22 حزيران 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

الذكاء الاصطناعي (1): بيان حال

ملاك غندور

19 كانون الثاني 2023

كان لزاماً ابتكار الوسائل والاختبارات لتقييم أيّ آلة تدّعي هذا الذكاء (تصميم المراسل)

تستهل المقالة سلسلة عن الذكاء الاصطناعي ستعالج واقعه ونقاشاته العلمية وتأثيراته علينا.

 

مع تراكم الإنجازات العلمية في مجال الذكاء الاصطناعي، نسمع الكثير من التحذيرات حول «الخطر الداهم» و«الموت المحدق»: عناصر غير منضبطة من الروبوتات القاتلة ستغزونا وتمحو البشرية عن بكرة أبيها! هل هذا سيناريو واقعي أو نسج من الخيال العلمي؟ لسنا في وارد الإجابة حالياً، وإنّما الهدف استعراض واقع النظم الذكية من منظور علمي بحت.

ينبثق أساس الحقل العلمي المسمى «الذكاء الاصطناعي» من تصوّر مفاده أنّ الذكاء الإنساني قابل للاستخلاص والمحاكاة في آلة، لكن للأخير أوجه عدة: ذكاء تحليلي، ذكاء رياضي، ذكاء تخطيطي واستراتيجي، ذكاء منطقي واستنتاجي، ذكاء اجتماعي، ذكاء لغوي، ذكاء عاطفي... فعن أيّ ذكاء يتحدّثون؟

في بادئ الأمر، تحديداً في منتصف القرن العشرين مع نشأة هذا المجال العلمي، انصرف العلماء والباحثون إلى التركيز على نوعين من الذكاء. الأوّل هو الذكاء المنطقي والرياضي، وهنا كان جلّ هدفهم إنتاج آلة قادرة على حلّ لغز، أو لعبة بقدرات تخطيطية منطقية ورياضية تضاهي قدرة الإنسان، أو تحاكيها على أقل تقدير. بمعنى آخر: اختصروا ذكاء الإنسان بالقدرة على الوصول إلى حلّ مسألة عبر التحليل المنطقي والرياضي ظناً أنّ هذه القدرة هي التي تميّز البشر عن سائر المخلوقات، واستيعاب هذه المهارة في آلة يعني أننا تمكنّا من بناء ذكاء اصطناعي.

بعد تعريف هذا النوع من الذكاء وتحديده بوضوح، كان لزاماً على العاملين في المجال ابتكار الوسائل والاختبارات لتقييم أيّ آلة تدّعي هذا الذكاء. ما وحدة القيس لهذا النوع من الذكاء؟ هنا جاء اختيارهم لعبة الشطرنج كوسيلة للتقييم كونها تشكّل المعيار الأمثل للاستدلال على ذكاء الإنسان الرياضي والمنطقي (لا يستطيع أيّ حيوان أن يتعلم قواعد هذه اللعبة، فضلاً عن أن يمارسها بإتقان، أو أقله لم يثبت عكس ذلك بعد).

بذلك، أضحى الهدف هو فوز الآلة على بطل العالم في الشطرنج لإثبات ذكائها، ومن ثم قدرة الذكاء الاصطناعي على التفوّق على الإنسان.

النوع الثاني هو الذكاء اللغوي، أي قدرة الإنسان على التواصل مع أبناء جنسه عبر استخدام اللغة، وهي قدرة فريدة من نوعها في المملكة الحيوانية، ولذلك كان منطقياً أن يسعى العلماء إلى محاكاة هذه القدرة في آلة. لا بدّ من الإشارة إلى جدال فلسفي مهم رافق هذه الجهود منتصف القرن الماضي: هل لدى الآلات القدرة على التفكير؟ كان هذا السؤال يطفو فوق السطح عند مقاربة هذا النوع من الذكاء نظراً إلى عمق العلاقة المتأصِّلة بين اللغة والفكر، واللغة والتعقّل، واللغة والإدراك. هنا ولِدت فكرة العالم الإنكليزي الشهير، آلان تورينغ، المعروفة بـ«اختبار تورينغ» (1950).

أعاد تورينغ صياغة السؤال من: «هل لدى الآلات القدرة على التفكير؟» إلى: «هل لدى الآلات القدرة على تبادل أطراف الحديث إلى الحد الذي يجعل من الصعب على أيّ إنسان يحاورها من خلف ستار، أي أنّه يجهل ماهيتها، أن يميّز هل يخاطب إنساناً أو آلة». بعد تصويبه النقاش، أمسى اختباره هو المعيار لتقييم ذكاء الآلة لغوياً، علماً أنّ كثيرين من العلماء المعاصرين يدعون إلى التخلي عن هذا الاختبار لأنّه في جوهره يقيس مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على الخداع والتحدّث بطريقة تشبه الإنسان.

 

«تكلّم حتى أراك»

إنّ التركيز على هذين النوعين من الذكاء كان نابعاً من اعتقاد الباحثين بأنّ هذه القدرات الذهنية هي الأعلى في هرم القدرات الإنسانية، وبالتالي صعبة المنال في إطار ذكاء اصطناعي، وبأنّ كل ما عداها سيصير أمر محاكاته في آلة ميسوراً متى فُكّت شفرة هذه القدرات المجرّدة.

اختلفت على مرّ السنوات المقاربات الفكرية حول خلق هذين النوعين من الذكاء، وهذا شق يحتاج بحثاً منفصلاً لكن ما يهم هو النتيجة: لقد استطاع العلماء تطوير خوارزميات أدّت إلى تغلّب ذكاء اصطناعي على بطل العالم في الشطرنج الروسي غاري كاسباروف سنة 1997. ليس ذلك فحسب، بل استطاعوا تطوير ذكاء اصطناعي تغلّب في 2017 على بطل العالم في لعبة «غو» الصيني كي جي، وهي لعبة تعدّ أكثر تعقيداً من الشطرنج في بعض المقاييس.

كذلك، نجح العلماء في تطوير برامج محادثة (أو ما تُعرف تقنياً بالنماذج الكبيرة للغة مثل ChatGPT) قادرة على تبادل أطراف الحديث مع الإنسان بكلّ سلاسة، إلى حدّ يخيّل معه أنّ الآخر هو إنسان حقيقي! لكن تجدر الإشارة إلى أنّه طبقاً لطرق التقييم العلمية الصارمة، لم ينجح أيّ ذكاء اصطناعي في تجاوز «اختبار تورينغ» إلى الآن، رغم أنّ المستوى اللغوي لهذه البرامج مذهل.

لدينا في المحصلة ذكاء اصطناعي قادر على الكلام، وعلى التغلب (رقمياً) على الإنسان في لعبتي الشطرنج و«غو». لكنّ المفارقة هنا أنّ هذا الذكاء الاصطناعي عاجز عن ملاعبة أيّ قطعة شطرنج بالبراعة والخفّة التي لطفل لم يبلغ خمسة أعوام! فلو وقعت قطعة الشطرنج على اللوح، لرأينا الآلة تعاني لإعادتها إلى موضعها.

الواقع أنّه إذا خرجنا من العالم الافتراضي والرقمي حيث تزدهر هذه الخوارزميات، نحو العالم الفيزيائي والمادي حيث الروبوتات هي تجسيد هذا الذكاء الاصطناعي، لاستنتجنا دون أيّ التباس أنّ الإنسان لا يزال يتفوّق على هذه الروبوتات في القدرة على التحرّك وتحريك الأشياء التي تحيط به، والقدرة على الفعل والتفاعل الجسدي مع الأشياء والأدوات.

 

«سأنزع بطارياته!»

إنّ خلاصة نصف قرن ونيّف من الأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي خلصت إلى أنّ القدرات والمهارات التي كنّا نظن أنّ من الصعب محاكاتها في ذكاء اصطناعي تبيّن أنّها سهلة مقارنة بمهارات كنّا نظنها أكثر سهولة كالحركة والتلاعب بالأشياء والأدوات، والتي اتضح أنّها في غاية الصعوبة. باتت هذه الخلاصة تعرف بـ«مفارقة مورافيك» تيمّناً بالعالم النمسوي هانز مورافيك.

عجز العلماء حتى الآن عن صناعة روبوتات تحاكي هذا الذكاء الحركي للإنسان، ولا للحيوانات. يجب أن نعي أنّ قدرة الإنسان على التفاعل الجسدي مع الأشياء عبر استعمال يديه (خاصة الإبهام) هي من أهم أسباب هيمنته على الكرة الأرضية دون سائر المخلوقات. فهو يصنع الأدوات ويستعملها للتشييد، وصناعة التكنولوجيا، وإعداد الطعام، وحياكة الملابس، وهذا ذكاء بكلّ ما للكلمة من معنى.

إنّ القدرة على الحركة والتحكّم بأجسادنا برشاقة وخفّة هي من النظرة العلمية مسألة حسابية رياضية معقّدة جداً. ونحن هنا لا نتحدث فقط عن المهارات البدنية للاعبي الرياضة العالميين أمثال ميسي، وفيدرر، وسيمون بايلز. فأبسط حركة لأيّ طفل كأن يحمل مكعب تركيب (ليغو) بيد واحدة ويتلاعب به بأطراف أصابع اليد الواحدة هو من المنظور العلمي إنجاز أولمبي! فلإتمام هذه الحركة البسيطة، على الدماغ البشري حساب المسار الذي يجب أن يتبعه هذا المكعب داخل اليد، ثم القوة التي يجب أن ينتجها كل إصبع على المكعب كي يتبع هذا المسار، ثم مدى تفعيل كلّ عضلة في كلّ إصبع حتى يساوي الناتج القوة المطلوبة و...

لهذا، لاحظ العلماء أنّه كلّما كان الدماغ والجهاز العصبي لأيّ كائن حيّ أعقد، كان قادراً على تحرّكات أكثر تعقيداً. بالمناسبة إنّ أحد أهم الباحثين في علم الحركة، البروفيسور الإنكليزي دانيال وولبيرت، لديه رأي متطرّف في هذا الخصوص، إذ يدّعي أنّ مهمة الدماغ الوحيدة هي التحكّم في الحركة، ووفقاً له حتى المشاعر التي تتشكّل في الدماغ بلا فائدة إن لم تنتج عنها حركة: نفرح فيتفاعل جسمنا ونحرّك وجهنا، كذلك الأمر عندما نحزن. قد يتبادر إلى ذهن القارئ هنا أنّ العقدة تكمن في سرعة الحساب: فلنزوّد الروبوت بقدرة حسابية أسرع فتحلّ المشكلة. لكنّ المفارقة أنّ سرعة الحاسوب الذي يتحكّم بحركة الروبوت تفوق سرعة الدماغ بمئة وأربعين ضعفاً على أقلّ تقدير، ومع ذلك، ما زال الإنسان متفوقاً على الروبوتات.

ماذا عن اللقطات المنتشرة على «يوتيوب» لروبوتات تؤدي حركات بهلوانية تثير الدهشة؟ الجواب: خلف كواليس كلّ حركة أو مهارة هناك خبير يبذل مجهوداً جباراً ويمضي وقتاً طويلاً لبرمجة هذه الحركة في بيئة مختبرية منظّمة حيث كلّ شيء تحت سيطرة المبرمج. في معظم الأحيان، يكون هذا الخبير تلميذ دكتوراه يستنفد سنوات دراسته كلّها ثم يمضي ويأتي تلميذ آخر ليزوّد الروبوت بمهارة جديدة، فما نراه هو أقرب إلى الدمى المتحرّكة منه إلى السلوك الذكي والمستقل.

بناء على ما تقدّم ما احتمال نشوب حرب بين الروبوتات والبشر في المدى المنظور؟ لا أدري لكن إذا وجدت نفسي عرضة لهجوم رجل آلي، فسوف أعمل بنصيحة بروفيسور مشهور في معهد ماساتشوستس التكنولوجي: سأنزع بطارياته!

ملاك غندور

اسم مستعار لباحث جامعي في مجال الذكاء الاصطناعي والعلوم العصبية.

×