24 أيار 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

ابن سلمان يلعب كُرته في غسق أسطورتين

جايمس تورِل

16 حزيران 2023

إذا كانت مغادرة ميسي ورونالدو كرة القدم الأوروبية تشكّل نهاية حقبة تاريخية، فنحن الآن أمام لحظة «ثورية» جديدة (المراسل)

بعد قرن، وفيما يجلس مؤرِّخو حقبتنا العظماء في ملاجئهم الحديديّة لحماية أنفسهم من الأشعّة القاتلة في عالم انهارت فيه الأنظمة المناخيّة، سيستذكرون حتماً تاريخين اثنين ليخطّوا تاريخ كرة القدم في القرن الحادي والعشرين: 15 آذار/مارس 2022 و8 آذار/مارس 2023.

يبدو هذان التاريخان اعتباطيَّين شأنهما شأن أيّ يومين عابرين. فهما لم يشهدا أيّ مباراة نهائية كبرى، لكنّهما رغم ذلك شاهدان على أبرز نقلة نوعية في تاريخ كرة القدم في القرن الحادي والعشرين. يومان يمثّلان نهاية حقبة وبزوغ فجر جديد. يومان طُوِيَت معهما الصفحة الأخيرة من الحكاية وبزغ فجر مرحلة جديدة.

نتكلم هنا على حدث أشبه بفِلم يجمع جيمس بوند وسبايدرمان والدكتور هو معاً. ففي هذين اليومين، لعب كلّ من كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي على التّوالي المباراة الأخيرة (في المبدأ) في دوريّ أبطال أوروبا.

 

«هنا تنتهي رفقتُنا»

هل مرّت على تاريخ كرة القدم حقبة تمحورت بأكملها حول لاعبَين كما حدث في العقدين الأخيرين مع رونالدو وميسي؟ عند الحديث عن هذه الرياضة في القرن العشرين، نستذكر جميعاً اسمين هما بيلي ومارادونا، ولكن لم يلعب أحدهما ضد الآخر في مباراة تنافسية، كما أنّ مسيرة بيلي شارفت على الانتهاء حين بدأ مارادونا مسيرته: فالأول تقاعد عام 1977، فيما بدأ الثاني مسيرته عام 1976. المواجهة الوحيدة بينهما كانت حين درّبا فريقين في مباراة كرة قدم مصغّرة (5x5) عام 2016.

لا شك في أنّ أسماء كبيرة في كرة القدم لعبت في الفريق نفسه وفي مواجهة بعضها بعضاً على مرّ السنين. فلدينا مثلاً يوهان كرويف وفرانتس بكنباور في السبعينيات، أو روبرتو باجو وروماريو في التسعينيات. هؤلاء جميعاً كانوا من الأفضل في العالم، وقد لعبوا في أندية النخبة، وفي مواجهة بعضهم بعضاً في نهائيات كأس العالم.

لكنّنا لا ننظر إلى هؤلاء أو غيرهم بالطريقة نفسها كما ننظر إلى رونالدو وميسي، الثنائي الأبدي، كحبيبين تعرّف أحدهما إلى الآخر في المدرسة وبقيا معاً طوال حياتهما، حتى أصبحا متلازمين لا ينفصلان، ولا يمكن التفكير في أحدهما بمعزل عن الآخر. يعود السبب جزئياً إلى ثورة المعلومات ووسائل استهلاكها في العقدين الأخيرين. فعندما تبارز كرويف وبكنباور، كانت طريقة المشاهدة والمواد الإعلامية المتعلقة بكرة القدم تعتمد على اللغة والبلد الذي نعيش فيه. ففي المملكة المتحدة مثلاً، لم تُعرَض على الشاشات مباريات كرة القدم الأوروبية، كما لم يستطع الناس مشاهدة أبرز اللقطات من كلّ مباراة على يوتيوب فور انتهائها.

لهذه الأسباب، لم تنشأ سردية عالمية حول هؤلاء اللاعبين، لأنّ معظم الناس لم يعرفوهم ولم يطّلعوا على تفاصيل حياتهم. وكما نعرف، السرديات والقصص هي أساس الخصومة والمنافسة، مهما كان شكلها. لو كانت وسائل الإعلام المتوفرة اليوم موجودة في السبعينيات، لكانت المنافسة بين كرويف وبكنباور هي الأعظم إطلاقاً في تاريخ كرة القدم، فهي تستوفي الشروط كلها التي تثير حماسة محلّلي كرة القدم ومُحارِبي تويتر. فقد لعبا لكل من أياكس وبايرن ميونخ، أي أفضل ناديين في تلك المرحلة، وأحدثا ثورة في أساليب اللعب، ناهيك بكونهما من الجنسية الهولندية والألمانية على التوالي، وهي كلها عناصر كفيلة ببناء سردية كبرى حول غريمين، تستلهم من عداوات الحرب العالمية الثانية.

ما يميّز المنافسة بين ميسي ورونالدو هي العناصر الدرامية التي أسرت قلوب مشجعي كرة القدم لسنوات. فهما أفضل لاعبَين في هذا القرن، وقد لعبا وجهاً لوجه 36 مرّة في اثنَين من أفضل الفرق وفي مباريات هي الأكثر متعةً وتشويقاً إطلاقاً، كما حطّما الأرقام القياسية كافةً تقريباً في كرة القدم واستحوذ أحدهما أو الآخر على جائزة الكرة الذهبية تسع سنوات على التوالي.

أتت النهاية الفعلية مع إعلان ميسي الانتقال إلى إنتر ميامي الأميركي (Charis Tsevis)

 

كانت بداية النهاية في اليوم الأول من العام الحالي، حين وقّع كريستيانو رونالدو عقداً بقيمة مئتي مليون دولار سنوياً، كما أشارت التقارير، مع نادي النصر السعودي. فقد غادر رونالدو ناديه مانشستر يونايتد في 22/11/2022، بعد أسبوع من مقابلته المدوية مع الإعلامي البريطاني بيرس مورغان، التي انتقد فيها جوانب النادي كافةً تقريباً. ولعل في ذلك تأكيدٌ جديدٌ لإحدى بدهيّات الوجود البشري، وهي أنّ ثلاثة أشياءٍ مضمونةٌ في الحياة: الموت، والضرائب، وقدرة بيرس مورغان على إفساد كل ما يمسّه.

ثم أتت النهاية الفعلية في 7/6/2023، حين أعلن ليونيل ميسي موافقته على الانضمام إلى نادي إنتر ميامي في الدوري الأميركي لكرة القدم. وأشارت التقارير إلى أنّ قيمة العقد الذي توصل إليه ميسي مع هذا النادي الذي يملكه ديفيد بيكهام تبلغ 250 مليون دولار على مدى أربع سنوات، لينهي بذلك تجربته الباهتة التي دامت عامين مع نادي باريس سان جيرمان. وقد وافق بطل الأرجنتين على الانضمام إلى إنتر ميامي بعدما رفض عقداً بقيمة خيالية تبلغ خمسمئة مليون يورو سنوياً مع الهلال السعودي.

نهاية هذه الحقبة تذكّرنا بالقول الشهير للساحر ذي العباءة البيضاء في رواية The Lord of the Rings [سيّد الخواتم]: «هنا، يا أصدقائي، على شواطئ هذا البحر، تنتهي رفقتُنا».

 

لحظة «ثورية» جديدة

إذا كانت مغادرة ميسي ورونالدو كرة القدم الأوروبية تشكّل نهاية حقبة تاريخية، فنحن الآن أمام لحظة «ثورية» جديدة. ففي 5 حزيران/يونيو، أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي أنه سيستحوذ على الأندية الأربعة المؤسِّسة للدوري المحلي للمحترفين، أي الأهلي والاتحاد والهلال والنصر، في تطوّر سيحمل أثراً لا لبس فيه في كرة القدم الأوروبية والعربية معاً على المديين البعيد والقريب.

ستنتقل ملكية كل من الأندية بنسبة 75٪ إلى صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي سيستحوذ أيضاً على غالبية المقاعد في مجالس إدارتها، على أن تعود نسبة 25٪ المتبقية إلى مؤسسات غير ربحية. كذلك، سيزداد عدد الأندية في الدوري من 16 إلى 18، وهي خطوة تأمل الحكومة السعودية عبرها توفير بيئة أكثر تنافسية مع عددٍ أكبر من المباريات، ما سيزيد بدوره من عوائد الإعلانات.

استحوذ أيضاً صندوق الاستثمارات العامة السعودي في العام الماضي على نادي نيوكاسل في الدوري الإنكليزي الممتاز، فيما تطمح الرياض إلى استضافة بطولة كأس العالم لعام 2030 أو 2034. بل هي تسعى في الواقع أن تغدو قوة كبرى ومؤثّرة في عالم كرة القدم، وقد وضعت خطّتها تلك موضع التنفيذ مع بداية موسم الانتقالات لهذا العام.

وتعدّ المملكة العربية السعودية دولة شابّة من الناحية الديموغرافية، إذ إنّ 75٪ من سكانها دون سن الـ35. كذلك، إنّ ثقافة كرة القدم متجذّرة في الوعي السعودي، فيشاهد قرابة 40 ألف مشجع مباريات الدوري السعوديّ للمحترفين كمعدل متوسط. على سبيل المقارنة، يشاهد نحو ألفي مشجع دوري النجوم في قطر التي استضافت كأس العالم لكرة القدم عام 2022.

لكن إذا صحّ أنّ كرة القدم لعبةٌ سريعةُ الحركة، والانتقالات فيها تحدث بوتيرة أسرع، أعتقد أنّ أحداً لم يتصوّر قبل شهور أنّ كريستيانو رونالدو وكريم بنزيما ونغولو كانتي وغيرهم سينضمون جميعاً إلى الدوري السعودي للمحترفين المصنّف في المرتبة الـ58 عالمياً وفقاً للاتحاد الدولي لكرة القدم. ها نحن الآن في صيف 2023 وقد تحقّق هذا السيناريو تحديداً. فانضم بنزيما إلى نادي الاتحاد، وتبعه كانتي، وهما اثنان من أفضل اللاعبين في العقد الأخير ممّن فازوا بدوري أبطال أوروبا، وبكأس العالم بالنسبة إلى الثاني، فيما تطول قائمة اللاعبين الذين تشير التقارير إلى احتمال انضمامهم إلى الدوري السعودي.

كان صندوق الاستثمارات العامة أعلن نيته توقيع عقود مع 30 لاعباً من الطراز الرفيع هذا الصيف: يودّ كل من الأندية الأربعة الكبرى استقطاب أربعة لاعبين، في حين من المتوقع أن يستقطب كل من الأندية الأخرى في الدوري لاعباً واحداً على الأقل. كذلك، يبدو واضحاً أنّ الأندية السعودية غير مهتمة بتوقيع عقود مع لاعبين جدد، إذ يسعى الصندوق إلى جذب لاعبين من ذوي الصيت العالمي لدعم الحملات التسويقية والهيمنة على العناوين الرئيسية واستقطاب المشاهدين.

لذا، سيرتبط اسم غالبية اللاعبين على الأرجح، البارعين منهم والسيئين، بأحد الأندية السعودية عاجلاً أم آجلاً بسبب كمية الأموال الهائلة التي أُعلِن فجأة استثمارها في الدوري المحلي. وستمتلئ طوال الصيف أعمدة الصحف الصفراء بالإشاعات عن انتقال هذا اللاعب أو ذاك، ولكن لا تتوقعوا أن يحزم اللاعبون كلهم أمتعتهم ويشدّوا الرحال إلى السعودية، على الأقل ليس في هذا الموسم.

 

أمر واقع سعودي في سوق الانتقالات

يكتسب هذا التطوّر أهمية خاصة نظراً إلى أنّ سوق الانتقالات الأوروبية شهدت تباطؤاً تدريجياً على مدى السنوات القليلة الماضية. إلى حدّ ما بسبب قدرة أندية الدوري الإنكليزي الممتاز كلها تقريباً على إنفاق مبالغ أكبر بكثير من الأندية الأوروبية لاستقطاب اللاعبين، باستثناء الأندية العملاقة. السبب في ذلك بسيط: الدوري الإنكليزي الممتاز يولّد إيراداتٍ لا تصدّق مقارنة بأيّ دوري آخر.

للمقارنة، حصل نابولي الفائز بالدوري الإيطالي على 23,4 مليون يورو، بينما حصد ساوثهامبتون الذي حلّ في ذيل ترتيب الدوري الإنكليزي الممتاز مبلغاً مذهلاً قدره 128,8 مليون جنيه إسترليني (نحو 150 مليون يورو). لذا إنّ المستوى المتوسط ​​من سوق الانتقالات تهيمن عليه الآن فرق الدوري الإنكليزي حيث العروض المالية أعلى بكثير. يرتدّ ذلك إلى الأعلى إذ كلما ارتفعت الأجور في أسفل ترتيب الدوري، ارتفعت في أعلى السلّم. كما أنّ اللاعبين الذين تودّ الأندية الكبرى التعاقد معهم يطلبون رواتب خيالية (من دون الخوض في هل يستحقّونها أم لا)، ما يُنشئ حلقةً مفرغةً تمنع الأندية الأخرى ذات الموارد المحدودة من الاستفادة من مثل هؤلاء اللاعبين.

إنّ دخول السعودية سوق الانتقالات ببئر لا ينضب من الأموال كفيل بتغيير ديناميّات هذه السوق جذرياً (Getty)

 

هذه تماماً الحال بخصوص الانتقالين اللذين يُحتمل أن يكونا الأهم هذا الصيف وسيكونان من نصيب اثنَين من أفضل اللاعبين الإنكليز حالياً، وهما جود بيلينغهام وهاري كاين. فقد وافق بيلينغهام للتوّ على توقيع عقد بقيمة أوليّة تتجاوز مئة مليون يورو للانتقال إلى ريال مدريد، بعدما ارتبط اسمه أولاً بناديي مانشستر يونايتد وليفربول، مع أنّ الأخير أعلن صراحة أنّه عاجز عن تحمّل كلفته.

كذلك ارتبط اسم كاين بثلاثة أندية فقط هي مانشستر يونايتد وريال مدريد وبايرن ميونخ، كون هذه الأندية لم تترك مجالاً لأيّ نادٍ آخر بفضل استئثارها بالمال والكؤوس معاً. فعلى سبيل المثال، تكاد تكون حظوظ إيه-سي ميلان ونابولي معدومةً في استقطاب هذين اللاعبين، رغم فوز الناديين ببطولتي الدوري الإيطالي الأخيرتين، ورغم بلوغهما أدواراً متقدمة في دوري أبطال أوروبا. أما مانشستر يونايتد، فلم يقترب حتى من الفوز بالدوري الإنكليزي الممتاز منذ أكثر من عقد.

لذا، إنّ دخول السعودية سوق الانتقالات ببئر لا ينضب من الأموال – حرفياً – كفيل بتغيير ديناميّات هذه السوق جذرياً. فعلى سبيل المثال، ترك كريم بنزيما ريال مدريد عند انتهاء عقده بعد الفوز معه بـ25 كأساً وتسديد 354 هدفاً، وهو سجلّ لم يتفوّق عليه سوى رونالدو نفسه. من المرجح أن بنزيما غادر النادي الإسباني بحثاً عن تحدٍّ جديد، نظراً إلى أنّه يبلغ 35 عاماً ولم يتبقَّ سوى عامين تقريباً في مسيرته المهنية. لكن لو أنّه قرّر البقاء في أوروبا من دون أن تُقتطَع نسبة كبيرة من راتبه، وهو أمر يبدو أنّ لاعبي كرة القدم كلهم يرفضونه، لاقتصرت خياراته على الأندية نفسها كما كاين وبيلينغهام. ونظراً إلى أنّ مانشستر يونايتد كان قد وقّع عقوداً مع عدد من الهدّافين البارزين في شفق مسيرتهم المهنية – مثل راداميل فالكاو، وزلاتان إبراهيموفيتش، وإدينسون كافاني – لعلّ بنزيما كان سينتقل إليه في تلك الحالة.

ويمكن الرهان أيضاً على أنّ باريس سان جيرمان كان ليمثّل وجهةً محتملةً له نظراً إلى أنّه عادةً ما يعرض مبالغ هائلة على أيّ لاعب يثير اهتمامه، ناهيك بكون بنزيما فرنسي الجنسية. لكن بأيّ حال، ما استطاعت أندية ناجحة للغاية مثل إشبيلية الإسباني ونابولي أو حتى ليفربول توقيع عقد معه، حتى لو انتقل مجاناً، نظراً إلى أنّه سيطلب أجراً بقيمة 250 ألف يورو على الأقل أسبوعياً.

 

تسخير الكرة

نحن اليوم أمام دوري جديد تموّله دولة ثرية للغاية ومستعدة لإنفاق مبالغ طائلة لاستقطاب لاعبين تعجز الأندية الأوروبية من الدرجة الثانية مالياً عن تحمّل كلفتهم. ما تفعله المملكة العربية السعودية عملياً هو هدم ما تبقّى من سوق كروية غير متوازنة، وهو أحد الأسباب التي دفعتها إلى شراء نادي نيوكاسل (ودفعت قطر إلى إنفاق مليارات الدولارات لاستضافة كأس العالم).

يأتي ذلك في سياق سعي السعودية، مدفوعةً بسياسات حاكمها محمد بن سلمان، إلى تحسين صورتها أمام العالم. فتهدف رؤية 2030 التي أعلنها للمرة الأولى عام 2016 إلى تحديث المملكة، والحدّ من اعتمادها على عائدات النفط، وزيادة تغطية الرعاية الصحية لسكانها، وتحقيق المزيد من التقدُّم في مجال حقوق المرأة رغم البطء الشديد في هذا المضمار، وبناء مجتمع رقميّ أشبه بدول الغرب. وقد غدت سياسة تحسين السمعة بالرياضة ممارسةً شائعةً خلال العقد الماضي، وهي تشكّل جزءاً من الإستراتيجيات السياسية منذ قرن تقريباً. فلطالما لجأت الدول إلى الرياضة للظهور بهيئة لطيفة أمام العالم، وهو ما رأيناه في الألعاب الأولمبية في ألمانيا النازية، كما وفي بطولتي كأس العالم عام 1978 في الأرجنتين وعام 2018 في روسيا.

تتركّز محاولات تحسين السمعة بالرياضة في مجال كرة القدم على الصعيدين المحلي والدولي لأنّ هذه الرياضة تحديداً هي الأكثر شعبيةً والأكثر تجذّراً في ثقافة الشعوب على مرّ التاريخ. ففي ما عدا الدين ربما، لم تشهد البشرية ظاهرةً عالميةً تحظى بالشعبية نفسها كما كرة القدم. نُصادِف هذه الرياضة أينما كان، في مشارق الأرض ومغاربها، ويلعبها الناس بالشغف والحماسة نفسيهما في شوارع فلسطين وسط الحُفر الشاهدة على دمار خلفته القنابل والصواريخ، وفي ملاعب جنوب فرنسا الخضراء الناصعة. وما من ظاهرة ثقافية أخرى تستثير هذا القدر من التشويق وعلى هذا النطاق الواسع.

الهدف الأسمى لمحمد بن سلمان هو الاستئثار بالسلطة لتزعُّم المملكة والتربّع على عرشها، ولا يرى سبيلاً لذلك سوى في استرضاء فئة الشباب التي تطمح إلى انتقال المملكة إلى عالم الحداثة. يريد بن سلمان فعل ذلك وفق شروطه هو، لكي يتمكّن من الاستمرار في الحكم من دون أيّ رقابة ديمقراطية، وليست كرة القدم سوى سلاح في ترسانته لتحقيق هذا الهدف.

يستحق مشجّعو كرة القدم السعوديون مشاهدة أولئك اللاعبين كما أيّ مشجّع أوروبي، ويستحقّون مشاهدة أروع أداء في كرة القدم أمام أعينهم واختبار الحماسة والفرحة وخيبة الأمل التي لا مفرّ منها في هذا الدوري الجديد. وكذلك الحال بالنسبة إلى بلدان الشرق الأوسط كافة، فكُرة القدم ملك للجميع في أنحاء العالم. لكن استطاع بن سلمان وصندوق الاستثمارات العامة السعودي استغلال كرة القدم خدمةً لغايات سلطويّة وسياسية لسبب وحيد هو أنّ القيّمين على هذه الرياضة أفسحوا لهما المجال لذلك.

هدف الحكومة السعودية الفعليّ ليس تعزيز ثقافة كرة القدم في المملكة. فلو أراد حكّام السعودية ذلك فعلاً، لأنفقوا مليارات الدولارات لافتتاح أكاديميات أو ملاعب مجانية تتّسع لكل طفل في المملكة، أو لسمحوا للنساء بممارسة هذه الرياضة. ما تريده حكومة السعودية حقاً هو تحويل أنظار الناس نحو الملاعب ليشاهدوا الأداء المميّز والفاتِن للاعبين عظماء، كأنّهم يقولون للعالم: «هذه هي المملكة العربية السعودية. هذه هويّتنا الآن. شرط ألا تنظروا خارج الملاعب. إيّاكم النظر خارج الملاعب!».

غدت كرة القدم تعاني من فقدان الروح، إن لم نقل إنّها فقدتها بالفعل في لهاثها المسعور خلف المال.

جايمس تورِل

صحافي رياضي بريطاني. يكتب للمراسل.

×