24 نيسان 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

الحوار المسيحي الإسلامي في نصٍّ لراتزينغر

وسام اللحّام

14 شباط 2024

يتناول النص مفهوم «أهل الكتاب» وعدم صحة إطلاقه على المسيحية الكاثوليكية بصورة خاصة (Alessia Giuliani)

أكمل البابا بنديكتوس السادس عشر، جوزيف راتزينغر كتابة هذا النص في الأول من آذار/مارس 2018 ونُشِر في كتاب ضمّ جميع ما أنتجه بعد تنحيه عن سدّة البابوية سنة 2013، مع العلم أنّه كان قد اشترط عدم إصدار الكتاب إلا بعد رحيله (كانون الأول/ديسمبر 2022) نظراً إلى الجدل الحاد الذي راح يرافق دائماً المواقف الصادرة عنه.

كُتِبت هذه النصوص باللغة الألمانية، ثم في آذار/مارس 2023 صدرت ترجمتها الفرنسية[1] التي نأخذ عنها. وهي نصوص تعالج مجموعة متنوّعة من المواضيع: يتعلّق بعضها بمناسبات واحتفالات خاصة شارك فيها البابا بنديكتوس الذي نادراً ما كان يخرج على اعتكافه، فيما يرتبط بعضها الآخر بمواضيع فكرية حول الإشكاليات التي تطرحها الحداثة والتحديات التي يواجهها الدين في عالمنا المعاصر.

يتناول النص المقتضب الذي ننقله إلى العربية، مفهوم «أهل الكتاب» وعدم صحة إطلاقه على المسيحية بصورة عامة، وعلى المسيحية الكاثوليكية بصورة خاصة.

 

 

لا أنفك ألاحظ أنّ الحوارات الإسلامية المسيحية لا تتسم من جهة المضمون بانعدام المعرفة الكافية بالنصوص المقدّسة للمسيحية والإسلام فحسب، وإنّما هي تنطلق أيضاً من أسس مغلوطة بنيوياً. فمن جهة يقال إنّ القرآن والكتاب المقدّس المسيحي يتكلمان عن رحمة الله ما يعني أنّ واجب المحبة حاضر أيضاً، ومن جهة أخرى يقال إنّ العنف موجود أيضاً في النصّين. وهكذا، يتم التأكيد من خلال تبنّي مقاربة تنظر إلى الدينين ومصادرهما من فوق، أنّ الجيّد والسيّء يوجدان في الدينين على حد سواء. فيغدو من الضروري تفسير النصوص انطلاقاً من هرمنوطيقة المحبة من أجل التصدي لاحقاً للعنف الكامن في هذا الدين وذاك. تؤدي هذه المقاربة إلى إغفال الاختلافات البنيوية الأساسية بين الدينين، والتي تظهر على أكثر من صعيد.

إنّ القرآن كتاب واحد تطوّر في ظروف مختلفة خلال حياة محمد. لكنّ هذا الكتاب لا يُعتبَر عمل إنسان بل هو وحي مباشر من الله، ما يعني أنّه يدّعي بكليته سلطة الله. ثلاثة عناصر أساسية تميّز بنيوياً الكتاب المقدّس المسيحي عن القرآن:

ليس النص المقدّس للمسيحيين كتاباً، وإنّما مجموعة من الكتب المختلفة ذات الأهداف اللاهوتية المختلفة. وهي مجموعة تكوّنت عبر تاريخ يمتد ما يقارب ألف عام. وفقاً لإيمان اليهود والمسيحيين لم يُملِ الله هذه الكتب مباشرة، ولكنّها رغم ذلك منه وإنْ بطرق مختلفة كونها تُعدّ تفسيراً للسبيل الذي سلكته جماعة شعب الله تحت قيادته. إنّها كلام الله لكن عبر وسيط هو كلام البشر. لذلك تختلف حجّية هذه الكتب ولا يمكن تفسير كل كتاب منها إلا في حال نظرنا إلى مجموعها.

في هذه النصوص المتنوّعة والتي تمتد على ألفية من السنين، يوجد بالنسبة إلى المسيحيين تقسيم نوعي إضافي (qualitative) بين العهد القديم والعهد الجديد. العهد الجديد هو مجموعة من الكتب المختلفة التي لا يمكن فهمها إلا بصفتها مجموعة، وانطلاقاً من هذه المجموعة نفسها. بالنسبة إلى اليهود، العهد القديم فقط يُعدّ الكتاب المقدّس. المسيحيون على العكس يعتبرون أنّه لا يمكن تكوين فهم صحيح للعهد القديم إلا انطلاقاً من التفسير الجديد الذي نجده في كلام يسوع المسيح وأعماله. فالعهد الجديد هو الشاهد المقبول على هذا التفسير الجديد. يرتبط العهدان إلى درجة يغدو فيها العهد الجديد مفتاح تفسير العهد القديم. فمن منظور مسيحي فقط يمكن انطلاقاً من العهد الجديد تحديد المعنى اللاهوتي الدائم للعهد القديم.

جرّاء ما تقدّم، لا يمكن الكلام عن وحي لفظي للكتاب المقدّس. فمعنى وحجّية كل جزء من أجزاء الكتاب المقدّس لا يمكن إدراكهما بشكل صحيح إلا في مجموعهما وانطلاقاً من الحدث النوراني الذي هو المسيح.

كل ذلك يعني أنّ الإيمان المسيحي ليس ديانة تدخل في عداد أهل الكتاب. لا يعبِّر النص المقدّس عن نفسه إلا من ضمن الجماعة الحيّة للكنيسة. يوجد هنا تبادل مزدوج: علاقة خضوع وعلاقة فوقية. فمن جهة الكنيسة خاضعة بشكل واضح إلى كلمة الله ويجب عليها أن تسير على هديه وتقبل بحكمه، ومن جهة أخرى النص المقدّس بمجموعه هو في المقابل غير قابل للتفسير الصحيح إلا من ضمن الكنيسة الحيّة.

هذا الموقف الذي تبنّته الكنيسة كلّها حتى القرن السادس عشر رُفِض من قبل حركة الإصلاح البروتستانتي التي تبنّت مبدأ «النص المقدّس وحده» (Sola Scriptura)[2]. وهكذا باتت المسيحية تظهر كأنّها ديانة كتاب. لكن عملياً، ونظراً إلى الطبيعة الفريدة للكتاب المقدّس المسيحي، التي أشرت إليها سابقاً مع التمييز بين العهدين القديم والجديد، وبسبب أيضاً طابعه النسبي الناجم عن العلاقة التكاملية بين مختلف نصوصه التي لا يمكن فهمها ونسبتها إلى مصدر إلهي إلا انطلاقاً من مجموعها، لا يمكن تطبيق مبدأ النص بشكل جامد بالكامل. وقد عبّر عن هذا الأمر بول فون هارناك بهذه العبارات: «إنّ صلاحية العهد القديم هي فقط نسبية مقارنة بالعهد الجديد (...) فبخصوص الكتاب المقدّس إنّ تقديس النصّ الحرفي إلى درجة المغالاة غير ممكن إطلاقاً (...) فالركون الحرفي إلى الكتاب المقدّس (biblicisme) تمّ الحدّ منه لحسن الحظ من خلال وجود سلطة التعليم الرسولي الذي ينظّم النصوص المقدسة ويحدّد نطاق حجّيتها». فبطلب من إريك بترسون الذي أراد الحصول على إيضاحات حول هذا الموضوع، اعتبر هارناك أن المبدأ الشكلاني[3] للبروتستانتية الأولى هو استحالة نقدية. فبغض النظر عن كيفية حكمنا على موقف هذا اللاهوتي البروتستانتي الكبير، يغدو من البيّن أنّه حتى في الفهم البروتستانتي، لا تستقيم القراءة الحرفية للنص المقدّس.

إنّ الذين يأخذون بعين الاعتبار هذه الاختلافات البنيوية سيحاذرون إقامة مقارانات متسرّعة (بين المسيحية والإسلام).

 

[1] Benoit XVI, Ce qu’est le christianisme, un testament spirituel, éditions du Rocher Artège, 2023, pp. 57-60

[2]  من المبادئ الأساسية للعقيدة البروتستنانية رفض وجود سلطة تعليمية للكنيسة بحيث لا يمكن فهم الكتاب المقدّس إلا انطلاقاً من التفسير الذي تعطيه هذه الأخيرة. لذلك تعتبر الجماعات البروتستانتية أنّ النص المقدّس وحده يكفي ولا حاجة لسلطة تعليمية تخص الكنيسة وحدها (المترجم).

[3]  المبدأ الشكلي أو الشكلاني (principe formel)، وبغض النظر عن فهمه المختلف لدى الجماعات البروتستانتية، يعتبر أن إرادة الله تظهر في ضمير كل فرد عند تفسيره للكتاب المقدّس (المترجم).

وسام اللحّام

أستاذ يحاضر في القانون الدستوري والنظام السياسي اللبناني في معهد العلوم السياسية بجامعة القديس يوسف – بيروت، صدر له: المبسّط في الدستور اللبناني (2007)؛ ابن رشد ودعوته إلى الفلسفة (2011)؛ الخلافة: بحثٌ في مؤسسة الإمامة لدى السنّة (2013)؛ تاريخ النقد اللبناني (2017)؛ تصريف الأعمال: من الموجب الدستوري إلى الاعتباطية السياسية (2022)

×