24 شباط 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

الغضب يهزم الخوف: البلشي نقيباً لصحافيي مصر

محمد العريان

27 آذار 2023

عُرِف البلشي بمعارضته نظام حكم السيسي وبدفاعه عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير (المراسل)

على مقهى صغير وسط القاهرة بحثنا إماكنية خوض الزميل خالد البلشي انتخابات نقابة الصحافيين منافساً على مقعد النقيب، واتفقنا، وهو معنا، أنّ المعركة صعبة جداً لأنّ النظام لن يترك المرشح المحسوب عليه يخسر هذا المقعد الذي أظن أنّه أهم منصب صحافي بالانتخاب في الوطن العربي: نقيب صحافيي مصر.

بعد ثلاث ساعات من مناقشة الاحتمالات انتهينا إلى إبلاغ «قيادات» تيار الاستقلال النقابي، الذي دعا البلشي إلى دخول المعركة الانتخابية في وجه خالد ميري، برفضنا خوض الانتخابات لأسباب موضوعية أهمها حالة الاستقطاب العنيفة التي ستنتهي إليها فور إعلان البلشي الترشح بصفته صحافياً معارضاً اعتاد النظام شيطنته وتشويه صورته وتوقيفه ومنعه من العمل. فضّلنا أن يتقدم صحافي آخر من التيار يكون مقبولاً لدى قطاعات أوسع من الصحافيين الخائفين على مكتسبات العمل النقابي والصحافي.

لكن بعد خمسة أسابيع من ذلك اليوم، أي مساء 18 آذار/مارس 2023، كانت المعطيات قد تغيّرت وأعلنت اللجنة القضائية المشرفة على انتخابات النقابة فوز البلشي بـ2450 صوتاً مقابل 2211 لمنافسه المدعوم من النظام.

البلشي صحافي ونقابي في بداية العقد السادس من عمره، وانضم حديثاً إلى الهيئة العليا لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وعرِفت عنه معارضته نظام حكم مبارك ومشاركته في حركة «كفاية» التي كانت الحاضنة الأولى لإرهاصات ثورة يناير 2011، ومعارضته أيضاً لنظام حكم الإخوان المسلمين واستضافته أول مؤتمر لحركة «تمرّد» التي أطاحت بالرئيس محمد مرسي.

كذلك عُرِف بمعارضته نظام حكم السيسي ودفاعه عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير، الأمر الذي كلفه حجب ثلاثة مواقع صحافية رأس تحريرها، وتوقيفه وآخرين عقب اقتحام الأمن نقابة الصحافيين في أيار/مايو 2016 في عهد النقيب الأسبق يحيى قلاش، واتهامه في قضية أخرى بتهمة نشر أخبار كاذبة.

 

لماذا ترشح؟

قبل ساعات من غلق باب الترشح، تقدّم خالد البلشي للمنافسة على منصب النقيب بعدما أصدر بياناً قال فيه: «آسف لكل من حذروني أن الحشد سيهزم الإرادة... ما زلت واثقاً بجموع الصحافيين ومؤمناً أن الحفاظ على مساحة تنافسٍ حقيقية، وإرسال رسالة أمل للزملاء بأن المحاولة ما زالت ممكنة، أفضل من ترك الساحة خالية بلا تنافس حقيقي، وأفضل من الانسحاب خوفاً من خسائر شخصية متوقعة».

أضاف: «آسف لمن حذروني أنني سأدفع الثمن في شكل حملات هجوم وتشهير معتادة ومتكررة، فالتشهير الحقيقي أن نرسل رسالة إلى زملائنا القادمين بأن مساحات الحرية المتاحة تضيق، وأننا لم نعد قادرين على المواجهة، فنهدر قيماً نقابية عن المنافسة الشريفة والعادلة خوفاً من واقع نعيشه».

لقد ضغط صحافيون على البلشي، المهتم بالعمل النقابي منذ 2011 سواء كان ذلك من داخل النقابة أو خارجها، ليخوض الانتخابات حتى لا يتقدم خالد ميري للمنصب وحيداً ويفوز بلا منافسة تذكر، وذلك حفاظاً على ماء وجه الصحافيين من شكل معيب لانتخابات نخبة الرأي في مصر. فقرر الترشح متغاضياً عن تحذيرات أقرب الناس إليه، ومنهم كاتب المقالة، حتى لا ينكّل به النظام.

 

الخوف والغضب

إذا كان يمكن وصف انتخابات الصحافيين بالمعركة، فهي كانت معركة بين الخوف والغضب. فنظام الحكم في مصر يعتمد كثيراً على تخويف المواطنين كمنهج للسيطرة عليهم. وتظهر أشكال التخويف في منع الكلام والرأي وإشراك المواطنين في المصير، والتذكير الدائم بثورة يناير بوصفها، وفقاً له، منبع كل تشوه في هذا البلد، فضلاً عن التنكيل بالمعارضين وحبسهم، بمن فيهم الموالون المخالفون في الرأي أيضاً.

في انتخابات الصحافيين هذه، اعتمد النظام في دعمه المرشح المحسوب عليه تخويفَ الصحافيين من نجاح البلشي ونشر الشائعات، سواء بوضع النقابة تحت الحراسة أو منع بدل التكنولوجيا الذي يحصل عليه كل صحافي مقيّد في النقابة (100 دولار شهرياً)، في وقت استغلت حملة البلشي حالة الغضب المكتوم بين جموع الصحافيين من سوء أحوال المهنة وتردي الأوضاع الاقتصادية وتقلص مساحة حرية الرأي والعمل الصحافي.

بدأ البلشي حملته الانتخابية بتغيير الصورة الذهنية عنه التي شوّهها النظام بوصفه صحافياً صدامياً، فشكلت حملته خطاباً متوازناً يقدّم أولويات العمل النقابي ومصلحة الصحافيين على العمل الحزبي، واعتمد أفكاراً لتحسين الأجور وتشغيل المتعطلين وتعيين المؤقتين وحماية الصحافيين بجانب حرية الصحافة وصون كرامة الزملاء.

ساعد البلشي ضعف خطاب منافسه، ميري، واعتماده على دعم النظام الذي يمتلك أدوات النشر الصحافي، كون الصحف والمواقع الإلكترونية كافة مملوكة له، أو تعمل عبره، أو محجوبة عن المصريين، أو ليس لها تأثير على المستوى الشعبي. أيضاً، يمتلك النظام القنوات الفضائية كلها ويديرها، فضلاً عن أن ميري يرأس تحرير «الأخبار»، إحدى أعرق الصحف المصرية المملوكة للدولة، ويعمل مذيعاً لأحد البرامج في قناة مصرية.

وكانت تصرفات منافس البلشي وخطابه يغذّيان الغضب أكثر لدى الصحافيين، فأسرف ميري في الدعاية الانتخابية بلافتات ضخمة حول مقار الصحف وفي مبنى النقابة لجمهور محدود لا يتجاوز 10 آلاف صحافي. كما استغل دعم النظام في الظهور على القنوات، وتصدّرت أخباره الصحف والمواقع، وفُتِحت له صالات التحرير لاجتماعات بحضور إجباري للزملاء. وفي يوم الانتخابات، حشدت الصحف والمواقع العاملين فيها للتصويت بمنع الإجازات وتعويضهم بيومين إجازة مقابل الحضور، بالإضافة إلى وجبات من حاتيٍّ شهير في القاهرة بلغت 4 آلاف وجبة. كما حث رؤساءُ التحرير ومديروه الصحافيين على انتخاب ميري، وجرى إجبار بعضهم على كتابة منشورات دعم على وسائل التواصل.

لم يحظَ البلشي بأي تغطية إعلامية تذكر، ولم يقابله رؤساء التحرير في بعض المؤسسات، واعتذر بعضهم عن حضوره إلى مقرات صحفهم، كما مزِّقت لافتة وحيدة له رفِعت في الشارع بجوار مقرّ النقابة. كل هذا عظّم الغضب داخل الجماعة الصحافية وأظهر بؤس خطاب منافسه وهوان الصحافيين لدى النظام، فقرروا وضع غضبهم في الصناديق التي أعلنت في النهاية فوز البلشي.

وكان الأخير قد بدأ عمله الصحافي عام 1996 في مجلة «روز اليوسف»، ثم في مجلة «اليسار» بحزب التجمع، وعمل في صحف محلية وبرامج تلفزيونية، حتى ترأس تحرير صحيفة «البديل» اليومية اليسارية التي أغلقت عام 2009 وأعاد تشغيلها إلكترونياً قبيل ثورة يناير، وكان لها دور بارز في فضح انتخابات مجلس الشعب الأخيرة لنظام مبارك. واستمر الموقع بعد الثورة إلى أن قرر المالكون إنهاء التعاقد مع البلشي بعد ضغوط نظام الإخوان عليهم لوقف نشر مواد تنتقد الحكم.

بعد ذلك، دشن نهاية 2012 موقع «البداية» الذي استضاف مقرّه أول مؤتمر لحركة «تمرّد» التي ستطيح بالإخوان. وكان الموقع إحدى المنصات المحلية القليلة التي دافعت عام 2016 عن مصريّة تيران وصنافير ونشرت سلسلة تحقيقات وتقارير لمواجهة تسليم الجزيرتين للسعودية، فردّ النظام بحجبه وبتوقيف البلشي مع يحيى قلاش وعضو مجلس النقابة جمال عبد الرحيم في ما عرف بقضية اقتحام النقابة.

في العام التالي، فاز البلشي بجائزة نيلسون مانديلا للمدافعين عن حقوق الإنسان لدوره البارز داخل النقابة في الدفاع عن حرية الصحافة والصحافيين.

 

تجمع مهني أو مجتمع؟

في أربعينيات القرن الماضي، كان مندوبو السفارات الأجنبية في مصر يقفون على الرصيف المواجه لمقر نقابة الصحافيين لمتابعة انتخاباتها وإرسال تقارير إلى سفاراتهم. يروي هذه الحقيقة نقابيون لإلقاء الضوء على أهمية انتخابات الصحافيين محلياً ودولياً، فالصحافيون هم من نخبة الرأي في مصر ويعبّر مزاجهم العام عن جموع المصريين، وهم مؤثرون في المجتمع حتى لو كانت حرية رأيهم مقيّدة.

خلافاً للنقابات المهنية جميعاً، تعدّ «الصحافيين» أكبر من فكرة تجمُّع مصالح لأصحاب مهنة، كونها تضم أطيافاً سياسية واسعة ونخبة مفكرين من الاتجاهات كافة. وكانت أروقة مقرّها تشهد نقاشات ونقداً حاداً لا يمكن أن يقال في الصحف خوفاً من الرقابة أو التنكيل. وثمة، من جهة أخرى، صعوبة في تزوير إرادة الصحافيين في الانتخابات لقلة عدد المقيدين في النقابة (أقل من 10 آلاف). كما أنّها تقام في مكان واحد تحت عين وسيطرة أعضاء النقابة كافة، ولهذا هي تعبِّر بصدق عن المزاج العام للمجتمع ككل، وهو مزاج غاضب فعلاً من أداء السلطة وطامح إلى التغيير.

ما حدث الشهر الجاري بفوز البلشي يشبه ما شهدته النقابة قبل 20 عاماً حين فاز الصحافي المعارض النقيب الأسبق جلال عارف على مرشح نظام مبارك صلاح منتصر الذي حظى بدعم حكومي مماثل لما حصل عليه ميري لكنه سقط. هذا ما دفع ممثلي الاتحاد الأوروبي في مصر حينذاك إلى الاجتماع مع النقيب الفائز لمحاولة فهم ما حدث كون النقابة مرآة للمجتمع. بعد أشهر قليلة فقط، شهدت سلالم النقابة أولى تظاهرات «كفاية» التي كانت تقاوم فكرة توريث الحكم لجمال مبارك، وترفض أيضاً التمديد للرئيس.

ظلت سلالم النقابة نقطة انطلاق المظاهرات المطالبة بالتغيير أو التعبير عن الرأي حتى 2016 حين خرجت منها مظاهرات ترفض التفريط في تيران وصنافير، وواجهها النظام بعنف معتقلاً المئات. بعد أيام من ذلك اقتحمت قوات الشرطة النقابة لأول مرة في تاريخها، ثم دعم النظام مرشحين لخوض انتخاباتها، وجرى منع الحضور فيها عبر إزالة كراسي الاستراحة، وبزعم تجديد الكافيتريا والمبنى لست سنوات حتى انتخابات 2023 الأخيرة.

فبدأ النقيب في أول يوم عمل له إعادة الكراسي في جميع الأدوار، وأصدر في اليوم التالي بيان إدانة للاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، مستنكراً منع دولة الاحتلال نشاط «إذاعة فلسطين» في القدس المحتلة، وتحقيق الشرطة مع العاملين فيها. ما أعطى انطباعاً بعودة نقابة الصحافيين المصريين إلى ممارسة دورها الوطني والقومي.

 

الأمل

«سِمِعت إن صحافي معارض اسمه خالد البلشي نجح وبقى نقيب الصحفيين، تفتكر ممكن البلد تتغير؟!»، كان هذا حديث بين مواطنَين على مقهى بسيط في ضواحي محافظة الجيزة. فقد حمل صدى فوز البلشي أملاً في تغيّر ما، وهو أمل ممكن أن يتسرب إلى قطاعات أخرى، في إمكانية عودة العمل العام بعد سنوات من سيطرة اتجاه واحد وهيمنة رؤية وحيدة لإدارة الملفات كافة.

وتابع سياسيون ومهتمون بالشأن العام باهتمام بالغ انتخابات النقابة كونها مؤشراً على المزاج الحالي للمجتمع ومدى استعداد النظام لفك القبضة الأمنية قليلاً والسماح بالعمل السياسي والاجتماعي، لو بهامش حرية بسيط يمكن أن تتحرك فيه اتجاهات فكرية مختلفة لتنفذ إلى صناع القرار لإيجاد حلول للأزمات.

وأعلن البلشي من اللحظة الأولى لفوزه أنه الآن نقيب للصحافيين كافة، وللذين لم يختاروه قبل من اختاروه. وهو سيعمل بمقتضيات منصبه الجديد الذي يتطلب منه أداء أكثر مرونة في التفاوض مع الدولة، مؤكداً أنه سيخلع رداءه الحزبي على أبواب النقابة وسيمد يده إلى الجميع لإنجاح تجربته. لكن قيادات صحافية محسوبة على النظام تضعه تحت المجهر لتصيُّد أخطائه، وهم يحاولون شيطنة من اختاروه.

من ناحية أخرى، يفتح كل من اختاروا البلشي الملفات ويطالبونه بإيجاد حلول جذرية لمشكلاتهم كافة، ما يجعل منه كلاعب سيرك يمشي على الحبل لإرضاء جمهور الغاضبين الذين أعطوه أصواتهم أملاً في تغيير واقعهم من جهة، وللحذر من المترقبين الذين يتمنون سقوطه من جهة أخرى.

ومع أنّ الرجل صار نقيباً، فإنه رئيس تحرير موقع «درب» المحجوب، ومتهم بنشر أخبار كاذبة. وكانت السلطات قد اعتقلت زميله في «درب» وشقيقه قبل أن تفرج عنهما العام قبل الماضي بعد ستة أشهر في الحبس دون إحالتهما إلى المحاكمة.

وسيرأس البلشي العمل النقابي في مصر وسط تدني مستويات حرية الصحافة وتداول المعلومات على نحو غير مسبوق. فقد بلغ عدد المواقع المحجوبة 606 بينها 118 موقعاً صحافياً وإعلامياً، و16 تابعاً لمؤسسات حقوقية بعضها مهتم بالصحافة والحريات الإعلامية. وبسبب تقلص مساحة سوق الصحافة التي تعيش على الحرية هناك مئات الصحافيين المتعطلين عن العمل، منهم 500 على الأقل يصرفون إعانة بطالة من نقابتهم بعدما أغلقت صحفهم أو جرى تشريدهم.

أيضاً يعاني الصحافيون من صعوبة العمل الميداني خاصة المصوّرين الذين يُمنَعون من التصوير إلا بعد الحصول على تصاريح خاصة. كما صدرت تعليمات بمنع إعطاء الصحافيين تصريحات إلا عبر البيانات الرسمية، ما جعل الصحف متشابهة في العناوين والمحتوى. ويقبع داخل السجون 27 صحافياً بتهم نشر أخبار كاذبة، وبعضهم لم يُحكم عليهم وترفض السلطات الإفراج عنهم بأي ضمان بل يجري تجديد حبسهم دون أفق لمحاكمتهم أو إخلاء سبيلهم.

محمد العريان

صحافي مصري

×