1 نيسان 2023

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

نشيد الحرب

دينو بوتزاتي

11 كانون الثاني 2023


لوحة لدينو بوتزاتي أنجزها في العام 1958 بعنوان «هلمّوا يا أبناء الوطن»

صدرت العام 1958. ترجمة رامي طويل.

 

رفع الملك رأسه عن الطاولة الكبيرة المصنوعة من الفولاذ والألماس متسائلاً: «ما الذي يغنيه جنودي بحق الجحيم؟».

في الخارج، كانت كتائب وكتائب، بالمشية العسكرية، تعبر ساحة التتويج باتجاه الحدود وهم ينشدون. الحياة بالنسبة إليهم باتت يسيرةً لأنّ العدوّ كان حقّاً يهرب، وفي البراري البعيدة ما عاد هناك للحصاد غير المجد الذي يتوّج العودة. الملك أيضاً أحسّ بالنشوة والثقة بالنفس. العالم كان على وشك الخضوع.

«إنه نشيدهم» أجاب المستشار الأول المغطّى أيضاً بالدروع والحديد بحسب نظام الحرب.

قال الملك: «ولكن أليس لديهم ما هو أكثر بهجةً؟ لقد كتب شرودر أهازيج غاية في الجمال لجيوشي. وقد سمعتها بنفسي، إنها أغاني عسكر حقيقية»

«ما الذي تريده جلالتك؟» قال المستشار العجوز الذي بدا أكثر انزعاجاً تحت ثقل الأسلحة ممّا هو عليه في الحقيقة: «للجنود، كما للأطفال، نقاط ضعفهم. حتى لو منحتهم أفضل أهازيج في العالم فإنهم دوماً يفضلون أناشيدهم»

«لكن هذا ليس نشيد حرب» قال الملك: «ويمكن القول إنهم يبدون حزانى عندما ينشدونه»

«لن أقول غير ذلك» وافق المستشار مع ابتسامة تنطوي على تلميحات ثناء: «ربّما تكون أغنية حب، قد لا تكون شيئاً آخر، ربما»

«وماذا تقول الكلمات؟» استفسر الملك.

«لا أعلم في الحقيقة» أجاب الكونت العجوز غوستافو: «سأحضرها لك».

الكتائب بلغت حدود الحرب، سحقت العدو بطريقة مرعبة، احتلت الأراضي، هدير الانتصارات ذاع في العالم كله، القعقعة تلاشت في السهول بعيداً عن قباب القصر الفضية.

من مخيماتهم المسوّرة بأبراج مجهولة كانت دوماً تصدح الأغنية ذاتها؛ حزينةً، غير بهيجة. ليست أغنية حرب أو انتصار، بل أغنية مليئة بالمرارة.

الجنود كانوا يتغذون جيداً، يرتدون ملابس طرية، ونعالاً أرمنية جلدية، ومعاطف فرو دافئة. الخيول تندفع من معركة إلى معركة أخرى تكون دوماً أطول، العبء الثقيل كان فقط ممن يرفعون رايات الأعداء. لكن الجنرالات كانوا يتساءلون: «ما الذي يغنيه الجنود بحق الجحيم؟ أليس لديهم ما هو أكثر بهجةً؟»

«إنهم هكذا» كان يجيب أعضاء هيئة الأركان: «شبّان بغاية الصلابة، لكن لديهم ثوابتهم»

«ثبات باهت» يقول الجنرالات متذمرين: «أووه، يبدو أنهم يبكون. ما الذي يبتغونه أكثر؟ يبدون غير راضين».

بالعكس، لقد كان جنود الأفواج المنتصرة، واحداً تلو الآخر، سعداء. ما الذي يمكن أن يرغبوا به أكثر؟ فتحٌ بعد آخر، ثروة من الغنائم، نساء نضرات للمتعة، العودة المظفّرة قريباً. محو العدو نهائياً عن وجه الأرض بات يُقرأ على جباه الشبان وافري الصحة والقوة.

«ما الذي تقوله الكلمات؟» يسأل الجنرال بفضول.

«آه، الكلمات! إنها كلمات غبية حقاً» يجيب أعضاء هيئة الأركان متحفظين وحذرين دوماً جرياً على عادتهم القديمة.

«غبية أو لا، ما الذي يقولونه؟»

«لا أعرف بالتحديد، يا صاحب السعادة» قال أحدهم: «كلمات هذه الأغنية؟ أنا لا أعرفها. لكن هنا الكابتن مارين، وهو طبعاً...»

«إنه ليس ملعبي أيها الكولونيل» أجاب مارين: «نستطيع أن نسأل المارشال بيترز، إذا سمح...»

«هيّا، كم من القصص عديمة الفائدة، أراهن...» وفضّل الجنرال عدم إتمام عبارته.

بشيء من الحماسة والصلابة، كالرمح، أجاب المارشال عن الاستفسار: «المقطع الأول يا صاحب السعادة يقول: من الحقول والبلدات، الطبل يقرع، السنوات تمرّ في طريق العودة، طريق العودة، لا أحد يعرف كيف يجدها. ثمّ يجيء المقطع الثاني، الذي يقول: إلى أين وإلى متى...»

«ماذا؟» قال الجنرال: «إلى أين وإلى متى؟»

هي كذلك يا صاحب السعادة.

«وماذا تعني إلى أين وإلى متى؟»

«لا أعرف، سعادتكم، لكنهم يغنونها هكذا تماماً»

«حسناً، وماذا تقول بعد ذلك؟»

«"إلى أين وإلى متى تمضي السنين قدماً، حيث تركتك، حيث تركتك، هناك صليب". ثمّ هناك المقطع الثالث، وهو تقريباً لا يغنّى. ويقول: ...»

«كفى، هذا يكفي» قال الجنرال، وأدّى المارشال التحية العسكرية: «لا تبدو لي شديدة البهجة» علّق الجنرال فيما صفّ الضابط يبتعد: «كما أنها غير ملائمة للحرب»

«بالفعل إنها غير ملائمة» وافق كولونيالات هيئة الأركان.

كل مساء، مع انتهاء المعارك، وبينما الأرض ما تزال تحترق، كان الرسل السريعون الذين تمّ انتقاؤهم يطيرون لنقل الأخبار المفرحة. المدن كانت مغطّاة بالأعلام، الناس يحتضنون بعضهم البعض في الشوارع، أجراس الكنائس تقرع. لكن من يعبر الأحياء الفقيرة ليلاً يسمع أحدهم يغني، رجال، فتيات، نساء، ودوماً هي تلك الأغنية ذاتها التي لا يعرف أحد متى ظهرت. كانت حزينة بما فيه الكفاية، وفي الواقع، كانت تختزن داخلها الكثير من الاستسلام. شابات شقراوات متكئات إلى حواف النوافذ كنّ يغنينها مع شعور بالخسارة. في تاريخ العالم، حتى لو عدنا قروناً إلى الوراء، أبداً لن تُذكر انتصارات مماثلة، أبداً لم تكن هناك جيوش محظوظة بهذا الشكل، جنرالات بمثل هذه المهارة، تقدّم بهذه السرعة، أراض تُحتل بهذه الكثرة. حتى آخر جنديّ من جنود المشاة سيجد نفسه أخيراً سيداً ثرياً، كثيرة الأشياء التي سيتم اقتسامها. ما عاد للآمال حدود. المدينة في ابتهاج، في المساء يتدفق النبيذ حتى العتبات، المتسولون يرقصون، وبين كوب وآخر، هناك أغنية صغيرة تدور بين جوقة من الأصدقاء. «من الحقول والبلدات...» يغنون حتى المقطع الثالث. وإذا ما عبرت كتائب جديدة ساحة التتويج في طريقها إلى الحرب، فإنّ الملك يرفع رأسه قليلاً عن المخطوطات والنصوص مصغياً، غير قادر على تفسير تأثره بهذه الأغنية.

لكن، المزيد من الأفواج تتقدم عبر الحقول والبلدات من عام إلى آخر، دون أن يقرروا السير في الاتجاه المعاكس، وأولئك الذين راهنوا على الوصول الأخير خسروا. مزيد من الأخبار المفرحة، معارك، انتصارات، انتصارات، معارك.

الآن تمضي الجيوش في أراضٍ شديدة البعد ذات أسماء يصعب نطقها. حتى (من نصرٍ إلى نصر) وصل اليوم الذي هُجرت فيه ساحة التتويج، نوافذ القصر أوصدت، وعند بوابات المدينة قرقعت عربات أجنبية غريبة راحت تقترب، من الجيوش التي لا تقهر ولدت، في السهول النائية غابات لم تكن موجودة قبلاً، غابات رتيبة من الصلبان التي تمتدّ حتى الأفق، ولا شيء آخر.

لماذا لم يُحتجز القدر لا بالسيوف، ولا بالنار، ولا بغضب الفرسان المندفعين، بل بالأغنية المذكورة أعلاه والتي بدت، منطقياً، بالنسبة إلى الملك والجنرالات غير ملائمة للحرب.

لسنوات، وبإصرار، وعبر إشارات بسيطة، تحدثت الحقيقة عن نفسها معلنةً للرجال ما تقرر. لكن القصور، الزعماء، الوزراء الحكماء، كانوا صمّاً كالحجارة. أحد لم يفهم. وحدهم الجنود المتوّجون بمئة انتصار دون أن يدركوا، وهم يمشون منهكين مساءً في الشوارع، نحو حتفهم، كانوا يغنون.

دينو بوتزاتي

كاتب وصحافي ومسرحي ورسام إيطالي (1906- 1972). إضافةً إلى عشرات القصص القصيرة والسيناريوهات ذات العوالم الخاصّة، كرسته رواية صحراء التتار (1940)، ورواية حب (1963)، كواحد من أهم الكتاب الإيطاليين في القرن العشرين.

×