27 تشرين الثاني 2022

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

خارطة بمعالم الماضي الحاضر أبداً

سارة م.

21 تشرين الثاني 2022


الصورة للمصوّر الأميركي أوستن توت

الجيزة، مصر، ١٧ أيلول/سبتمبر – لم أشعر بأيّ ألم عندما ثقبتُ أذنيّ للمرّة الأولى، أو على الأقل لا أذكر أنّني تألّمت في تلك اللحظة، بل أصابني الألم في مراحل لاحقة.

كان أوّل قرطَيْن لي من النوع التقليدي الذي يُعلَّق في شحمة الأذن من كلّ جهة. عادةً ما تُثقَب أذنا الطفلة خلال مخاض الأم، لأنّ الجلد يكون مخدّراً أثناء الولادة. في بعض المجتمعات في مصر، تُثقَب أذن الذكر ويُعلَّق فيها قرط، ثم يُزال عندما يصبح الطفل «رجلاً»، بحسب ما درجت العادة، أي عند انضمامه إلى منظومة السلطة المجتمعية. أما الفتاة، فيبقى القرط معلّقاً في أذنها طوال حياتها.

«كُنتِ طفلة صغيرة تحتضر في غرفة العناية، ثم تغوّطتِ... فابتهجنا فرحاً... إذ علمنا أنّك ستبقين على قيد الحياة!». روَت لي جدّتي مرّة تلو الأخرى قصّة جدي وهو يقرأ القرآن ويشاهدني بعد ولادتي، طفلة تلفّها الأنابيب الطبّية. وُلدتُ قبل شهر من الموعد المحدّد. لا شكّ في أنّني كنت في عجلة من أمري لسبب أو لآخر.

واليوم، بعد عدد لا يُحصى من جلسات التغوّط على العرش الخزفي، يبدو لي أثر القرط الأوّل في أذني كأول معلم على الخارطة... لا بل كرمز اجتماعي ومعروف عالمياً لموقعي ومستقبلي كامرأة في مجتمع خاضع لسطوة الذكور. لقد أصبحتُ جزءاً من هيكلية السلطة التي أمقتها، تماماً كأمي من قبلي. كيف يمكن للمرء أن يصنع أرشيفاً عن ماضيه في ضوء حاضره؟

راودتني هذه الفكرة للمرّة الأولى خلال نقاش مع بناتي. في الدين الإسلامي، يُقال إنّ الوشم من المحرّمات، وإنّ كلّ من يحصل على وشم – وكلّ من يصنع وشماً لغيره – معلون من الله. رأت ابنتي أحد وشومي فسألتني، «لماذا هذا الوشم؟ فليس عندكِ ندبٌ هنا».

فـأجابتها أختها، «بعض الندوب لا يُرى». مع أنّني سبق أن تصوّرت الجسد كأرشيف لحياتنا، لم أنظر إلى الندوب من قبل على أنها تجسيد للألم – سواء الذي عانيناه في السابق، أو الذي ما زلنا نعانيه. فالهدف من الأرشيف هو توفير سرد أو دليل على الأحداث الماضية أو الحاضرة لإبرازها بصورة ملموسة. لطالما اعتبرت أنّ فنّ الجسد هو طريقة وداع للتخلّص من بعض الندوب إلى الأبد، عبر تحويلها إلى أشياء حسّية قبل التخلي عنها. ويصبح الجسد عندئذٍ أرشيفاً يجسّد المستقبل المتجذّر في الماضي، ماضيّ أنا.

معظم الصور من طفولتي تُظهرني فتاةً بكلّ ما للكلمة من معنى، أرتدي الفساتين مع غُرّة منسدلة على جبيني. كنتُ أعشق الأقراط، خصوصاً تلك التي على شكل قلب. لا تزال أمّي حتى يومنا هذا تدعوني «بنّوتة»، وهي عبارة تذكّرني بالجذمور الذي ينمو تحت جسدي، جسدي الذي جعلته لوحة تعبّر عن مكنوناتي. إذا تجاهلنا لبرهة الكراهية التي تنمّ عنها هذه العبارة ضدّ النساء، نلاحظ أنها تعكس أيضاً علاقة القوة بين الأم وابنتها، كامتداد للسلطة الذكورية الأعمّ المتفشية في المجتمع المصري، والعلاقات القائمة على النوع الاجتماعي داخل الأُسر.

يفسّر ذلك الكثير من مكامن الخلل في العلاقة بين الأم وابنتها. فالأمهات يعملن كمُخبِرات للآباء، والآباء يعملون بدورهم كمخبرين لرأس السلطة الذكورية، أي الدولة. ولكن ليس من المحتّم أن تكون علاقاتنا على هذا النحو، ولسنا مُجبرين على الركون لهذه المنظومة التي تُلحِق بنا شتّى أنواع الألم والأذى، وتقمع شخصياتنا، وتمحي جنسانيتنا. تباً لهذه المنظومة كلّها! ألا توافقوني الرأي؟ فلنحبّ أجسادنا التي رافقتنا في السرّاء والضرّاء. فلنُدرك أنّ ندوب معاناتنا النفسية تترك آثاراً في أجسادنا أيضاً، حتى لو لم نستطِع رؤيتها. لقد رأيتُ الألم الذي سبّبته لي كلّ تلك الندوب، وقرّرت أن أزيّنه بالأقراط والوشوم. لقد حوّلت ألمي إلى علامة ملموسة، أبتسم كلّما نظرت إليها.

عندما بلغت الثامنة من عمري تقريباً، أصيبت ركبتي بخدش عميق نتيجة اصطدامي بفلتر المسبح، ولا يزال الندب ظاهراً إلى الآن. وكما هي حال قرطي الأوّل، لا أذكر الألم الذي شعرت به آنذاك، بل إنّ الذكرى الوحيدة في ذهني عن ذاك اليوم شبيهة بنافذة تُطلّ على الماضي، أشاهد عبرها الطفلة التي كنتُها. أشاهد نفسي عندما كنتُ في الثامنة من عمري، وأنا جالسة على مقعد المسبح أحدّق في الدم الذي يسيل من ركبتي، وحارس المسبح يعطيني قطعاً من القطن لوقف النزيف. كانت الشمس ساطعةً، كما هي الحال في معظم صباحات القاهرة في شهر آب/أغسطس، لكنّ المسبح كان خالياً تماماً. أشكّ أحياناً في صحّة هذا المشهد. هل هو دقيق أم أنّه من نسج خيالي؟

تعرّضت لإهانات شتّى من أمّي أثناء نشأتي، مثل «بدينة» و«جبانة» وغيرهما الكثير، ما ولّد فيّ مشاعر من النقمة والغضب، وأفقدني الثقة في الجميع، وقضى على اعتدادي بنفسي، ليأتي بعدها غياب أبي ويفاقِم كلّ هذه المشاكل. كان غياب أبي اجتماعياً ومادياً في آن معاً، إذ إنّني افتقدت رؤيته أيضاً. بعدها، أصبحت أمّي «ربّ الأسرة» والشخصية البالغة الوحيدة في حياتنا. نظرت إلى والدي كبطل طوال العقد الأوّل من حياتي، حتى بدأ ينكث وعوده واحداً تلو الآخر. كنتُ أنام قرب الباب وأنتظر عودته إلى المنزل، وأنا مكوّمة على نفسي، منتظرةً لمسة يده الدافئة على خدّي لأغوص في نوم هانئ، تلك اللمسة التي تُشعرني بالأمان، وكأنه يحملني في راحتَيْ يديه المنبسطتَيْن.

وفي سنّ الثالثة عشرة، فقدت كلّ الوزن الزائد الذي كان سبب توبيخ أمّي المستمرّ لي، وعانيت من اضطراب في الأكل. في الحقيقة، توقفت عن تناول الطعام نهائياً. احتفلت بفقدان الوزن عبر وضع قرط في حلز أذني، كشارة نصر بعدما التأم الجرح، تاركاً وراءه ندباً باهتاً. لا بل كوّنت مجموعة من الأصدقاء الذين شعرت معهم بالأمان والراحة أكثر من عائلتي نفسها، فباتوا هُم عائلتي المختارة. وما جعلني أشعر أنّهم كأفراد عائلتي عن حق هو عزمي على البقاء معهم مع أنّني لم أتّفق معهم جميعاً.

لكنّني أُصبت بالتهاب طفيف في أذني واضطررت إلى إزالة القرط من حلزها، «فتعافيت» مرّة جديدة.

عدت ووضعت قرطاً آخر في حلز أذني في سنّ الرابعة عشرة، قبل أن أقصّ شعري بتسريحة البيكسي القصيرة. وبقيتُ أعاني من اضطرابات في النوم. وضعتُ هذا القرط للاحتفاظ بتذكار عن عودة والدي الوجيزة. وظننتُ أنّ الألم الذي سأشعر به سيصرف انتباهي عن طريقة تعامل والدتي معي، إذ إنها اعتبرتني إحدى صديقاتها ولم تعاملني كابنة. يُقال إنّ على الأمهات مصادقة بناتهنّ في سنوات المراهقة، لكنّ الصداقة شيء وكشف الأم عن أسرارها لابنتها شيء مختلف تماماً. كنتُ مجرّد مراهقة! ما أدراني أنا بهموم الكبار وعلاقاتهم وقضايا الزواج؟ شغلني القرط عن التفكير في هذه الشواغل كلّها، إذ اعتدتُ تحريك القرط في ثقبه للتخفيف من التوتّر.

وُلدت ابنتي الأولى في العام 2006 عندما كنتُ في سنّ الثانية والعشرين، في اليوم نفسه الذي نُقل فيه تمثال رمسيس إلى مقرّه الدائم.

تألّمت كثيراً في ولادتي القيصرية الأولى، فيما كانت الثانية أقلّ ألماً بعض الشيء. لكنّني أُصبتُ بعدها بفتق كبير استوجب علاجاً، وخلّف ندباً في جسدي يمتدّ من جانب إلى آخر، ويذكّرني بسوء المعاملة والامتهان، الطبّي والجسدي والنفسي... من الوصم المرتبط بالبدانة، إلى القرط في حلز الأذن في سنّ الثالثة عشرة، إلى كلّ ما تلا. شعرت بذلك الألم كلّما نظرت في المرآة، مع أنّني حاولت جاهدةً أن أشيح بنظري لتفادي تلك الذكريات.

بعد ذلك كلّه، حان دور معدتي، إذ تقيّأت مرّة في الأسبوع على الأقل. فعندما قررت الطلاق، وطلبت الانفصال عن زوجي لكي أحظى بوقتٍ كافٍ للتفكير، أُصبت بالتهاب اللسان الجغرافي، ولم أتعافَ منه إطلاقاً. ما زالت النتوءات ظاهرة على لساني، لكنّ الالتهاب شُفي. بقي لساني متورّماً لمدّة أسبوع، فبتُّ عاجزةً عن الكلام. لكنّ الصمتَ أشعرني بالسكينة، فمارست مهامي ملتزمةً الصمت.

ثمّ وُلدت ابنتي ليلى، ويا لمحاسن الصدف، إذ لم أتقصّد إنجاب طفل آخر. تركت ليلى العلامة الثامنة على جسدي، وأطلقت شرارة تحرّري. فبعد سنتَيْن من ولادتها، انتقلتُ للعيش في فرنسا أنا وبناتي الثلاث بمفردنا، هرباً من كلّ شيء، ولتجنيبهنّ الغرق في دوّامة العنف وسوء المعاملة اللامتناهية. أردتُ ترك كلّ الألم واللامساواة والذكريات خلفي... تشير إيتيل عدنان إلى الهرب بـ«المنفى»، لكنّها تفرّق أيضاً بين النزوح الجغرافي والمنفى بمعناه العميق، أي ذلك الذي لا يعرف حدوداً جغرافية. وأنا قد نُفيت قبل نزوحي بوقت طويل.

حصلتُ على ثلاثة أقراط جديدة بعد انتقالي إلى فرنسا، ثم قررتُ الحصول على وشم لأغطي الندب على معدتي في العام 2019.

«أغمضي عينيكِ وعدّي للعشرة... هذا الطاووس لكِ، والآخر لي». لطالما ردّدت جدّتي تلك الجملة على مسامعي عندما كنتُ أنام في منزلها في طفولتي. كان سرير جدّتي مغطّى ببطانية مطرّزة عليها رسمُ طاووسَيْن في الوسط، وشكّلت تلك القصّة طريقتها الخاصة لإبقائي على الجهة المخصّصة لي من السرير.

لذا، لم يصعُب عليّ اختيار الوشم. أردت الحصول على ريشة طاووس. فجدّتي كانت امرأة قويّة، وأحبّتني بلا قيد أو شرط، وشعرت بحبّها حتى اللحظة الأخيرة من عمرها.

سألتني الفنّانة، وهي تغرز إبرتها في الندب الضخم على معدتي، وأنا مستلقية أقرأ في الكتاب الذي أحضرته معي إلى جلسة الوشم: «هل تشعرين بالألم؟». أبكاني سؤالها. فكّرت في قرارة نفسي أنّ الألم أصابني وانحسر منذ وقت طويل. أحياناً، بعد العمليات الجراحية، لا نستعيد الإحساس في موضع الجراحة دائماً. أفتخر الآن بعلامة انحسار الألم تلك.

بعد ذلك، تعرّضت لحادث أصابني بألم عميق وأفقدني الخدر الذي عملتُ جاهدةً لأجله في صيف العام 2021. ائتمنت شخصاً واحداً على هذا السرّ، لكنّني لستُ مستعدّة لتدوينه بعد. لستُ أُطيق رؤيته! شكّل هذا الحادث تجسيداً حقيقياً لعلاقات القوّة في الأسرة ومكامن الخلل فيها. حصلتُ عندها على وشم فراشات ثلاث، أضفتها إلى أرشيف جسدي وخارطة معالم الألم. لكنّني لم أتخطَّ بعد الأذى الذي ألحقه هذا الحادث بي.

سألتني إحدى صديقاتي عن أحوالي، فأجبتها: «بصراحة، أنا مشغولة قليلاً بمواعيد تسليم الأعمال، وبالتالي لستُ قادرةً على تعيين موعد لخوض انهيار عصبي قبل بضعة أشهر». أضحكتنا النكتة لأنّها صحيحة. بدأت بطلب المساعدة من الآخرين، عبر إعادة إحياء صداقات قديمة والبحث عن أصدقاء جدد. استجمعت كلّ قواي للتمكُّن من الاستمرار والتغيُّر والنمو. كلّ شيء يبدو منطقياً عندما يغيب المنطق... وهذا بحدّ ذاته منطقي. عبر تحويل الألم الذي أشعر به إلى فنّ ملموس على جسدي، استطعتُ تحمّله والتعافي منه بأقلّ ضرر ممكن.

سارة م.

اسم مستعار لباحثة مصرية في العلوم الاجتماعية.

×