحذّرُ من التجاوزات التي قد تواجه المجتمعات في مستقبلٍ لا يزال غامضاً ومبهماً، لِما قد يحدث إذا تجاوزت هذه المجتمعات الخطَّ الأحمر الأخلاقيَّ الذي لا تقفُ بعيداً منه.

لحظاتٌ تبدو كأنّها نُذرٌ من نهاية العالم تعرضها مشاهدُ الفِلم. لا نجمٌ هنا يصطدم بالأرض ولا فيروسٌ يتسرّبُ من مختبرٍ أو روبوت يخرج على إرادة صانعه. إنّما هو البردُ عندما يشعرُ به البشرُ، مجرّد البرد الذي نعرفه واختبرناه حين لا يقوى الناس معه على الحركة. لوحةٌ إنسانيةٌ في ظلِّ التغيُّر المتسارع لعالم البشر، مناخياً واجتماعياً وسياسياً.

 

فجأةً في منتصف الصيف تجتاح موجةٌ من البرد القطبيِّ قارّة أوروبا، الأمر الذي يتسبّب في تجميد الاقتصاد وتوقّف العمل. تنخفضُ حركةُ المواصلات في الشوارع حتى تكاد تختفي، فيما يلوذُ الناس ببيوتهم كأنّ وباءً انتشر في المدينة. في هذه الظروف المربكة تَحشِرُ المخرجةُ شخصياتها في جهات فرنسا الأربع، إضافة إلى مدينة باريس. تتنوّعُ هذه الشخصيات وتتنوّع مواقفها وردود أفعالها، حيث إنّها تمثّل سلوكَ الإنسان الفرنسي العادي، أيّ شخصٍ قد تجده يمشي بالقرب منك في شوارع فرنسا.

يظهرُ فرانك، المهندس الثريّ الذي يخطّط للرحيل إلى الولايات المتحدة باحثاً عن رحلةٍ خيالية إلى الفضاء. وهناك امرأةٌ تخلّت عن كلِّ شيءٍ من أجل رجل يرفضها، وأخرى شرطية كاثوليكية ولكنّها تتجاهل الإثمَ الذي تلوّحُ به الكنيسةُ حين تسعى للحصول على شريك سريرٍ، لو لليلةٍ واحدةٍ. أيضاً رجلٌ في حدادٍ على كلب، وصحافيةٌ تشكّكُ في أيِّ خبرٍ، وعسكريٌّ سابقٌ بهويّةٍ جنسيّةٍ مضطربةٍ، وطبيبٌ في خدمة الإسعافِ يقعُ في حبِّ امرأتين في الوقت ذاته، وشابٌ يعاني من مشاكلَ مالية ناتجة عن المخدرات. وأخيراً لاجئٌ دفن طفلاً في الطريق إلى مكان لجوئه الآمن، إلى الجهة الأخرى من الخطر.

الشخصيات وحيدةٌ في هذا العمل. تخوضُ لقاءات بحثاً عن مصدر أملٍ يبدّدُ الوحشة. ولكنَّ الأملَ هنا هو العنصر الذي يدلّ وجودُه الدائم في الحوارات على غيابِه تماماً في أحداث الفِلم المُحبَطة. ومع ذلك تحمل القصّة جوانب حنونةً وحزينةً، متداخلة المشاعر ومكثّفة كأنّ البشر يحاولون الشعور بأقصى ما يستطيعون وبكلِّ ما يستطيعون قبل النهاية الموشكة.

وعلى عادة الأجواء المظلمة التي تتّسم بها أفلام الديستوبيا، يحمل الفِلم في طيّاته تحذيرات تتيحُ للمشاهدين التأمّل في مساراتهم الحالية والتفكير بعمقٍ في القرارات التي يتّخذونها. فيشدّد بقسوةٍ وشراسةٍ على ضرورة توخّي الحذر والتفكير العميق في التحوّلات التي يمكن أن يشهدها مستقبلُنا.

يجري السردُ في شتاء في الصيف بأسلوب حبٍّ حقيقيٍّ، فالمشاعر فيه مضطربة، والرغبة جامحة، والأمل كبير... تتداخل الشخصيات بطريقةٍ غير منتظمةٍ يتمثّلُ فيها الفوضى والجمالُ جنباً إلى جنبٍ بطريقةٍ مذهلةٍ. ومع ذلك، يتعثّر الفِلم ببعض الأخطاء السينمائية منذ اللحظات الأولى، وتتبدّد جاذبيته أحياناً بفعل حبكات بطيئة غير مثيرة وحوارات فائضة عن حدود قدرة المشاهد على تحمّل الألم.

ورغم توجيه ماسون النظرَ نحو التأمّل في مُعاناة الأفراد الفردية داخل المجتمع، يظهرُ شتاءٌ في الصيف في بعض مَشاهده بمثابة مزيجٍ غير فعّالٍ من الكليشيهات، حيثُ تتكرّرُ الصور المألوفة حول الجمال البشريِّ والأحداث الرومنسية بطريقةٍ تخدمُ تطلّعات الفِلم الفكرية بشكل جيّد ولكن على حساب اللغة السينمائية.

 

زنابق الماء

كان غموضُ انتشار النور في لوحات الانطباعيين السببَ الأكثر تأثيراً – ربّما – في رواج الأعمال الفنية لهذه المدرسة. كذلك، كان السبب الأكثر استعصاءً على التفسير لما تحملُه هذه الأعمال من مسحة الحزن المرافقة لتأمّلها، على نحو مناقض لفلسفة القرن التاسع عشر المتفائلة بخصوص مستقبل الجنس البشري. فلا حروب عالمية بعدُ في تلك المرحلة، ولا تغيّرات مناخية قد تُنذرُ بنهاية العالم تلوح في الأفق.

في تجربة نهاية العالم المُعلَنة بشكلٍ ملموسٍ في الفِلم، ينتهي الأمر بجميع شخصيات ليتيسيا ماسون الرومانسية بالابتعاد عن السياسة والالتزام بالمشاعر الأوّلية للبشر. يختار الجميع العودةَ إلى ما يمكن أنْ يشبه الحبَّ، أو على الأقلِّ الدفءَ الإنساني. ولكنْ أيضاً يختارون الهرب إلى الرسم والموسيقا بحثاً عن ملاذٍ تجدُه شخصيات الفِلم الباريسية في متحف L'Orangerie أمام جداريات مونيه.

لقد ابتكرت ليتيسيا ماسون فِلماً كورالياً يتناغم مع المخاوف والآمال المعاصرة، التي أثارتها على وجه الخصوص هذه الجوقةُ من الحكايات المفتّتة بحثاً عن معنى ما للوجود البشري. حكايات تبحث أيضاً عن أجوبة مطلوبة بشدّة لأسئلةٍ ميتافيزيقيةٍ حول محدودية الإنسانية، ومن دون الحصول عليها سيبقى وجودُنا على هذه الأرضِ مهتزاً، ومهتزاً بشدّة.

إنّ جمالية غموض انتشار النور في أعمال الانطباعيين، هو تماماً المعادل المساوي في الرعب لغموض انتشار العتمة، وهذا ما حاول الفِلم أنْ يحكيه من خلال التكريم المتكرّر الموجّه إلى زنابقِ الماء لمونيه، تلك اللوحات التي احتلَّت مكانةً رمزيّةً في القصّة وفي رحلة الشخصيات بحثاً عن المعنى.

أحمد عمرو

كاتب فلسطيني سوري مقيم في فرنسا.

×