13 تموز 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

بوهوميل هرابال، مهاجر اللانهاية الإنسانية وأبديتها

إسكندر حبش

7 شباط 2024

«من الأفضل في بعض الحقب أن تكون قصبة من أن تكون سنديانة» (Prague Radio)

«كلّ محاكم التفتيش في العالم، تحرق الكتب سدى:

إذ حين تكون لهذه الكتب سمة مشروعة،

فإننا نسمع ضحكتها الصامتة وسط النيران

لأن الكتاب الحقيقي يحيلنا دائماً إلى البعيد، يحيلنا خارج نفسه».

هرابال، عزلة صاخبة جداً

 

إنّها الحياة التي تُجبرنا في أغلب الأحيان على ألا نحقّق ما وَعدنا به ذات يوم. هي هذه الحياة ذاتها التي دفعت بوهوميل هرابال إلى أن لا يفي بوعده الأخير، أو لنقل بــ «وعده الكبير». لم تُمهله الحياة تأجيل موته إلى ما بعد، مثلما قال في شهر حزيران/يونيو من العام 1995. يومها، كان في زيارة إلى العاصمة الفرنسية باريس لمناسبة صدور الترجمة الفرنسية لروايته ملايين أرلكان (1981)، الجزء الأخير من ثلاثية كتب فيها سيرته الذاتية حول «الزمن الماضي الجميل»: زمن طفولته القروية في إحدى القرى الصغيرة من مقاطعة بوهيميا. قال في ذلك اليوم، أو بالأحرى وعد محدّثيه بالقول: «سأؤجل موتي إلى أبعد مدّة ممكنة»، ولكنّها مدّة لم تزد على السنة ونصف السنة. فسرعان ما زار الموت هذا الكاتب التشيكي الكبير، الشهير، وأكثر الروائيين التشيكيين ترجمةً إلى اللغات العالمية، (مع كونديرا وكافكا، وربما فاقهما)، والأكثر حضوراً وتأثيراً في مجتمعه.

رحل يوم 3 شباط/فبراير من عام 1997 على أثر «سقطة رهيبة» من شرفة الطابق الخامس من مستشفى بولوفكا حيث كان يتعالج منذ أسبوعين. والسبب؟ بالتأكيد لم يكن إيكاروس آخر، إذ لم يحلم يوماً بالطيران – بالأحرى لم يفارق مدينته، حيث أنّ صورته لا تنفصل عن صورتها بتاتاً – بل كان يُحاول إطعام الحمام الذي يطير في سماء براغ والذي كان يحطّ على شرفته.

صحيح أنّ بوهوميل هرابال – «بطل الهزل والهزء، ومحتسي البيرة الأوّل»، وفق كونديرا – حقّق بشكل ما نبوءته في أنّه سوف يسقط ذات يوم من شرفته، إلا أنّه لم ينتحر بحسب تحقيقات الشرطة يومها. للأقدار أحياناً نبرة غريبة. لربما كان التاريخ يعيد نفسه فعلاً: مرّة على شكل مأساة، وأخرى على شكل ملهاة. فبموته هذا تحوّل هرابال إلى «مقذوف» آخر شهدته سماء العاصمة التشيكية: يقول التاريخ التشيكي إنّ البروتستانت رموا في عام 1618 مستشاري الإمبراطور هاسبورغ من شرفات القصر، وكان الحادث في أصل حرب الثلاثين سنة. كذلك، مات يان مازاريك في عام 1948 «ميتة غامضة» إذ سقط من نافذة بيته، وذلك بعد سيطرة الشيوعيين على مقاليد السلطة والحكم.

صحيح أيضاً أنّ ليس من «قضية» وراء سقوط هرابال من النافذة، لكن من يستطيع أن يمنع نفسه عن التفكير بأسباب وأسباب؟ فمثلما يقول التشيكيون، من يعرف براغ، تلك المدينة السحرية، تلك المدينة العابقة بالأسرار، الحزينة، لا يستطيع إلا أن يبحث عن تهويمات ما وراء كل حادث.

 

الحب الباكر

ولد بوهوميل هرابال في برنو، يوم 28 آذار/مارس 1914. لكنّه كان يبدو غير مستعجل للدخول إلى عالم الأدب. بدأ الكتابة وهو في السابعة عشرة من عمره متأثّراً بالشاعر الإيطالي أونغاريتي، وبالسورياليين، وبرواية الكاتب التشيكي لاديسلاف كليما (1878-1928) عذابات الأمير شترننهوخ بصورة خاصة. لكن رغم هذا الحب الكتابي الباكر، لم يعرف عالم النشر إلا في مرحلة متأخرة، وبفضل صديقه الشاعر وفنان الكولاج جيري كولار الذي حمل إحدى مخطوطاته إلى دار نشر صدر الكتاب عنها. كان يومها في الخمسين من العمر.

حاز دكتوراه في الحقوق، لكنّه عرف المصير الذي بإمكان أي شخص أن يتكهن به، مصير أي كاتب عاش تحت أنظمة متعددة، ولا سيما تحت هيمنة الحكم الستاليني، قبل أن يعود ليقدّم اعتذاره في منتصف السبعينيات كي يستمر في النشر. رفض أن يلعب دور القديس والمنشق. فضّل أن يبقى في مدينته وأن يكتب، إذ كما كان يقول: علينا أن نكتب ما يجب كتابته من دون التفكير بأي شيء آخر. يمكن وصفه بأنّه كان رجل جميع المهن، ورجل جميع المصاعب اليومية، إذ مارس مهناً عدّة إلا مهنته الحقيقية التي كانت دراسته تخوّله القيام بها، أي أن يكون قاضياً. فعمل مساعداً لكاتب عدل، وعامل منجم، ومساعد قائد محطة، وعامل معادن، وحزّام بضائع، وعامل أكسسوار في المسرح، وكومبارس، وغيرها العديد من المهن، حتى أنّه هو نفسه نسي ماذا صنع خلال هذه الحياة.

بدا أنّه كان عليه أن يعيش حيوات عدّة قبل أن يغدو روائياً، وأن يقرأ كل شيء، وأن يحفظ قصص عمّه Pepin، وأن يستوعب «علوم البيرة» في الحانات، وأن تصقله تجارب الأزمنة المختلفة وتجارب الأوساط الاجتماعية المتنوعة والأنظمة السياسية المتفرقة.

 

 

تعلّم هرابال أيضاً كيف يهدئ جراحات طفولته، بعدما عاش كطفل لقيط في أحضان «أمّ لا تُنسى، وهي أمّ ذات شعر متوهج، أمّ جميلة حقاً»... وهذه الأم ليست سوى شخصية ماريسكا، بطلة الشعر الضحية. لقد روى الكاتب مرات عدّة كيف أنّ والدته أعلنت ذات صباح لوالديها أنّها كانت حاملاً، وكيف أنّ صديقها لم يعد يرغب في الزواج منها، فما كان من والدها، جدّه، إلا أن جرّها في باحة الدار وأخرج بندقيته صارخاً باللغة المورافية أنّه سيقتلها. حينذاك، تخرج الجدّة إلى الباحة صائحة به: «إلى الطاولة، سيبرد الحساء»، ويختم هرابال حديثه بالقول: «ذهبوا كلّهم لتناول الطعام، فجئتُ أنا إلى هذا العالم... لكن هذا الخوف الذي شعرت به من خلال بطن أمي، بقي في داخلي».

هكذا يقول في كتابه خوف شامل الذي جاء بمثابة كتاب اعترافات. وثمة اعتراف آخر يعود إلى العام 1990، ويدور حول الخوف الذي أشاعه النظام القديم في نفوس مواطنيه. ولكنّه كان مثل «فضيحة» اجتاحت براغ، إذ كشف أنّه لم يتجرأ إبّان النشوة العارمة التي عرفتها البلاد بعد ثورة الحرير (1989)، على الغناء مع الآخرين لانتصارات الثورة، بل قال إنّه بقي في الحانة يحتسي البيرة، كأنّه يعيد حساباته. وهذه الحسابات حاضرة في كتابه رسائل إلى دوبينكا، المكتوب في الأساس على شكل رسائل إلى فتاة أميركية التقى بها خلال زيارة إلى الولايات المتحدة بعد الثورة تلبية لدعوة إلى إلقاء بعض المحاضرات بعد ترجمة كتبه إلى الإنكليزية. يقوم برسائله هذه بجردة حساب لحياته بأسرها، فيقول: «ازداد اقتناعي باختياراتي الأولى، أي عدم مغادرة براغ، لأنّ هذا المنفى، لا يستحق ذلك العناء، بل إنّه دمّر بعض الكتّاب، وإن كان بعضهم يكتب أشياء جميلة، كمثل كونديرا مثلاً». كذلك يتحدث عن خوفه «الذي جعل منه روائياً» وعن العلاقة بين الخوف والكتابة، فيعترف في مكان آخر في أحد أحاديثه الصحافية، بالقول: «إنّها وزارة الداخلية التي جعلتني أستمر في خوفي، جعلتني أستفيد من خوفي، لكنّها جعلتني أيضاً أستمر في الكتابة. في نهاية الأمر، إنّ الكتابة، وكذلك آلتي الكاتبة، هما السلاح الوحيد الذي أملكه لمواجهة الخوف».

 

حانات وإشراقات شعرية

يشكّل الأدب بالنسبة إلى بوهوميل هرابال نوعاً من «الكحول القاسية». فالكاتب التشيكي الكبير، صاحب سلسلة كبيرة من الأعمال الهائلة، أمضى طفولته في «مشرب البيرة» الذي كان يملكه زوج أمه. هناك اكتشف كلّ هذه «الشعوب»: عمّال المناجم وسكك الحديد، الملاحون، العمال المياومون، لكن أيضاً كان هناك التجار والوكلاء والمندوبون. كان الجميع يتكلمون اللغة المحكية بصفتها لغة تخاطب أولى، لتعلق في ذهن الطفل الذي كان عليه عبارات وتعابير ومفردات شكّلت له لاحقاً قاموساً لغوياً فريداً. ووسط هذا الدخان الكثيف المنبعث من السجائر، ووسط كؤوس البيرة التي يرتطم بعضها ببعض عند كل نخب، جاءت دراسته الجامعية. فتشكّل نثر الكاتب ليبدو كأنّه تَخمّر داخل براميل البيرة المتكاثرة في المحل.

«إنّ لذلك نُسغاً ما، إنّه مليء بالحياة»، مثلما تقول إحدى شخصياته في بداية كتابه موشحات دموية وأساطير. نصوصه ذات الصناعة الواقعية مليئة، بالأحرى محشوّة بالمصادفات وبالثيمات الثانوية وبالإشراقات الشعرية، من خلال مسحة وجودية ترتجف عند كل ثنية من ثنايا الكتاب. صحيح أنّ الوصف والتوصيف من الأمور القليلة في كتابته، إلا أنّه يعوّض عن ذلك من خلال الحوارات التي تجيء أشبه بمناجاة النفس عبر أفواه «شخصياته» التي لا تتوقف عن الكلام ولا تندم على ثرثرتها المستمرة.

تمرّ لغة البارات العامية، المشغولة، كي تعطي عصيرها كله من خلال الكتابة. يرفع هرابال هذه الشخصيات إلى أعلى كي تصل، عبر تركيز عملية السرد القصوى، إلى جوهر موقعها المحسوس. إنّه لا يسقط مطلقاً في الرواية الاجتماعية. نبرة المعاينة النثرية مليئة بالدفعات الوجدانية، تلك الرشقات الخاصة بالشاربين والسكّيرين. من هنا إذا شعرنا بقوّة الكاتب، فإنّ ذلك عائد، ومثلما يقول فاتسلاف هافل في بحث كتبه عن هرابال في شبابه، إلى أنّنا «لسنا أمام كاتب يقود حياة مليئة بحق ليجعل منها مادة الكتابة، وإنّما على العكس من ذلك، أمام شخص يكتب لأنّه يحيا».

نشر الروائي التشيكي كتابه الأوّل بعنوان لآلئ الأعماق الصغيرة في عام 1963. وتبعه كتاب قطارات تحت الحراسة المشددة في عام 1965 (ترجمه إلى العربية بسام حجار، وصدر عن دار الفارابي في بيروت عام 1990). وقد عرف هذا الكتاب الأخير شهرة واسعة، وما ساعد على انتشاره الفِلم الذي أخرجه جيري منتزل عن الرواية وحاز جائزة أوسكار لأفضل فيلم أجنبي في عام 1968. وهناك فِلم آخر قام بإخراجه منتزل وكتب السيناريو له هرابال بعنوان قُبّرات على سلك (1969)، لكن مُنع عرضه لمدة عشرين سنة قبل أن يحوز جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي في عام 1990.

صحيح أنّه بعد هذين الكتابين طبقت شهرة هرابال آفاق المجتمع التشيكوسلوفاكي، ولكن يجب ألا ننسى أنّ شهرته الفعلية بدأت في عام 1956 ولم يكن يومها قد نشر سوى بعض الأقاصيص الصغيرة في بعض النشرات. وقد أثارت هذه الأقاصيص انتباه الشاب العشريني فاتسلاف هافل (كاتب مسرحي وانتخب رئيسا لتشيكيا في ما بعد)، الذي نشر مقالة حول أدب هرابال في إحدى نشرات samizdat (النشرات السريّة)، ولكنّها لم تلفت يومها أنظار المثقفين فحسب حول كاتب يبني عالمه الخاص، وإنّما أيضاً أنظار الشرطة السريّة التي كانت تراقب هذه النشرات.

وإن كان هرابال لم يتعرّض للمضايقة المباشرة في تلك المرحلة، والدليل أنّه استطاع نشر روايتين في بداية الستينيات، فإنّ متاعبه بدأت مع نهاية ذلك العقد، إذ تعرّضت روايتاه أنا الذي خدمت ملك إنكلترا وعزلة صاخبة جداً (كتابه المفضل) لاعتداء مقص الرقيب الذي استمر لأكثر من أربعين عاماً.

 

ربيع براغ

بعد عام 1968، أي بعد ربيع براغ، كان على بوهوميل هرابال أن ينتظر ثماني سنوات لتظهر كتبه مجدداً في المكتبات (أوّل ما صدر له بعد تلك الفترة كتاب الشعر الضحية). لذلك فضّل في عام 1975، أن يقوم بنقد ذاتي كي يستطيع نشر كتبه، حتى وإن تعرّضت لمقص الرقيب. هل كان جباناً؟ ربما. فهرابال لم يتوقف عن استدعاء ذلك الأمر في أحد أحاديثه الصحافية التي تعود إلى عام 1985 حين جاء فرنسا للمرّة الأولى، وتحديداً إلى مدينة نانت لاستلام جائزة الأدب المترجم. شرح لماذا كان يضطلع بموقف براغماتي، لماذا كان يضطلع بأدب «لا ملتزم»، وذلك، بحسبه، كي يتواجه بشكل أفضل مع هيمنة السياسة والإيديولوجيا.

يقول: «إنّ الحذف تمّ بموافقتي. فأنا لست من طبقة أولئك الناس ذوي الطباع المتشددة. إنّ كتبي، بعد بعض الحذف الخفيف الذي قمت به أنا نفسي أولاً، وجدت نجاحاً كبيراً، كما أنّها نشرت بأكملها. لست مهاجراً، لا داخلياً ولا خارجياً. إنّني مهاجر اللانهاية الإنسانية والأبدية الإنسانية، وليس في هذا الأمر أي موقف سياسي».

هل كان بموقفه هذا يثور ضد تدمير كلّ فكر متميّز؟ ربما، إذ أضاف في حديثه: «لقد سرتُ دائماً وفق هذا المبدأ. في بعض الحقب، من الأفضل أن تكون قصبة من أن تكون سنديانة... وقد قال (السيّد المسيح) لتلامذته بما معناه كونوا محتالين كالثعالب. وفي الأوضاع التي عرفناها في السنوات الأخيرة، لو لم نكن كالقصب، لقُطعنا كالسنديان. ولو لم نكن كالثعالب، لكنّا ذهبنا إلى السجن».

هل يشكّل كلامه هذا نقداً ذاتياً؟ كان يؤخذ عليه أنّه كان انتهازياً، لكنّه كان موافقاً على ذلك. من هنا قوله: «هناك بعض العذارى اللواتي لم يفقدن بكارتهن، أما البعض الآخر، فقد فقدنها. لو كان عليَّ أن أكون طاهراً، كما رغب بعض الذين لم يعودوا يحبونني، لما كان أمامي سوى الانتحار».

كلام هرابال هذا لا يشذّ أبداً عن سياق السخرية التي يشتهر بها أهالي براغ. ولكنّها أيضاً سخرية سقراطية، لأنّ سقراط كان في كلّ مرة يعاكسه أحدهم، يتظاهر بأنّه يتوافق معه، وحين يرحل يقول ما في رأسه. هل ثمة انتهازية هنا؟ إنّها طريقته في العيش، لقد عاش هكذا، ولو لم يفعل «لكان عليَّ الانتحار»، هذا ما قاله قبل أن يضيف: «إنّ رجال أمن الدولة كما رجال الحزب، هم كائنات بشرية أيضاً».

 

 

راوي قصص مدهش هو هرابال. فالخبرية الصغيرة عنده تشكّل مع مثيلاتها النسيج الحقيقي للعمل الروائي. هذه الخبريات التي كان يلتقطها من تردّده على المقاهي والحانات. فكما يقول هافل في مقالته:

«إذا كان البعض في حاجة إلى قراءة ألفي كتاب كي يكتب رواية، فإنّ هرابال في حاجة إلى الاستماع لألفي شخص كي يكتب. كان ذا موهبة في "الوقاحة" غير اللائقة والشرسة، نصير المتعة الشائكة. كما كان "المماحك" العبقري الذي يجيد مزج العامي بالخاص والرعب بالقباحة والتهريج بالقساوة، وذلك على خلفية ثقافية كبيرة. وكان ذلك كله، يدفعه إلى "تفخيخ" التعاقد وإلى طوفان الكلام وإلى توحشيته (من هنا إعجابه بلوي فرديناند سيلين، الكاتب الفرنسي صاحب رحلة إلى أقاصي الليل وموت بالتقسيط)، من خلال كتابة فسيفسائية تعتمد على المقاطع ولا تخلو من تأثير السوريالية ومن تأثير نجمته البراغية ذات الأضلاع الخمسة الرمزية: ياروسلاف هازيك، جاكوب ديمل، ولاديسلاف كليما وفاينر وفرانتز كافكا. لغته هذه، كانت لغة الحانات من أجل أن يتوسل "إلى أشباحه" وكي يروي بحنان كئيب وشرس، حياة بأكملها».

هذه الحياة التي يرويها تبدو كأنّها مستلّة بشكل كامل من أحاديث المقاهي ومن الأقاصيص التي كان يخبره إياها عمّه Pepin. والأخير تجده حاضراً في غالبية كتب هرابال، كأنّه الذاكرة الحقيقية لمدينة براغ. بمعنى آخر، يبدو مشروع هرابال الحقيقي كأنّه البحث عن زمن براغ الضائع، من خلال الحقب التاريخية المتعاقبة.

ففي الروايات التي يتحدث فيها عن عائلته، مثل المدينة الصغيرة حيث توقف فيها الزمن والشعر الضحية، تجده يتكلم عن زمن مازاريك، وفي قطارات تحت الحراسة المشدّدة عن الاحتلال الألماني، وفي أنا الذي خدمت ملك إنكلترا عن انقلاب براغ عام 1948. كما أنّه يتناول «الغيتو الذهني» الذي سيطر في السبعينيات في رواية عزلة صاخبة جداً، وفترة الستينيات في الأعراس في المنزل. فبراغ التي من «ذهب» التي نجدها عند هرابال كما عند الكثيرين غيره من كتّاب براغ هي مدينة مبنية فوق مناظر مخترعة من قبل الكتّاب السابقين، وخاصة عند كافكا وميبيرنيك وكوبين، والذين انحدروا منهم. نجد عندهم تلك السخرية السوداء التي أصبحت تشكّل تقليداً راسخاً في الأدب التشيكي، وهي بذلك ليست سوى الدليل على الحيوية الخصبة التي يمتاز بها أهالي الضواحي وزبائن الحانات، حيث «تسكب براميل البيرة» في أمعائهم.

لكن ما يميّز براغ هذه، عند هرابال، هو أنّها تبدو كأنّها براغ واحدة، بمعنى ما. وذلك عائد إلى أنّه كتب سيرتها من خلال الزبائن الذين يرتادون المقاهي. فمن أحاديثهم التي تنحو إلى الفانتازيا والتهويمات والشطحات، تبدو المدينة كأنّها أسطورية، كأنّها واقفة في زمن واحد، مع العلم أنّ تبدّلهم الجسدي ما هو إلا الانعكاس الحقيقي لتبدّل جسد المدينة. وما أدبه كله إلا لالتقاط أطراف هذا التحوّل، الذي نجح فيه على العكس من عدم نجاحه في التقاط الحمامة التي كانت سبب سقطته. لقد نحا هرابال إلى «أسطرة» الحانات والمطاعم، وليس هذا الأمر لأنّ والده كان صاحب حانة بدوره، وإنّما لأنّ هذه الحانة هي مكان بخلاف ما كان يقول أفلاطون، نستطيع أن نهرب فيه من نقصان الواقع. هذا الواقع الذي يجعله سحرياً، ومن هذه النقطة يتشابه مع هازيك وكافكا، لكنّه يتشابه أيضاً مع صموئيل بيكيت في هذه العلاقة الوجودية مع اللغة: «أنا أتكلم إذاً أنا موجود».

جميع رواد المقاهي سوف يستمرون في كلامهم كي يشعروا بأنّهم ما زالوا موجودين. وحده هرابال، سكت إلى الأبد، لكنّه سوف يستمر في وجوده الخاص. إذ يكفي أن نفتح واحداً من كتبه، لتعود إلينا كل تلك الأجواء العابقة بتواريخ وبتأريخ تلك المدينة السحرية التي تدعى... براغ.

 

مقص الرقيب الدائم

أنهى بوهوميل هرابال كتاب يارميلكا في عام 1951، وقد تعرّض لمقص الرقيب مرتين: الأولى عام 1959 والثانية عام 1969، ولم يصدر إلا في 1992، أي قبل خمس سنوات من رحيله. بدأ كتابة هذا الكتاب، بالضبط، بعد استيلاء الشيوعيين على السلطة في 1948 تحت إدارة كليمنت غوتفالد. وتروي القصة، على طريقتها، وبمهارة، كيفية عمل آليات هذا النظام، عبر تعاقب ما بين السرد وتاريخ إخفاقات عاملة شابة حامل يرفض عشيقها أن يتزوّجها.

يجعلنا هرابال نستمع إلى عمّال مصنع الفولاذ في كلادنو. الكثير من كلماتهم مستلّة من حياتهم اليومية ومن قلب المسابك حيث خدم جنديته بدءاً من عام 1949. قد يتفاجأ المرء بقرار الكاتب الحائز شهادة في الحقوق والقانون، أن يعمل بشكل مباشر في قلب هذه المصاهر والمسابك. ربما كان يومها يخضع لنظرية «القدر الاصطناعي»، أي محاولة اختبارية كي يختار حياته بخلاف الأوضاع الطبيعية، وهو لم يصبح «كاتباً محترفاً» إلا بدءاً من عام 1963، في بلد كانت فيه ممارسة أي مهنة واجباً شرعياً، وإلا سيعاقب بتهمة الطفيلية الاجتماعية.

تقارن يارميلكا بين الشيوعية والنازية، تحت شكل كولاج أدبي حاذق وبارع. فهو يفرد مساحة كبيرة، في الظاهر، لطريقة التعذيب التي مارستها النازية، وذلك كي يشير إلى واقع الشيوعية. من هنا يبدو هذا الكتاب، المبني في قعر المصاهر، كأنّه يصرخ من بين السطور.

ويُظهر لنا موشحات دموية وأساطير (1968)، بشكل كبير، تقنيات الكاتب التي تغذت بالدادائية والسوريالية، حيث كان صديق الفنانين والكتاب الذين يبنون أساليب الـ Pop art. ويشكّل الكتاب عملياً، آخر مجموعاته القصصية، التي تشير، عبر طريقتها الاختبارية، إلى تملّكه تقنيات فن الكولاج الذي كان يمارسه بقدرة كبيرة.

تروي لنا الحكاية الثانية مثلاً، التي تحمل عنوان أسطورة إيغون بوندي وفلاديمير، قصة شاعر ورسام يمارس كلاهما «الواقعية الاشتراكية». كانت البقع والخطوط الملتوية على جدران براغ تشحذ مخيلتيهما. يقوم الفنان برسم باب على أحد الجدران ويقرّر الخروج منه. لا شك في أنّ الحادثة تذكّرنا برامبرانت، لكنّها تذكّر أيضاً بالحركة السوريالية، أي بالضبط، من خلال استخراجها الغريب اليومي من الأمر الأكثر عادية.

من هنا ليس غريباً أن تكون تقنية الكولاج هي المسيطرة في هذا الكتاب، لتستولي على كل موهبة هرابال «التوفيقية». فمثلما يكتب المترجم في مقدمته: ألم يكن التاريخ هو نفسه الذي هيأ كولاجات الطبيعة؟ فهذه التقنية التي تجمع كل فتافيت العالم، وأجزاء المواد الخام المستلّة من الحياة اليومية، تتحرّك أيضاً وبدون شك، كأنّها تتخذ موقفاً سياسياً دقيقاً عند الكاتب، على الأقل من خلال نظرات قرائه، الذي يترك لهم حرية تجميع هذه الأجزاء، وقطعها من جديد، واكتشاف ما تحت النص. ما يقوله لنا هرابال بشكل عام: هاكم شهادة خام عن الواقع غير مطلية بالخطاب الرسمي. هذا الأمر يحيل على كل واحد مسؤوليته الخاصة. فخلف كل شيء نجد حيلة الكاتب ودهاءه، إذ يجد نفسه مجبراً على تنقيح نصوصه، في عملية كان يعدّها وبوعي: السير على طبقة رقيقة من الثلج.

ثمة في موشحات دموية وأساطير أصداء من رائعته عزلة صاخبة جداً، إذ يضع فوق مجرى الأحداث «المدقة»، آلة تعذيب حرية التعبير، التي تهرس من خلالها الكتب المشتبه في أنّها كتب معارضة. يتجذّر هذا الكتاب الأخير في لحظة معيّنة من حياة الكاتب الذي كان يعمل آنذاك في توضيب الصحف القديمة ولفّها في رزم لشركة تهتم بالمواد الأولية... كان بطل الرواية هانتا يسحق منذ خمسة وثلاثين عاماً الكتب القديمة تحت مكبس هيدروليكي. يسحق، ومن ثم يشرب، يسحق، ويناجي نفسه أثناء تجواله في شوارع براغ. هذه الثقافة التي هو مسؤول عن تدميرها، كلّف نفسه مهمة إنقاذها. وفي سيل الكتب المتدفقة في قبو منزله، يقوم باختياره، ينتزع بعضها من الموت ويحتفظ للآخرين بمعاملة أكثر كرامة من تلك التي وُعدوا بها. وبذلك، فهو بعيد عن بلوغ المعايير المفروضة عليه... وصف نفسه بالقول: لقد جئت إلى العالم لأكتب فقط عزلة صاخبة جداً.

في أسطورة أخرى، «أسطورة قايين»، الموجودة في وسط الكتاب، يسائل الكاتب «الخيار الحرّ» الذي قام به أحد مراقبي محطات القطارات الذي اختار الانتحار ليسيطر أكثر على حياته. إلا أنّه لم ينجح في ذلك، وبعدما تخلّى عن مشروعه يعود القدر ليمسك به، في نهاية حياته، تحت نيران الجنود الألمان المنسحبين خلال الحرب. قضية الانتحار هذه لها مساحة كبيرة في أدب هرابال. من هنا، لا بدّ للمرء أن يتساءل عمّا إذا كان الكاتب قد انتحر حين سقط من الطابق الخامس من المستشفى لمّا قرر إطعام الحمام الذي كان يحطّ على شرفته.


المراجع:
صحيفة Le Monde: عدد 12 تشرين الأول/أكتوبر 1991 وعدد 4 شباط/فبراير 1997.

صحيفة Liberation 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1991.

Magazine litteraire عدد حزيران/يونيو 1988.

Les Noces dans la Maison (ed. Le Seuil)

Vaclav Havel: Bohumil Hrabal (ed. Jose Corti)

بوهوميل هرابال، عزلة صاخبة جداً، ترجمة منير عليمي، منشورات المتوسط.

بوهوميل هرابال، قطارات تحت الحراسة المشدّدة، ترجمة بسام حجار، الطبعة الأولى دار الفارابي (بيروت) والثانية الدار نفسه ودار المتوسط (ميلانو).

بوهوميل هرابال، أنا الذي خدمت ملك إنجلترا، ترجمة خالد البلتاجي، دار صفصافة للنشر، القاهرة.

بوهوميل هرابال، دروس في الرقص للمسنين، ترجمة خالد البلتاجي، المحروسة للنشر والتوزيع (القاهرة).

إسكندر حبش

كاتب من لبنان.

×