27 تشرين الثاني 2022

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

ختام قصة حنين وتهوّر

المراسل ومتعاونون

23 تشرين الثاني 2022


(The Athletic)

في إحدى ليالي الصيف الرطبة من العام 2003، تبارز ناديا مانشستر يونايتد وسبورتينغ لشبونة في مباراة ودّية استضافتها المدينة البرتغالية. لم يتوقّع أحد لهذه المباراة أن تشهد أيّ حدث بارز، كغيرها من المباريات التي ذهبت طيّ النسيان في تاريخ كرة القدم. فكان نادي يونايتد قد وصل للتو إلى لشبونة آتياً من الولايات المتّحدة بعد جولة مُرهِقة، وآثار اختلاف التوقيت بادية على لاعبيه الذين سجّلوا أداءً ضعيفاً كما هو متوقع.

لم يكن الجمهور ليتذكر تلك المباراة لولا لاعب الجناح الطويل القامة والنحيف لدى نادي سبورتينغ، ذو خصل الشعر الشقراء، والذي يلفّ شريطاً حول أذنه ليغطي قرطه الماسي البرّاق، ويتبختر في كلّ حركة له كأنه يمتلك الملعب وما عليه. كان أداؤه لامعاً بقدر الماسة المتلألئة في أذنه، إذ انساب ببراعة كراقص باليه، يراوغ ويتجاوز لاعبي مانشستر يونايتد، ويتفوّق على المدافع جون أوشي عند كلّ منعطف. ذُهِل فريق يونايتد بهذا اللاعب العبقري والجريء، الذي ظهر فجأة بصورة غير متوقّعة ليُبهر الجميع. بالكاد مرّ أسبوع قبل أن يستقبله مانشستر يونايتد ضمن صفوفه، ويمنحه «قميص العظماء» رقم 7، الذي ارتداه قبله أساطير في كرة القدم مثل جورج بست، محبّ الشامبانيا، والمشعوذ إريك كانتونا، ولاعب الوسط ديفيد بيكهام.

نتحدّث بالطبع عن كريستيانو رونالدو. بعد 18 سنة تقريباً من تلك المباراة، في أواخر آب/أغسطس 2021، عاد رونالدو مجدّداً إلى مانشستر يونايتد وهو في خريف مسيرته الاحترافيّة في سنّ السادسة والثلاثين. في الحقيقة، شكّلت عودته أبرز مثال على استراتيجية النادي لاجتذاب اللاعبين، التي تتسّم بالعشوائية، وسوء التوقيت، والصفقات المُغرية مالياً.

لم يكن رونالدو من بين الخيارات المطروحة فعلاً ضمن استراتيجية النادي حتى الليلة الأخيرة قبل عودته الحماسيّة. فقد خصّص النادي قبل ذلك ميزانية قدرها 100 مليون جنيه إسترليني لضمّ جادون سانشو، ورافاييل فاران إلى صفوفه، وفي حين أنّ شائعة مغادرته لنادي يوفنتوس شكّلت السرّ الأكثر تداولاً على الألسن ذلك الصيف، لم يكن رونالدو قد حسم خياره بعد. ولكن عندما بدأت الشائعات تدور حول موافقته على الانضمام إلى مانشستر سيتي، الواقع على بعد نصف ساعة غربي ملعب أولد ترافورد، أُصيب نادي مانشستر يونايتد بالهلع، تماماً كما يحصل كلما هاجم فريق منافس وسط ملعبه.

خلال الساعات الـ24 التالية، انهال الجميع، من المُلهِم الأبدي أليكس فيرغسون إلى باتريس إيفرا، الملاك الحارس، بالمديح على رونالدو (أو لعلّهم حاولوا إشعاره بالذنب) لدفعه إلى العودة إلى ناديهم. وبعد الموافقة على دفع 12 مليون جنيه إسترليني لنادي يوفنتوس، ومنح رونالدو عقداً لمدّة عامين بقيمة 25 مليون جنيه إسترليني سنوياً، حسب التقارير، أُنجزت صفقة الانتقال الأكثر إثارة للحنين والأكثر دراماتيكيّة، كما والأكثر تهوّراً خلال ذلك الصيف.

كان دافع مانشستر يونايتد لعقد الصفقة مع رونالدو بسيطاً: إنّ فكرة انضمام أحد أفضل لاعبيهم على الإطلاق إلى نادي مانشستر سيتي لا تُطاق، ولا بدّ من إفشالها مهما كان الثمن. وعليه، اعتبرت إدارة مانشستر يونايتد، أي المدرّب آنذاك أوله غونار سولسكاير، والرئيس التنفيذي إد وودورد، ورئيس النادي المشارك جويل غلازر، أنّ انضمام رونالدو إلى منافسهم الأبرز سيشكّل كارثة على صعيد العلاقات العامة، من شأنها أن تدق ناقوس الموت لنادي يونايتد، وتُنذِر بفقدان مكانته كأحد أعظم أندية كرة القدم. والأهم، إذا تمكّن نادي مانشستر سيتي من اجتذاب رونالدو، يكون قد استحوذ على فصل من أبرز فصول تاريخ مانشستر يونايتد، ليُضاف هذا الإنجاز إلى تفوّق «السيتي» الميداني بأشواط على يونايتد على أرض الملعب.

بطبيعة الحال، فإنّ رونالدو هدّاف ذو قدرات خارقة لم يسبق لكرة القدم أن رأت مثيلاً له، ومن غير المرجح أن يظهر لاعب ببراعته عمّا قريب، ولا شكّ أنّ ذلك شكّل أحد العوامل التي دفعت مانشستر يونايتد إلى اختياره. فخلال المواسم الثلاثة التي لعب فيها لصالح يوفنتوس، سجّل رونالدو عدداً استثنائياً من الأهداف بلغ 101 في 134 مباراة. وبحسب الإحصاءات الرسمية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، صار رونالدو، في حينها، أفضل هدّاف في التاريخ، مسجّلاً عدداً يكاد لا يُصدّق من الأهداف، بلغ 803 في 1118 مباراة. كذلك، أثناء لعبه لصالح يوفنتوس، فاز رونالدو مرتين ببطولة الدوري الإيطالي، ومرتين بكأس السوبر الإيطالية، ومرة بكأس إيطاليا، وحاز جائزة الحذاء الذهبي للدوري الإيطالي الدرجة الأولى (كابوكانونيري) مرة واحدة.

تلك الإنجازات كلّها كانت تشير إلى أنّ رونالدو لا يزال من نخبة اللاعبين حول العالم. ولكن كما عوّدتنا كرة القدم، غالباً ما تُخفي الإحصاءات مواطن ضعف كثيرة بين سطورها. فقد وقّع نادي يوفنتوس صفقة مع رونالدو بهدف الفوز بدوري أبطال أوروبا تحديداً، بعد انقطاع عن هذا اللقب منذ العام 1996، علماً أنّ النادي تأهل لنهائيات هذه البطولة ثلاث مرّات هذا القرن. إلا أنّ رونالدو حدّ من المرونة التكتيكية ليوفنتوس، كما أنّ رتابته وامتناعه عن ممارسة الضغط على الفريق الذي يستحوذ على الكرة جعلا منه لاعب «النخبة» الأعلى كلفة على الإطلاق. فخلال مواسمه الثلاثة في يوفنتوس، خسر الأخير ضدّ نادي أياكس في ربع النهائي، وضدّ ناديَيْ ليون وبورتو في دور الـ16. ونظراً إلى جمود رونالدو على الملعب عندما لا تكون الكرة في حوزته، اضطرّ يوفنتوس عملياً إلى ممارسة الضغط والدفاع ضدّ أندية هي من الأقوى في العالم بتسعة لاعبين فقط، وهي استراتيجية أثبتت فشلها الذريع على مدى ثلاث سنوات متتالية.

تكرّر المشهد نفسه في الموسم الماضي. لا ينكر أحد أنّ رونالدو قادر على نسج لحظات ذهبيّة في تاريخ كرة القدم، خصوصاً في الثواني الأخيرة المتسارِعة والمشوّقة، حيث نحبس أنفاسنا ترقّباً قبل أن تعلو الصيحات، ويقفز الجميع من مقاعدهم. تكثر الأمثلة عن هذه المشاهد الممتعة، ومنها تسجيله هدفَيْن ضد وست هام فور عودته إلى أرض ناديه في أولد ترافورد.

شكّلت أهداف رونالدو الإنجازات الوحيدة التي حقّقها مانشستر يونايتد منذ تعيين رالف رانغنيك كمدرّب له في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 خلفاً لسولسكاير، قبل عهد اريك تن هاغ الذي بدأ الصيف الماضي.

لا شكّ في أنّ رونالدو ‪كان من بين أسباب الفشل. فبدا واضحاً أنّ نادي يونايتد بقيادة سولسكاير سجّل أداءً تكتيكياً أدنى من ليفربول ومانشستر سيتي، مع العلم أنّ الأخيرَيْن يتفوّقان في هذا المجال على جميع الأندية الأخرى في العالم. فقد اعتمد يونايتد أسلوب الدفاع المتراجع نحو مرماه في معظم المباريات الأساسية ضدّ الستّة الكبار في الدوري الإنكليزي، أو ضدّ الأندية الأوروبية، ما قلّص من هامش حركته في الملعب، ودفعه إلى الاعتماد المفرط على الهجمات المرتدّة. ومع أنّ يونايتد تلقّى بعض الهزائم الكاسحة، لعلّ أشدّها كان نتيجة 5-صفر في مباراة ضدّ ليفربول، لا يمكن القول إنّ سجلّ سولسكاير عبارة عن سلسلة من الإخفاقات المتتالية‪.

غير أنّ المشاكل بدأت تبرز عند اضطرار يونايتد إلى اتّباع تشكيلات التمرير وأنماط التموضع التي تتميّز بها كرة القدم المعاصرة وأندية النخبة فيها. فقد عانى الفريق من بطء الحركة، وافتقر إلى اللعب الديناميكي، والقدرة على الاختراق في الممرّات الداخلية، لكنّه حافظ نوعاً ما على قدراته الهجومية (من دون أن يحقّق نجاحاً متميّزاً في هذا المضمار)، وحلّ في المرتبة الخامسة من حيث الضغط في ثلث الملعب الهجومي خلال موسم 20/21. لكنّ ذلك كله لم ينفعه في الموسم التالي، إذ حلّ يونايتد في المرتبة الرابعة قبل الأخيرة من حيث الضغط.

ومع أنّ هذا الإخفاق شكّل جزءاً من مشاكل أوسع نطاقاً على مستوى التدريب، يعود السبب الأساسي فيه إلى عودة رونالدو إلى النادي. فرغم أنّ لياقته البدنية متميّزة للاعب في عمره، إذ يبدو جسده كتمثال إله مفتول العضلات، ومصهور تحت أشعّة الشمس الحارقة، لم يحقّق رونالدو سوى 7.4 حالات ضغط كمعدّل عام في كلّ مباراة، أي نصف المعدّل المتوسط لمهاجمي الدوري الإنكليزي. لذا، لا يعوّض جسد البطل الأسطوري امتناعه المستمرّ عن ممارسة الضغط، وهي مشكلة بدت واضحة في المواسم الخمسة الأخيرة على الأقلّ في أدائه في ريال مدريد، ويوفنتوس، ومانشستر يونايتد، إذ إنها تُضعِف بشدّة التماسك الهيكلي للفريق.

فنظراً إلى أنّ مانشستر يونايتد كان يعتمد تشكيلة 4-3-3 بصورة عامّة، مع لاعبَيْ جناح يغطّيان عرض الملعب، قوّض الضغط الضعيف الذي مارسه رونالدو قدرة فريقه على إحباط هجمات منافسيه. ففي التشكيلات العريضة، يُفضَّل أن يحتلّ المهاجم المركزي الممرّ الداخلي بين قلب الدفاع والظهير، اللذين لا غنى عنهما، ما يسمح للاعبي الوسط ولاعبي الدفاع بالتقدُّم وتشكيل وحدات ضغط فعّالة في مواجهة الخصم. لكنّ يونايتد ‪كان عاجزاً بكلّ بساطة عن تحقيق ذلك في وجود رونالدو. في الحقيقة، كان بإمكان النادي التأقلم مع هذا الواقع لو أنّه اعتمد أنماط تموضع تكتيكية كلاسيكية، وتشكيلة الدفاع المتراجع. فالهدف الأساسي من الدفاع المتراجع يكمن في تقليص هامش الحركة في ثلث الملعب الدفاعي، والسماح للخصم بالاستحواذ على الكرة، وحثّه على دفع عدد أكبر من لاعبيه إلى التقدُّم، ما يسمح للفريق المُدافِع باستغلال المساحات الفارغة من خلال هجمات مرتدّة سريعة.

لكنّ سولسكاير، ورانغنيك من بعده، لم يقوما بأيّ من ذلك، إذ لم يزيدا من مستوى الضغط، ولم يعتمدا تشكيلة دفاعية مرصوصة الصفوف، فبقي النادي يتأرجح بين نظريّتَيْن تكتيكيّتَيْن من دون أن يتمتّع بالبراعة الكافية لتنفيذ أيّ منهما. حتى إنّ لاعبي الوسط لدى يونايتد بدوا كقوارب ورقيّة عالقة في عاصفة هوجاء في وسط المحيط، ترميهم الأمواج العاتية في كلّ حدب وصوب.

شكّل رونالدو أحد أعراض هذه المشكلة، وأحد مسبّباتها في آن معاً. فهو غير قادر على ضبط الفلسفة التكتيكية للنادي، أو كيفية تنفيذها من قبل زملائه في الفريق، نتيجة رفضه المشاركة في التكتيكات الدفاعية (إذ يستحيل التصديق أنه يعجز عن القيام بذلك لو أراد). وقد أدّى ذلك إلى تدمير ما تبقى من تماسك هيكلي لدى يونايتد، تماماً كما حصل أثناء لعب رونالدو لصالح يوفنتوس. فصحيح أنّه بارع في تسجيل الأهداف، أي في المهمّة الأصعب في كرة القدم كما يذكّرنا دوماً المذيعون ببذّاتهم الرمادية، ووجوههم الحمر تحت مصابيح أستوديوهات التصوير. وصحيح أيضاً أنّ رونالدو سجّل الكثير من تلك الأهداف في اللحظات الأخيرة من المباريات، ما أدّى إلى وابل من عناوين الصفحات الأولى من قبيل «رونالدو ينقذ يونايتد مجدّداً!». لكنّ السؤال الأهمّ هو: كم من هذه الأهداف سيكون ضرورياً لو أنّ الفريق لديه ذرّة من التوازن التكتيكي؟ فرغم أنّ رونالدو الهدّاف الأبرز لدى يونايتد في الدوري الإنكليزي، تراجع عدد الأهداف التي حققها النادي بعد عودته إليه بنسبة 20٪.

بالطبع، يعود هذا التراجع إلى عوامل أخرى أيضاً، ومن الخطأ الزعم أنّ عودة رونالدو هي السبب الوحيد في ذلك، لكنّ توقيع العقد معه كشف غياب التفكير الاستراتيجي للنادي. فكان باستطاعة أيّ كان توقّع الأثر السلبي لانضمام رونالدو إلى الفريق لو أنّ إدارة النادي تمهّلت، ولم تحسم خيارها بتوقيع العقد معه بين ليلة وضحاها.

إلا أنّ أوجه الأزمة تكثّفت مع دخول النادي حقبة جديدة للمرّة الخامسة في غضون عقد من الزمن، على إثر تعيين الهولندي أريك تين هاغ مدرباً جديداً له، قادماً من نادي أياكس ليحاول إنقاذ الشياطين الحمر من شرّهم. لكنّ اللقاء بينه وبين رونالدو كان شبه ناريّ لرفض كلّ منهما تصوّرات الآخر التكتيكية، وشكّل ذلك إشارة أولى إلى المهمّة الصعبة والوعرة التي تنتظر الهولندي لإصلاح نادٍ بلا وجهة أو هيكلية أو استراتيجية، تُسكِره أطلال انتصاراته السابقة التي تتقادَم يوماً بعد يوم.

امتلك تين هاغ الجرأة الكافية لتهميش رونالدو، وإخراجه، ولكنّ ما هو مؤكد، في اليوم التالي على قرار فسخ العقد بين الأخير والنادي، أنّ مانشستر يونايتد صار في قلب عاصفة ستغيّر وجهه، خاصة مع تلميح المالكَين، أفرام وجويل غلايزر، الأربعاء 23 تشرين الثاني/نوفمبر، إلى نيتهما بيع النادي بعد انتقادات كثيرة لإدارتهما، وقد توّجها رونالدو أخيراً بتصريحات نارية.

رغم كلّ ذلك، يبقى رونالدو، للمفارقة، التعبير الأمثل عن نادي مانشستر يونايتد على مدى العقد المنصرم، حيث يطغى التسليع التجاري عبر إثارة الحنين إلى أمجاد الماضي دوماً، على الاحتياجات الفعلية للعنصر الأهمّ في أيّ نادٍ لكرة القدم، أي اللاعبين الـ11 على أرض الملعب.

المراسل ومتعاونون

تقارير يعدّها محرِّرا المجلة ومتعاونون

×