27 تشرين الثاني 2022

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

بوينس آيرس، حيث الكرة في السماء

غابرييل مارتينيز

14 نيسان 2022

العدد التجريبي

في كلّ رُكن من أركان هذه المدينة المجاورة لنهر ريو دي لا بلاتا (نهر الفضّة)، يمارِس السكّان رياضتهم المفضّلة بطرق مختلفة، ولكن القاسم المشترك بينهم جميعاً هو الحماس والشغف بكرة القدم.

لكلّ من سكّان بوينس آيرس شغف يعيش لأجله، وحيّ ينتمي إليه، والأهم، نادي كرة قدم يشجّعه. فمع أنّ الرايات الزرق والذهبية العائدة إلى نادي «بوكا جونيورز» وتلك البيضاء والحمراء العائدة إلى نادي «ريفر بليت» تزيّن معظم أنحاء هذه المدينة، البالغ عدد سكانها 3 ملايين نسمة، فلكلّ ركن من المدينة ألوانه الخاصة، وهو ما يميّز بوينس آيرس عن سواها من المدن حول العالم.

يُعتبَر حيّ «لا بوكا» مهد الناديَيْن الأشهر في المدينة. ومع أنّ مسافة 16 كيلومتراً باتت تفصل بينهما اليوم، فقد تأسّس كلّ من نادي بوكا ونادي ريفر في هذا الحيّ الواقع في جنوب بوينس آيرس. فنظراً إلى قربه من الميناء، استقبل هذا الحيّ الكثير من الوافدين البريطانيّين إلى المدينة، وخصوصاً البحّارة العابرين فيها والعمّال القادمين لبناء سكك الحديد في الأرجنتين، والذين راحوا يلعبون كرة القدم قبل اعتماد قواعدها الموحّدة آنذاك. وقد نُظِّم في الأرجنتين ثالث أقدم دوري لكرة القدم في العالم، بعد الدوريين الإنكليزي والإسكتلندي، وكان سكّان البلد يمارسون اللعبة قبل 40 سنة من إنشاء نادي بوكا جونيورز الرياضي على يد مجموعة مراهقين من أبناء المهاجرين الإيطاليين القادمين من جنوة. حتى إنّ لقب مشجعي النادي باللهجة المحلّية Xeneizes، أي الجنويّون، ما زال يشير إلى أصول النادي الرياضي.

يشكّل هذا الحيّ جزءاً مهماً من ثقافة المدينة، ويُشار إليه بـ«جمهورية لا بوكا» تقديراً لمكانته. فيشعر الزوّار بفرادة هذا الحيّ ما إن تطأه أقدامهم، وذلك بفضل منازله الملوّنة وثقافته الموسيقيّة المميّزة. وفيما يتناقل السكّان عدّة روايات عن سبب إعلان الحيّ «جمهورية مستقلّة»، تحيلنا إحدى هذه الروايات مجدّدًا إلى تأثير الثقافة الجنويّة فيه: فيُقال إنّ إضرابا عُمّاليا نُظِّم في العام 1882 وأفضى إلى إعلان استقلال المنطقة، بعدما رفعت مجموعة من المهاجرين الجنويّين الشباب علم جنوة هناك.

وعلى بعد أمتار قليلة من شارع كامينيتو التراثي، الذي يضمّ عشرات المنازل الصغيرة الملوّنة، يقع ملعب ألبرتو خ. أرماندو، الذي يُعرَف أيضا باسم «لا بومبونيرا»، ويعود هذا اللقب إلى الشكل الهندسي للملعب، الذي يشبه شكل علبة الشوكولاتة. صور هذا الحيّ تزيّن البطاقات البريديّة للعاصمة الأرجنتينيّة، ولا تقتصر شهرته على مشجّعي كرة القدم: فقد أصبح ملعب لا بومبونيرا أيقونة بكلّ ما للكلمة من معنى، فلا يمكن لأيّ شخص أن يزور المدينة من دون زيارة الملعب لرؤية مدرّجاته الزرق والذهبية الشهيرة ويجول على المعالِم المحيطة به، مثل مقهى دوّار كينكي (La Glorieta de Quique) ومتحف كينكي (El Museo de Quique) اللذين سُمّيا تيمّنا بإنريكي أوكامبو، وهو من القادة الأوائل لمجموعة «الإثني عشر» (La Doce)، وهي مجموعة من الأنصار المتطرّفين لنادي بوكا.

قبل أربع سنوات من تأسيس نادي بوكا جونيورز، جرى دمج ناديَيْ «سانتا روزا» و«لا روزاليس» ليشكّلا معاً نادي ريفر بليت الرياضي، الغريم الأبرز لبوكا. ويمكن ملاحظة الأصول الجنويّة لنادي ريفر أيضاً في رايته الحمراء والبيضاء، المستوحاة من علم جنوة.

غير أنّه منذ العام 1938، انتقل مقرّ نادي ريفر إلى الجهة الأخرى من المدينة، قرب حيَّيْ بلغرانو ونونيز، حيث يقع ملعب مونومنتال أنتونيو فيسبوسيو ليبرتي. ونظراً إلى تواجده في هذه المنطقة الأكثر ثراءً من العاصمة، شاعت فكرة مفادُها أنّ غالبية أنصار هذا النادي هُم من أبناء الطبقات الاجتماعية العليا. ويشكّل معلب مونومنتال، الواقع في حيّ نونيز، الملعب الرئيسي لمنتخب الأرجنتين الوطني، كما أنّه أكبر ملعب في البلاد ويتّسع لـ72 ألف مُشجّع. ولكن بسبب بُعده عن وسط مدينة بوينس آيرس السياحي، لا يزور الكثير من السيّاح متحف هذا الملعب أثناء تواجدهم في العاصمة، فيفوّتون فرصة للتعرّف إلى علاقة تاريخ الأرجنتين ورموزها الثقافية وأيقوناتها وسياستها بنادي ريفر، وكذلك بكرة القدم بصورة عامة. فمنذ إنشاء النادي، يتمّ تخصيص صالة كلّ عشر سنوات لا لاستعراض إنجازات «ريفر» فحسب، بل أيضاً لإعادة إحياء مشاهد من تاريخ الأرجنتين، مثل كواليس مسرح «ملك التانغو» كارلوس غارديل، ونسخة عن سيّارة الـ«فورمولا وان» الخاصة بخوان مانويل فانجيو، الذي فاز بالبطولة خمس مرّات.

خلال العقد الماضي، شهد نادي ريفر ومشجّعوه سلسلة من الإخفاقات والنجاحات: ففي العام 2011، وللمرّة الأولى في تاريخه، تراجع هذا النادي، الذي سبق أن فاز بأكبر عدد من الألقاب في بطولة الأرجنتين الوطنية، إلى دوري الدرجة الثانية. إلا أنّ هذا الأداء المتعثّر شكّل منعطفاً أساسياً في تاريخ النادي الحديث، إذ تولّى مارسيلو غالاردو، الذي يعشقه ملايين الأنصار منذ أن كان لاعباً، تدريب النادي في العام 2014، وحوّله إلى واحد من أنجح الأندية في أميركا اللاتينية، إذ فاز منذ ذلك الحين مرّتَيْن بكأس كوبا ليبرتادوريس، وهي أهمّ بطولة في أميركا اللاتينية، إحداهما في مباراة لا تُنسى ضدّ بوكا جونيورز في العام 2018، إلى جانب نيله سلسلة من الألقاب الأخرى.

تختلف معايير التصنيف ضمن الأندية الكبرى في الأرجنتين عن غيرها من الدول. فبالإضافة إلى بوكا وريفر، يُعدّ كلّ من سان لورينزو، وإنديبندينتي، وراسينغ من بين أندية كرة القدم الخمسة التقليدية الكبرى، وذلك منذ اعتماد أنظمة الاحتراف في الأرجنتين في الثلاثينيات. حقّق كلّ من هذه الأندية نجاحات وألقاب في حقبات مختلفة، ولكنّ ذلك كلّه جرى في سياق تمركز الديناميّات السياسية والثقافية في العاصمة، وهو ما انعكس أيضاً على كرة القدم.

يكفي المكوث لبعضة أيّام في العاصمة بوينس آيرس ليبدأ المرء بملاحظة رايات بألوان تختلف عن الأزرق والذهبي، والأحمر والأبيض، كلّ منها يجهد لتكريس وجوده. ويشكّل حيّ باركي باتريسيوس أحد الأمثلة على ذلك، فما إن تطأ قدماك هذا الحيّ الواقع في الوسط الجغرافي للمدينة، حتى تبدأ بمشاهدة رسمات لمناطيد صغيرة على الجدران، هي شعار نادي هوراكان الرياضي. وقد أُنشئ هذا النادي، الذي يُلقَّب بـ«El Globo»، أي المنطاد، رسمياً في العام 1909، قبل سنة من انتقال خورخي نيوبري من بوينس آيرس إلى بلدة باخي في جنوب البرازيل على متن منطاد يحمل اسم «هوراكان» (الإعصار).

فضلًا عن ذلك، لا يمكن الحديث مع أيّ مشجّع لكرة القدم الأرجنتينية من دون أن يأتي على ذكر ملعب توماس أدولفو ديكو، المصمّم وفق نمط عمارة الفنّ الزخرفي (art déco) الذي يعود إلى بدايات القرن العشرين. وقد استُخدِم الملعب كموقع لتصوير مشهد أساسي من فيلم «السرّ في عيونهم» (2009)، الذي حاز جائزة أوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية والمُقتبَس عن رواية للكاتب إدواردو ساتشيري، وهو مشجّع شرس لنادي إنديبندينتي. فيظهر الملعب في الفيلم كساحة مطاردة وسط مشجّعي نادي راسينغ. وللمفارقة، ترد جملة في الفيلم قبل هذا المشهد مباشرة، تعبّر ببلاغة عمّا تعنيه كرة القدم للناس في الأرجنتين: «يمكن للمرء أن يغيّر كلّ ما فيه: وجهه، ومنزله، وعائلته، وحبيبته، ودينه، وإلهه. ولكن يبقى شيء واحد لا يمكن تغييره، وهو الشغف...».

ويستحيل الحديث عن بوينس أيرس وكرة القدم في الأرجنتين من دون ذكر دييغو أرماندو مارادونا الذي وُلد ونشأ في مدينة بوينس آريس الكبرى، وبدأ مسيرته المهنيّة في أرخنتينوس جونيورز، وهو نادٍ تقليدي في حيّ لا باترنال. وعلى مدى رحلته التي بدأت باللعب في مسقط رأسه فيلا فيوريتو، مرورا بأكاديمية سيبوييتاس التابعة لنادي أرخنتينوس، تحوّل مارادونا إلى انعكاس للشعب الأرجنتيني وأيقونة في عالم كرة القدم، ولكنه اضطرّ أيضا إلى التعايُش مع تبعات نجاحه. رغم ذلك، كما يرد في كلمات أغنية لا فيدا تومبولا، وهي أحد الأمثلة عن أثر مارادونا في الثقافة الشعبية: «لو كنتُ مارادونا، لعشتُ مثله».

ولكننا لن نتمكّن من فهم علاقة بوينس آيرس بكرة القدم بمجرّد الحديث عن الأندية والأيقونات. فلا يمكن للمرء أن يسير في شوارع وسط المدينة من دون أن يلاحظ الأكشاك التي ترفرف فوقها الرايات المثلّثة الضخمة والتي تعرض صور الأندية، والأهم من ذلك كلّه صحيفة «أولي» (Diario Olé) المعروضة على رفوفها. فرغم أنها حديثة العهد نسبيا (تأسست في العام 1996)، نشرت هذه الصحيفة بعضا من أشهر الأغلفة وأكثرها إثارة للجدل، وهي تتميّز بأسلوبها الفكاهي وتغطيتها اليومية للأخبار الرياضية في البلاد، كما أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من ثقافة المشجّعين.

وتشكّل مجلّة «إل غرافيكو» (El Gráfico) مثالاً كلاسيكياً آخر عن الصحافة الأرجنتينية.

تأسست هذه المجلّة في العام 1919، وغطّت أبرز المحطات التاريخية لكرة القدم الأرجنتينية، بل للرياضة الأرجنتينية عموماً، في الملاعب وخارجها، فأبقت المشجّعين على اطّلاع على حياة أبطالهم، في زمن لم تكن تختلف فيه حياة لاعبي كرة القدم عن حياة معظم الناس. إلا أنّ المجلّة توقّفت عن الصدور في العام 2018، قبل أشهر قليلة من الذكرى المئة لتأسيسها.

تشير تقديرات إلى أنّ ما يقارب 25 في المئة من الأرجنتينيّين يتحدّرون من أصول إيطالية بدرجات متفاوتة، ويمكن ملاحظة أثر ذلك في المجتمع الأرجنتيني، وخصوصاً في مجال كرة القدم: فالمشروب المفضّل لدى مشجّعي كرة القدم هو الفيرنيت، وهو مزيج أعشاب كحولي ومرّ الطعم، يُخلَط مع الكولا (ويُقدَّم عادة في عبوة بلاسيتيكية مقصوصة)، كما أنّ قمصان الأندية الكلاسيكية وصورها تزيّن جدران المطاعم، التي تُقدِّم أشهى أطباق الباستا الإيطاليّة، وحيث يجتمع المشجعون للغداء قبل المباريات في عطلة نهاية الأسبوع.

إلا أنّ الطعام الأشهر في محيط الملاعب في بوينس آيرس هو بلا شكّ الشوريبان، وهو خبز محشو بالنقانق، تنتج عن تحضيره سحابة من الدخان تعمّ رائحتها الشهية أرجاء المدينة. ويمكن إضافة صلصات متنوّعة إلى الشوريبان، أشهرها صلصة الكريولا، التي تحتوي على الطماطم والبصل والفلفل الحلو، وصلصلة شيميشوري، وهي كناية عن مزيج من التوابل. أمّا الذين يشاهدون المباريات في منازلهم، فعادة ما يقيمون حفل شواء تقليدي يُسمّى «أسادو» للاحتفال بالمناسبة.

هذه الأجواء كلّها في محيط الملاعب ليست سوى جانب واحد من تجربة حضور المباراة. فعندما يدخل المرء إلى الملعب والمدرّجات، سيرى أمام ناظرَيْه بحرًا من رايات الـ«ترابوس»، التي تُظهر أسماء المناطق التي أتى منها المشجّعون. وما عليك سوى الاقتراب من الأقسام الشعبية حتى تسمع الغناء والهتافات والصيحات الشهيرة. ويختلف إيقاع الأغنيات التي يردّدها المشجّعون باختلاف أنواع الموسيقى الشعبية المستوحاة منها، ولكنّ أشهرها بلا منازع هو النوع المستوحى من مسرح مورغا الشعبي الإسباني، حيث يُحضِر المشجّعون آلات الصنج والطبول الصغيرة والكبيرة إلى الملاعب ويحوّلون المدرّجات إلى كرنفال صاخب.

هذه هي بوينس آيرس: مدينة تمتزج فيها العناصر الكلاسيكية بالتأثيرات الثقافية من حول العالم، ولدى سكّانها شعور عميق بالانتماء إلى أنديتهم والفخر بألوانها. وستجد نفسك أمام المشهد نفسه مهما تنقّلت بين ملاعب كرة القدم الـ36 في هذه العاصمة الآسرة.

غابرييل مارتينيز

صحفية برازيلية مختصة بالشأن الرياضي

×