27 تشرين الثاني 2022

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

زكريا أحمد

رامي طويل

14 نيسان 2022

العدد التجريبي
تصميم المراسل

بحياء شاب فتيّ وكبريائه وخيلائه يحسم المطرب الناشئ أمره متخلياً عن لباسه الديني "الجبّة والقفطان" بعدما أخذته السلطنة بعيداً فتمرّد كمّ العباءة على الذراع المنتشية بالغناء تومئ محاولةً اللحاق بالمعاني المتدفقة من أعماقه فتوقع فنجان القهوة على ثوب الفنانة الشهيرة، زوزو ماضي، الحاضرة تنصتُ لشدوه. لحظةٌ فارقة تنقل الجسد الشاب من الثوب الأزهريّ إلى اللباس المدنيّ المعاصر، غير أنها ليست مصادفة أكبر من كونه الذكر الوحيد الناجي، والباقي على قيد الحياة، بعد واحد وعشرين من الأخوة الذكور سبقوه في الولادة ليتوفوا جميعاً في أسبوعهم الأوّل. هو الطفل زكريا أحمد صقر الذي كان على والده أن يستأذن له شيخ الكتّاب السماح له بفرصةٍ بين الدروس يهرع فيها إلى ثدي أمّه ترضعه؛ لعدم جرأة الوالدين على فطامه خوفاً عليه من مصير أشقائه، والمولود في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر 1896 ليدخل القرن العشرين وهو في عامه الرابع تلميذاً يحضّره أبوه، الحافظ للقرآن، ليكون شيخاً. هي جملة من المصادفات كان لبعضها إن توافرت لغيره أن يبني عليها مجداً يغلّف حياته بالأسطورة، غير أن الشيخ زكريا كان يملك من الواقعية والوعي الفطري ما يجعله يدرك أنّها مصادفات تحدث وتتكرر مراراً ولا تمنح القيمة لمن لا يصنعها بنفسه.

من هدهدات الأمّ التركية الأصول، إلى أصوات المقرئين يرتلون القرآن، إلى تواشيح وأناشيد المنشدين في الموالد، كلّ ذلك جعل من الطفل زكريا خابيةً مملؤة بالنغمات الموسيقية تتعتّق في أعماقه بانتظار أن يجعل منها خمراً يسكر الأرواح بأثرٍ لن يزول أبداً. وإن كان الفتى قد اختار عالم الفنّ بكلّ رحابته فضاءً يفرد فيه جناحيه فهو لم يفعل ذلك قافزاً إلى العوالم "الدنيوية" بعيداً عن العالم "الديني"، الروحيّ، بل ناضحاً بما اختزنه لسنوات متخمّراً، مدركاً أنّ الوصل الروحيّ مع العالم لا يكون بغير النغم باختلاف أشكاله، وعليه فقد استحق أن يلازمه لقب الشيخ، أسوةً بمشايخ كثر سبقوه وقلّة قليلة ستأتي بعده متتلمذةً على يديه قبل أن ينتهي عصر مشايخ الغناء العربي الممكن توصيفهم بصنّاع التراث الموسيقي العربي.

*****

تاريخياً ليست بمستغربة التحديات التي عانتها الموسيقا في مواجهة الفكرين الفلسفي والديني، كيف لا وهي الناشئة بعدهما بكلّ ما تختزنه من عوالم روحيّة تسهّل على الإنسان اتصاله بالغيبِ والمجهول دون تكلّف. ربّما، وباستثناء الديانة الهندوسية التي قدّست الموسيقا، فإنّ الديانات الأخرى اكتفت بخلق الجدل حولها، من التحريم إلى التحليل بعد إخضاعها لشروطٍ تطوّعها لخدمة التوجّه الديني. من هنا يمكن فهم أولئك المشايخ الذين قالوا، بفطرتهم، إن الطريق سالكة بين الديني والدنيوي بعدما أشبعتهم علوم القرآن من تجويد وترتيل إلى البلاغة والشعرية والإيقاعات المخبوءة في ثنايا الكَلِم بموسيقا بلغت من الثراء ما جعلهم يدركون أن لا حدود لها، وهو ما يفسّر اندفاع الشيخ زكريا في العام 1950 لخوض مغامرة تلحين بعض السور القرآنية مرسلاً إيّاها إلى الأزهر راغباً، وعملاً بنصّ الآية: «ورتّل القرآن ترتيلا» أن يفتح آفاقاً جديدة للترتيل عبر نغمات شرقية غفل عنها الترتيل الكلاسيكي، هو الذي بات خزّان نغمٍ اختمرت فيه أصوات المشايخ من الشيخ إسماعيل سكر، أبو العلا محمد، يوسف المنيلاوي، علي محمود، عبده الحامولي، سلامة حجازي، علي درويش الحريري، وكثيرون غيرهم، وصولاً إلى الشيخ سيّد درويش الذي أسكره بشدوه يوم سمعه في الإسكندرية فما كان منه إلا أن صحبه معه إلى القاهرة للعمل في فرقة الريحاني.

محمولاً على جناحيّ النغم والكلمة راح الشيخ زكريا يجوب أرض مصر منشداً وملحناً ينهلُ من تراث أرضها وذاكرة أبنائها، يُسكر الأرواح في الموالد بمدائحه النبوية وتواشيحه مثلما يُسكر السهارى وروّاد المسرح الغنائي، الذي بات فسحةً إضافية يمخر عبابها صحبة صديق العمر بيرم التونسي. وفي تجواله يكتشفُ صوتاً استثنائياً في الريف البعيد لطفلةٍ منشدة، فيدعوها إلى القاهرة لتغدو أمّ كلثوم التي سيجد صوتها في ألحان الشيخ زكريا جسراً يعبره نحو العظمة والخلود.

*****

«التعبير أولاً والتطريب تالياً. لا معنى للغناء إن لم يكن النغم في خدمة المعنى» بهذه البساطة يختصر الشيخ زكريا رؤيته الموسيقية، هو الراديكاليّ فيما يتعلّق بالموسيقا الشرقية، غير المعنيّ بما يدور حوله من محاولات لإغنائها بالنغمات الغربية، رافضاً ما يقال عن موسيقا جديدة وأخرى قديمة قائلاً: «ليس هناك ما هو جديد أو قديم في الموسيقا، هناك موسيقا جيدة وأخرى رديئة» متكئاً بصلابةٍ إلى ربع الصوت الذي تتيحه المقامات الشرقية فتغدو بحراً لا ينضب، متجنّباً إلى حدّ بعيد المقامين مكتملي الأصوات، النهاوند والعجم، اللذين وجد فيهما كثر من مجايليه، وأبرزهم محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب، فسحةً رحبةً للتجريب ومدّ الجسور بين الموسيقا الشرقية والغربية، فكان ينصت إليهما وإلى كلّ من يقوم بإضافةٍ جديدة وهو متكئ بارتياح إلى تخته الشرقيّ يمعن باستنباط مكنوناته التي لا تنضب، ولعلّه في ذلك يستحق لقب شيخ الصَبَا، بعدما صنع على هذا المقام الذي لم يوله غيره كثير اهتمام عدداً من الروائع بلغت ذروتها في أغنيتي «هوه صحيح الهوى غلاب» لأم كلثوم، و«عاهدني يا قلبي» لأسمهان. وإذ راح الطموح الموسيقي عند الآخرين يدفعهم إلى تطوير شكل الأغنية العربية متخذين من المقدمات الموسيقية الطويلة مسرحاً للتجريب والاكتشاف وإثبات الشخصية الموسيقية بمعزلٍ عن صوت المغني والكلام، فإن الشيخ زكريا كان يمعن بتطويع النغم لخدمة الكلمة والمعنى والحسّ الأدائي فيخوض موضوعه مباشرةً دون مقدمات، سالباً ألباب المستمعين منذ النغمات الأولى التي يبتكرها، والتي في كلّ مرّة تبدو نتاج اختمارٍ طويل الأمد في أعماق روحه، وإن سئل عن المقدمات الموسيقية فلا يتردد، بحسّه الفكاهي الساخر وسرعة بديهته أن يجيب أنها: «في الأغنية اللازمة مالهاش لزمة» مسخّراً طاقته النغمية لتلحين الكلام مبتعداً عن إغواء حروف المدّ بالإطالة فيبترها كجرّاح يدرك ما يلزم منها تماماً، مخلّفاً في النفوس حالاً من النشوة دون الحاجة لاستجداء العواطف.

*****

يحكى عن شقاوة طفولته بدليل ما كان يقوم به من عكس دبابيس عمامته في الكتّاب فإذا ما ضربه الشيخ عليها أدميت يده، كما يحكى عن تمرّده بدلالة رفضه الطريق التي رسمها له أبوه وانسياقه خلف رغبته، وفي الأمرين يكمن شيء من سرّه الذي لازمه حتى بعدما تخلّى عن ثوبه الأزهري وبعدما غدا رجلاً ضخم الجثّة بصوت أجش وملامح صارمة. لم يتمرّد الشيخ زكريا على القوالب الموسيقية الشرقية، ولم يسع خلف نغمٍ غريب عن روحه لتطويعه خدمةً لألحانه، بل كان مكتفياً بما تشرّبه من روح الشرق، منقّباً عن مكنوناتٍ يدرك بفطرته أنّها فيض يستعصي على الإحاطة به، فتخرج من ألحانه روح الشرق معفّرة بترابٍ يغطي أكفّ الفلاحين وعرقهم، بأشجان البسطاء يدخنون النراجيل في المقاهي الشعبية، بالروح الوطنية والالتزام الروحي ينضح من أناشيده ومدائحه، وهو بذلك ينفي عن نفسه صفة التمرّد بل يجعلها الرغبة باكتشاف ما يغفل عنه غيره في حياتهم اليومية مدركاً أنّ المتاح لهم أكثر رحابة ممّا يقيدون أنفسهم إليه. وفي الآن ذاته ينفي عن نفسه صفة الشقاوة، فهي ليست فعلاً مجانياً بغية إلحاق الأذى بقدر ما هي أنفةٌ وكبرياء يرفض أن يُمسّا إن كان بأصابع شيخ الكتّاب وهو طفل، أو على يدّ "كوكب الشرق" وهي في أوج عظمتها، والتي سيرفض إهانتها له حين تناديه أن يأتي إليها دون ذكر اسمه «تعال يا» فينصرف عنها دون أن يذكّرها بأنه من وضعها على الطريق الذي تسير عليه وأنه واحدٌ من صانعي مجدها، فهو يدرك أيضاً بفطرته أنّها ليست إلا مصادفات تحدث. لكنه لن يقبل، وقد صار ما صار إليه، ما رفض أن يقلبه طفلاً على يد شيخ الكتّاب. وإن كان قد لحّن أوّل عمل مسرحي له وقدّمه مجاناً لمجموعةٍ من الطلبة الهواة فإنه لن يتنازل عن حقّه من ثروات تجنيها أمّ كلثوم عبر أدائها لألحانه التي لا يتلقّى عنها غير الفتات، ولن تضيره القطيعة الطويلة معها فألحانه تدفق بغزارة النيل والأصوات من حوله متلهفة لأدائها. لكنّه في الآن نفسه وبالعزّة ذاتها لن يتردد بالقول لها، يوم المصالحة بعد 13 سنة من التقاضي، وبحسّه الفكاهي دوماً: «لا الفلوس بتدوم ولا الشتيمة بتلزق».

*****

هو الشيخ الجليل في مدائحه وأناشيده وأدواره وموشحاته ومنولوجاته، ابن البلد في الطقاطيق والأغاني الشعبية، المدهش في موسيقاه السينمائية والمسرحية، المتصوّف الزاهد، العاشق الوله، الساخر الفكاهي، تطير ألحانه متقافزةً بنغماتها عبر حناجر ذهبية من منيرة المهدية وعبده الحمولي إلى أم كلثوم وأسمهان وسعاد محمد، يلحن كلام بيرم التونسي بما يليق ورهافته غير المتكلّفة مثلما يلحّن كلام أحمد رامي المسبوك بمهارة صائغ بما يليق ورصانته، يؤكد على حلاوة الدنيا في "يا حلاوة الدنيا" ويشرح للعشاق معاني الورد في "الورد جميل" ولا يتردد في تلحين مونولجات ساخرة لشكوكو، ولا بالسخرية من واقع الحال في "حتجن يا ريت يا اخوانا" كما لا يتردد بتلحين كلمات توأم روحه بيرم يوم يقرّر الاقتصاص من محمد عبد الوهاب فينظم أغنيته الساخرة "يا أهل المغنى دماغنا وجعنا"، وربّما في ذلك الثراء تكمن قدرته على صناعة الأغنية التي لم تكفّ أم كلثوم عن غنائها سنوياً لخمسة عشر عاماً، كواحدة من أكثر أغنياتها التي كرّرت شدوها بتسجيلات مختلفة وهي "أهل الهوى". في كلّ ذلك كان الشيخ زكريا يفرد جناحين من موسيقا يطوف بهما أرجاء الكون الرحيبة، متنقّلاً من نغمٍ إلى آخر دون الالتفات خلفه. ويوم يسأل عن ألحانه التي يعتزّ بها يقول إنّه ينجز عمله ولا يعتزّ به تاركاً الإعجاب للمستمع، وحين يسأل عمّا يردده بينه وبين نفسه من ألحانه يقول إنّه لم يفعل ذلك مطلقاً وإنما يردد ألحاناً يحبها صنعها آخرون. وهو بذلك إنّما يدرك أن الفنّ نهرٌ متدفق يتطلع دوماً إلى ما يحمله إليه من جديد، فالعمل الذي تمّ إنجازه قد أشبع به حدّ الثمالة والروح توّاقة إلى القادم من المجهول. «الفنان والأديب رأس ماله الانكسار» عبارة موجزة ترد على لسانه في لقاءٍ إذاعيّ تلخّص مسيرة مبدعٍ أدرك أنّ الحياة شغفٌ يلزم الانصراف إليه دون انتظار مردوده إذ تكفي متعة الخوض فيه.

رامي طويل

كاتب ومترجم من سوريا، صدرت له في الرواية: قبعة بيتهوفن (2021)؛ حيوات ناقصة (2018)؛ رقصة الظل الأخيرة (2014)؛ وفي القصة: امرأة عند النافذة (2022)؛ قبل أن تبرد القهوة (2015)؛ الخاتم (2008).

×