24 نيسان 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

علي اللواتي، الكتابة على الدرج

محمد بالطيِّب

27 آذار 2024

العدد السابع
يُسيِّلُ المعرفة والتاريخ والفن ثم يصوغهم في صور درامية باذخة وثرية

أتى من الفنون جميعها دفعةً واحدةً. رسم علامات فارقةً شديدة التميُّز في تاريخ الفنّ والدراما التونسيَّين، قبل أن نعهده في العقد الأخير مسترخياً في حوارات تلفزيونية، يتحدّث بمقام السيناريست المخضرم والمتقاعد عن مسيرة زخرت بأعمال علِقت في ثنايا الذاكرة الوطنية. كانت أعمالاً متقنة في جودتها الدرامية وتماسك حبكتها وبناء شخصياتها، ولكن كذلك في شِعرية عوالمها وعمق مضامينها الفنية.

حين يظهر علي اللواتي (77 عاماً) في الشاشة، أو يُذكر اسمه، يبزغ حنين إلى تلك المسلسلات الحيّة فينا رغم عقود عبرَت مُرّةً فوق أحلامنا الوطنية الجامعة حتى استحالت كوابيس تؤرِقنا، بخاصة بعد السنوات العشر الأخيرة. نستقي معه من حفريات الذاكرة قصصاً وشخصيات وعلاقات وأمكنة تعلّقنا بها.

يتعذّر تعريفه بدقّة، إذ يبدو غزيراً مُكثَّفاً. فإذا بدا السيناريست تعريفاً أمثل له في ضوء غزارة ما أنتج وجودته، فقد تكون هذه الصفة آخر اختصاصاته، إذ أنتج أيضاً في الرسم والشعر والكتابة المسرحية والتأريخ الثقافي وتأليف الأغاني والأوبيرات الموسيقية. ولعلّه أراد أن يزيد الغموض غموضاً حين طلب من محاورةٍ أن تسأله في أحد لقاءاته التلفزيونية :«من أنتَ؟»، وأجاب ببساطة: «أنا شاعر».

تنساب الشِعرية في عوالمه الفنية فعلاً، ويُمكِن في الكتابة الدرامية ملاحظة جمالية الحوارات وبلاغتها وعمقها التصويري وإيقاعيتها السمعية المضبوطة. غير أنّ هذ الشِعرية لا تبدو فعلاً فنياً شكلياً ذا مدلول تقني تعبيري نصاً أو تصويراً، لأنّ الشعر عنده يتجاوز ضيق الجنس الأدبي ليمثِّل «رؤيةً للعالم».

 

تخوميٌّ من رحم المياه

لمّا غاب علي اللواتي عن الكتابة الدرامية في السنوات الأخيرة، تجلّت واضحةً كالحةً أزمةُ غياب الأعمال التي «تعلَق» في الذاكرة الوطنية. لا ريب أنّ ثمّة أعمالاً ناجحة في العقد الأخير تجاوز مداها الجغرافيا التونسية لتنتشر مغاربياً وحتى عربياً، وثمة أيضاً غزارة في الإنتاج وتنوُّعٌ في القصص والمواضيع وتوسعٌ شامل في هوامش الحرية منذ عام 2011. لكن تكاد تندر الأعمال التي تثير حسّاً جمالياً وقِيمياً؛ أعمال تتجاوز القصة/الحكاية إلى ما هو أعمق فتلامس المشترك التونسي ويجمِع الناس حولها ويشاهدونها بتكرار.

لوحة موقّعة عام 1988، ومتوفِّرة في صفحات الإنترنت.

 

يبدو مثيراً تعلّق اللواتي الذي يتعامل بصرامة مع النص ويرفض تغيير لو كلمة واحدة في السيناريو وفي الحوارات، بعنصر الماء الذي يفيض من عوالمه الفنية، وكذلك حضور البحر في لوحاته على غرار بحر مدينة رفراف الخضراء المندلقة بهضابها قبالة البحر الأبيض المتوسط.

يُشيِّد كثيراً من عوالمه حول الماء، من الشعر/النثر إلى الرسم إلى الدراما. حتى أنّ أشهر دواوينه في الشعر الفصيح على الإطلاق هو أخبار البئر المُعطَّلة، فيما يحمل ديوان آخر عنوان مجيء المياه، وفيه يختار لقصيدة هي الأشهر عند النقاد لحداثتها الفنية عنوانَ زمن اللوز على ضفاف الغدران (اليوم نسكن كالأجنة رحم المياه).

ستكون المياه على شكل مأساة في مسلسل عودة المنيار (2005)، الذي يدور حول قصة قرية شرَّد أهاليها سدّ مائي بُني في منطقة الشمال الغربي التونسي الخصيب. قرية غمرتها مياه سدّ أنجزته الدولة عبر مقاول/مهندس يشتغل أيضاً مستثمِراً في القطاع السياحي في تلك المنطقة، وكان صاحب رؤية تحديثية لتغيير واقعها.

يُنقَل الناس من قريتهم إلى الملاجئ التي تبنيها الدولة بعقل بيروقراطي بارد قسري جامد، وتبقى وحيدةً الذكريات والروائح والأزمنة والبيوت والمقابر وجثث الموتى والحنين ومزارات الصالحين. ينتقل السكان بأجسادهم، وإنّما بأرواح تجفُّ.

كذلك في مسلسل قَمْرة سيدي محروس (2002)، الذي يصوِّر تونس منذ الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي حتى الاستقلال في آذار/مارس 1956، يبدو مشهد الشيخ بكَّار ساحراً فيما هو يسير بقبقابه عند الفجر في طريقه إلى البئر من أجل الوضوء. توليفة الدلو والبئر المنزلي وصوت القبقاب الخشبي والمياه في حركة الوضوء، هي مجتمعةً تشكيلةٌ بصرية وموسيقية ممتعة وباذخة في شعريتها الجمالية.

لعلّ هذا المسلسل أهم عمل في أعمال علي اللواتي جميعها بل حتى في الدراما التونسية. فيُعدُّ قمرة سيدي محروس من بين أكثر المسلسلات التونسية شهرة ومشاهدة و«يبدو أنّه آخر عمل فني قيّمٍ وراقٍ أنتجته التلفزة التونسية»، وفق فاروق الفرشيشي، صاحب مدوّنة الدّفتر الأزرق التي تُعنى بالنقد الدرامي والسينمائي.

 

يُسيِّلُ علي اللواتي المعرفة والتاريخ والفن، وبخاصة «الهوية التونسية» في أبعادها الثقافية والمعمارية والزخرفية والتراثية والموسيقية، ثم يصوغهم في صور درامية باذخة وثرية.

يخاطِب الجميع من مجهر المثقف النخبوي الآتي من الدوائر العليا للثقافة التونسية، والمثقل بمعارف التاريخ والأنثروبولوجيا وبمدارك الفنون وممارستها. لكن كأنّ أعماله الدرامية حواف تخوميّة بين مجالين: «الثقافة العالِمة» الآتي منها والناهل من منابعها، و«ثقافة شعبية» ينزاح نحوها ويكتب لها. فبين هاتين الثقافتين المتباينتين، يقف علي اللواتي السيناريست.

قد أقول بدقّة أكبر إنّ أعماله تنبع جميعها من مربّع التقاطع بين الثقافتين وما يثيره كتابةً وإبداعاً. لذا نجد في أعماله حرصاً دائماً على ثنائيات مثل: العالِم والجاهل، العلم والخرافة، القانون والعرف، التنوير والدَّجل، المَديني والريفي، الأصولي/الفقيه والطُّرُقي/الوَلائِي، المثقّف والأمّي، الفنان المترع بالرؤية المتخيلة والتجريدية للعالم والعاميُّ المثقل باليومي والتفصيلي والمعيشي.

غير أنّ هذه الثنائيات، وكذلك التخوميّة حيث يتحرّك علي اللواتي، تقابلها ثنائية جوهرية في تكوينه الشخصي وفي منهله الثقافي والمعرفي. فهو خرِّيج المدرسة الصادقية التي أنشأها الوزير الإصلاحي خير الدين التونسي في القرن التاسع عشر، وتُعدّ إحدى أهم علامات التحديث في تاريخ تونس ومناراتها. كما سيكون لها الدور الكبير والرئيسي لاحقاً في تخريج معظم النخب التي ستساهم في الحركة الوطنية وبناء دولة الاستقلال.

ما يميِّز الصادقية أنّها تقوم على ثنائية التكوين المعرفي. فعلى نقيض جامع الزيتونة، مصدِّر النخب الدينية والتقليدية في البلاد، كانت هذه المدرسة تدرِّس باللغتين العربية والفرنسية، وعن الحضارتين «الغربية والعربية»، وتعلِّم العلوم العصرية أيضاً ضمن ما يمكن وصفه بخلطة التراث والحداثة.

لا ينكر اللواتي تأثير الصادقية في تكوينه الثقافي والمعرفي بل يشدّد على ذلك دائماً في حواراته. ويمكننا تلمّس صدى علاقته بها في شخصية الدكتور صويلح الاستثنائية، التي نحتها في قمرة سيدي محروس. فهذا الحكيم المزدوج الثقافة، الذي يستخدم مفردات عربية شديدة التراثية إلى حد الاستعصاء على الفهم، ويتكلم في الوقت نفسه بفرنسية فخمة وبليغة، يفتخر طوال المسلسل بتلقّيه التعليم في الصادقية، ويشيد بقيمتها المعرفية والتعليمية.

 

انقساميّ

لعلّ أفضل ما يختصر تحرّك علي اللواتي بين ذانك العالمين وثنائياتهما، وصفُه شروعه في كتابة الشعر العامي بـ «الهبوط من الدْرُوج». فكأنّه كان يحتاج إلى أن يهبط قليلاً لينتقل من الكتابة بالفصحى إلى الدارجة المحكية، أو أن يهبط قليلاً من ثقافة «النخبة/العالِمة» إلى ثقافة «الشعب/العامة».

يظهر الوصف لي، وتحديداً ذلك الانزياح/الهبوط، ثم الوقوف على الدَّرَج، كأنّهما جوهر المشروع الدرامي في كلِّيته. لكنّ ذلك لم يكن سهلاً، إذ إنّه يشير مثلاً إلى أنّ أولى محاولاته الشعرية في الكتابة العامية خرجت منها أول خمس قصائد مكتوبة بالفصحى. مع العلم أنّه سينجح بعد ذلك إلى درجة أنّه نحت أغانٍ أيقونية في تاريخ الفن التونسي على غرار رِيتك ما نَعرف وينْ، التي سيغنّيها لطفي بوشناق على موسيقى أنور براهم.

كان براهم من طلب من اللواتي الكتابة بالعامية، فكانت أيضاً النوّارة العاشقة بصوت بوشناق إحدى أبرز ثمار ذلك التلاقي بين الرجلين. تبدو مثل هذه القصص الصغيرة ذات وقع كبير في حياته، لأنّ دخوله إلى عالم الكتابة الدرامية كان أيضاً بطلب من المخرج حمّادي عرافة. وفي المرّتين، كان اللواتي يتردّد في البداية ثم يقتحم المغامرة.

 

يرتكز الفصل والتباين بين ثقافة «النخبة/العالِمة» وثقافة «الشعب/العامة» على عدد من العناصر، كما تفيد الأنثروبولوجيا الاجتماعية نظرياً وضمن الفهم الذي تشيّده النظرية الانقسامية للمجتمعات المغاربية. فمثلاً في حين ترتكز الأولى على الكتابة، ترتكز الثانية على المشافهة. ومجال الثقافة العالِمة هو المدينة/المركز، بينما مجال الثقافة الشعبية هو الأطراف/البوادي. كما أنّ «التديُّن الرسمي» في استقائه المرجعي من النصوص المدوَّنة وبوصفه سمة للثقافة العالِمة، يقوم نقيضاً لـ«التديُّن الشعبي» في استقائه من مدارات الصالحين والتبرّك ونفوره من الطُّقوسية الصارمة واعتقاده في الغيبي والوِلاية.

إلى اليوم، تتجلى هذه الانقسامية في تفاصيل الحياة التونسية كافة: في الشعر والغناء والتراث والسياسة وحتى في الخطاب اليومي. تترسّب عميقاً جداً في اللاوعي الجمعي التونسي، فهي أشياء من نوع النظرة الدونية لدى سكان الحواضر تجاه الشخص الريفي، أو التمايز السياسي (التفاضلي) بين المدن الكبيرة والدواخل الطرفية العميقة. كذلك نظرة المثقف المتعلّم إلى الشّخص الأمّي، وتنافر الأذواق الموسيقية بين المالوف والمقامات ذات العمق الأندلسي المنتشرة في المدن الكبرى من جهة، وبين فن البوادي والأطراف وغنائهما ومواويلهما وشعرهما الشعبيين من جهة أخرى.

في مسلسل قمرة سيدي محروس مثلاً، يشتغل الشيخ بكَّار المحروس ذو التكوين الديني العلمي «الرسمي» كونه خريج جامع الزيتونة، كاتباً بالعدل ويعيش في تنافرٍ وصراع مع أجواء زاوية جدّه سيدي محروس. يتصادم مع فكر الاعتقاد في الأولياء ويحتج على زيارة مقام/قبر جده المدفون في بيته (بيت العائلة).

تُثير شخصية الشيخ ومحيطه العائلي هذا المعنى الانقسامي وتلك التخومية الثقافية المميّزين لعوالم علي اللواتي الدرامية. كما أنّها تُبرز إسقاطات تاريخية يحب اللواتي أن يلهو بها في شخصيات مسلسلاته. فالشيخ بكَّار بتكوينه الديني واستنارته الفكرية في عدد من القضايا الاجتماعية ووعيه النضالي ضد الاستعمار وأيضاً وعيه السلفي في رفض الثقافة الولائية والصوفية، يستحضرُ شخصية أحد الآباء المؤسسين للحركة الوطنية في تونس الشيخ عبد العزيز الثعالبي.

في المسلسل نفسه، يؤدي صاحب المصحة العصرية وطبيب أمراض الكلى الدكتور صويلح دور النقيض الانقسامي للطب الشعبي والشعوذة. وهذا بمنزلة علامة شديدة التمايز لعلميَّته ونخبويته الفكرية ونمط حياته الغربي وتشبّعه بالفكر الحداثي والعقلانية وولائه للاستعمار. وهو نقيض أيضاً للعلاج بزيارة المقامات والزوايا خاصة عند سيدي المحروس.

يعدُّ الدكتور صويلح خير ممثل للثقافة العالِمة في مواجهة الثقافة الشعبية التي تمثلها ماميّة المحروس (مقدّمة الزاوية وشقيقة الشيخ بكّار) والعيّاشي قارئ الرمال.

أما مِقداد، العامل في مقهى بن عيسى الذي يرتاده مناضلو الحركة الوطنية وتجّار الحرب إبّان العالمية الثانية، فيظهر حالماً بالالتحاق بالدراسة في «الجامع الأعظم» (جامع الزيتونة) خاصة حين يتلو في أحد المشاهد متن ابن عاشر، أي النص الفقهي المالكي الرئيسي والمرجعي في تونس والمغرب العربي. يبدو مقداد مثل الباحث عن انزياح نحو الثقافة العالِمة أو كمن يريد أن «يَطلع الدْرُوج».

أيضاً في مسلسل حسابات وعقابات يبحث سعيد الفاهم، الشخصية الأكثر متعة وطرافة في ما كتبه علي اللواتي، عن ذلك الصعود. يتجلّى الفاهم بصفته نموذجاً للمثقّف المشبع بالمعرفة الفنية الشعرية والأفكار النخبوية المتعالية عن واقعه الاجتماعي البائس. ومن قلب عوالم الحياة الشعبية والفقيرة التي يعايشها، يصوغ جمله وخطابه بلغة عالِمة، عربية فصيحة مفارقة لما حوله.

 

متعة الرصد الأنثروبولوجي

مبهرةٌ متانة المعرفة التاريخية والأنثروبولوجية عند علي اللواتي. يشتغل بدقّة مذهلة على تفاصيل تستعرض زوايا معرفية شديدة التعقيد، ثم يُسيِّل ذلك كله عبر شخصياته المكتوبة وحواراتها ولهجاتها وسلوكها وتفاصيل معاشها وفضاءاتها في الحياة.

في حديثه عن اللهجة المحكيّة في مسلسل قمرة سيدي محروس يؤكد بما يشبه صرامة المؤرخ أنّه ظلّ يتواصل شهوراً مع كبار السن ممن عايشوا الحقبة من أجل أن يعطيها خصوصيتها اللغوية.

في عاشق السراب (2009) يمنح اللواتي اسم الجليدي لإحدى أهم شخصيات المسلسل، وهو رجل قادم من أقصى جنوبي البلاد إلى مدينة القيروان. يعكس هذا التفصيل مهارة في ما يسمى أنثروبولجياً anthroponemia أو Onomastics، أي التخصّص الذي يعنى بدراسة مدلولات الأسماء وجذورها، إذ إنّ الجليدي لقب نسبة إلى قبيلة مُرابطيَّة شديدة العراقة جنوب شرقي تونس هي الجليدات.

غير أنّ ما وقع فيه اللواتي أنّه جعل الجليدي يسكن في قصر الدويرات لدى عودته إلى دياره في الجنوب مرفوقاً بزوجِه القيراونية، وهو ما لا يستقيم لأنّ الدويرات والجليدات قبيلتان لا تسكنان المكان نفسه. إنّما يمكن فهم ذلك بصفته رغبة في عرض الخصوصية المعمارية للجنوب الشرقي التونسي.

كذلك، أحبُّ كثيراً عودة المنيار. فقد مررتُ مرّة على قرية في الشمال الغربي غمرتها مياه السد، كتلك في المسلسل. كانت رؤوس البيوت تطلّ بتشامخٍ من وسط المياه، ويقابلها السدّ نافراً بجداره الإسمنتي العالي والجامد. تَنُوءُ البيوت تحت الماء، وتبدو كأرواح غارقة يشرف عليها السد متجبِّراً ببرود حيادي. 

كم من قصص وذكريات وأحلام ولحظات وروائح وألوان وخربشات على الجدران غُمِرت تحت الماء! كم من ذكرى ولحظة حنين وشوق غرقت تحت الطَّمي! يصوِّر هذا المسلسل مثل هذه القصة. وفيه، كان الأهالي مثقلين تحت وطأة ذلك التغيير، فرحلوا إلى قرية أخرى حيث ستندلع الصراعات بين أهالي القريتين بعمقٍ قبلي. لكن لاحقاً ستغرق القرية الثانية أيضاً بفعل سدّ ثانٍ ليجد الجميع أنفسهم في ملجأ بنته الدولة لهم.

تساوى الجميع في البؤس، فقد غمرت المياه الديار والمقابر والذكريات وحتى مقامات الصَّالحين. يشتاق الجميع إلى الزّردة (طقسٌ ديني احتفالي جماعي عند مقام الجدّ/الولي)، وإلى أهاليهم المدفونين في مقبرة القرية. يمرض بعضهم تحت وطأة ذلك التحديث، فيما يرحل الشباب إلى العاصمة تحت قسوةِ ظروف الحياة الجديدة حاملين معهم انقساماتهم القديمة بين القريتين/القبيلتين. 

يشتغل المسلسل على ثيمات الهجرة والنزوح وحركة السكان وإعادة التشكل الاجتماعي، ذات العمق الإنساني والمعرفي. كذلك، يُتقِن تصوير التحوّلات لا بمعناها الاجتماعي الفاقع فقط بل أيضاً على الصعيد النفسي الفردي وما تثيره التغييرات في المجتمعات من تفاعلات داخل الذوات، وما ترسمه من مسارات في الحياة للأفراد، وأحياناً بلا رغبة منهم.

كان اللواتي مبهِراً جداً في رسم التحوّلات الاجتماعية وانعكاساتها عبر مسارات شخصياته الدرامية وقصصهم في هذا المسلسل.

في عمله الأكثر شهرة الخطّاب على الباب (1996)، وهو من أكثر الأعمال التلفزيونية مشاهدةً في تونس، ومن المسلسلات التي علقت بقوّة في الذاكرة الوطنية، يشتغل على تلك التحوّلات الاجتماعية إنّما من زاوية وقصة أخريين. فيدور حول تحوّلات تطرأ على عائلة تونسية في حومة (حارة) في المدينة العتيقة لتونس في تسعينيات القرن الماضي. بدوره، كانت تفاصيله الأنثروبولوجية شديدة الإبهار.

 

يصوِّر المسلسل حياة عائلة الشادلي التمّار، أرستقراطي من «البَلْديّة» العريقين في مدينة تونس العتيقة intra-muros، وتحديداً العائلات ذات الالتصاق القديم بالمخزن السياسي (الحسيني) الحاكم، التي تستمد أرستقراطيتها من وضعها السياسي، أو ثرائها المادي، أو توارثها الخُطَطِ الإدارية والمناصب الدينية.

يعيش الشادلي التمّار على ريع أراضيه ومزارعه وريع مجده العائلي العريق في تلك الحُومة من «لِبْلادْ لعَرْبي» (تونس العتيقة). لكنّ الحياة تتغيّر من حوله، فيكبر أبناؤه ويتمزّق بين نمط حياتهم المتحوّل ورغبات زوجتِه في الخروج من أجل العمل وعيش حياة عصرية من جهة، وبين أمه المتعلّقة بتراث العائلة وأمجادها.

كل شيء مميّزٌ على صعيد التصوير الأنثروبولوجي في المسلسل: الفضاء، والشخصيات، والقصة، والتفاصيل البصرية والسمعية بالغة الثراء.

في لقطة شديدة الطرافة والعمق أيضاً، يندلع نقاش في رحلة طويلة بالسيارة قبل أن يتطوّر إلى حد التشابك بالأيادي بين الشخصية الطريفة الشيخ تحيفة، سليل عائلة بَلْديّة عريقة، وهو موظف سابق في «دفتر خانة» وذو تكوين علمي زيتوني تقليدي، وابن محامٍ لدى «محاكم الشرع في الحاضرة»، وبين عثمان، الرجل الريفي «الآفاقي» (أي من سكان الدواخل التونسية).

سبب الخلاف الذوق الموسيقي بين المالوف وبين الفن البدوي. فكانت لحظة انقسامية شديدة البلاغة في تصويرها الدرامي، يستحضر اللواتي فيها أسطورةَ الفن البدوي التونسي الذي يمثِّل أعلى رموز الثقافة الشعبية في البلاد الفنان إسماعيل الحطاب (1925-1994)، الآتي من العمق القبلي العريق ومن قبيلة المثاليث تحديداً. فتكون أغنيته بين الوديان التي يسمعها عثمان، موضع خلاف بين الأخير وبين تحيفة الراغب في سماع «الطقاطق» على نوبة رصد الذيل من فن المالوف. كان مشهداً فاقعاً في تصويره الانقسامي وتعبيره عن تلك التُّخومية المميّزة لعوالم اللواتي الدرامية.

 

في ذلك المسلسل أيضاً، نرصد متعةً ما يمارسها اللواتي في تنويع لوحته الأنثروبولوجية/الدرامية، فيستدعي شخصية الفنان الراحل خميس الحنّافي في حفلة رمضانية في مقهى الحارة. ثمّ نعرفُ أنّ كلسيطة، بائع الملابس المُستعملة، كان تلميذاً للفنان التونسي العتيق سالم بوذينة.

في إحدى اللقطات، يكتب تحيفة رسالة لـ سطيّش (إحدى الشخصيات) مستعملاً الخط المغربي القديم، وراسماً القاف بنقطة واحدة فوقية والفاء بنقطة تحتية، ومتحدّثاً عن الآجروميّة، المتن النحوي الذي كان من أهم مقرّرات التعليم الزيتوني في النصف الأوّل من القرن العشرين.

نسمع أيضاً خطاباً عنصرياً/جهوياً من عبد الستّار وزوجه، وهو خطابٌ يستدعي ذلك المعنى الانقسامي نفسه، المترسّب في اللاوعي الجمعي، بين «البَلْديّة» و«الآفاقيين».

لا أدري هل يمكن الحديث عن الأنثروبولوجيا الدرامية ضمن الفرع العام للأنثروبولوجيا البصريّة، لكن لو جرى تأصيلها فعلاً، فسيكون اللواتي واحداً من الذين أبدعوا في المجال.

 

بذخ الاستعراض التاريخي

يستعرض علي اللواتي معارفه التاريخية ببذخ مبهِر في قمرة سيدي محروس. فتبدأ الأحداث مع الاحتلال النازي في مقهى بن عيسى حيث يطلبُ الروّاد سماع إذاعة لندن، لكن النادل مقداد يرفض بسبب توصيات الإقامة العامة الموالية للألمان بمنع الاستماع إليها.

ثم يدخل الدكتور صابر الذي سنعرف لاحقاً أنّه طبيب تونسي درس في فرنسا ومنخرط في شبكة للمقاومة الفرنسية ضد النازية، وسنلتمس أيضاً ميوله الفكرية الشيوعية حين يطرح رفضه فكرة النضال ضمن الأطر القومية والوطنية بل ضمن فكرة الإنسانية. يدخل حاملاً صحيفة Tunis journal، وهو ما يثير حفيظة تاجر الحرب صالح النوَّالي الذي يشير إلى أنّ الصحيفة تتبع جماعة الألمان.

يقدِّم النوَّالي، وهو تاجر ثري ومثقف ومرتبط في تجارته بأطراف الصراع كافة، لمحةً عن الصحيفة ومؤسسها جورج غيبو Georges Guilbaud. وقد كان ذلك استعراضاً تاريخياً مثيراً حقاً من اللواتي لثراء المعلومات وتكثيفها ودقّتها.

في إحدى لقطات المسلسل، وداخل دكان للجزارة، نشاهد ملصقاً لصورة الأميركي بيلي بابكي Billy Papke، أحد أبطال الملاكمة التاريخيين بداية القرن الماضي وقد توفي في الثلاثينيات. وفي لقطة أخرى، نرى معلّقة دعائية لحفلة للفنان التونسي الكبير علي الرياحي والفنانة صفية الشامية ويظهر فيها اسم الموسيقار قدّور الصرارفي، وهم من أشهر فناني تلك المرحلة.

أيضاً تبرز واضحةً صورة الزعيم المصري سعد زغلول في معظم مشاهد المقهى. وفي مكتب الشيخ بكَّار وأماكن أخرى، تظهر صورة الملك والزعيم الوطني التونسي المنصف باي (1881-1948) الذي يحتفي به المسلسل كثيراً في حوارات وأحداث عدّة.

ومن شخصيات المسلسل حمدة السرايري، وهو مبنِّج في مستشفى الدكتور صويلح، ومناضل في الحزب الدستوري الجديد، ومتطوِّع في حرب فلسطين، وتحمل أفكاره وشخصيته أطوار الحركة الوطنية برمتها خاصة في ما يُعبِّر عنه من أفكار وخطط الحزب. يقابله الدكتور صويلح نفسه بصفته رجلاً مخلِصاً للاستعمار، لا بالمعنى السياسي فقط بل بالمعنى الحضاري.

عندما يحصل صويلح على نيشان الافتخار الفرنسي، سيتصادم مع السرايري الذي هيَّج عليه أهل الحي في احتفاله بذلك التكريم. ولاحقاً سيقول صويلح لـحمدة في جملة جميلة وطريفة صاغها اللواتي: «ربّيتك مثل ما ربّى يوليوس قيصر بروتوس إلّي طَعْنه». وعندما ستتحرر باريس ويهزم الألمان، سيصرخ الدكتور صويلح من شرفة فيلته الفاخرة في ضاحية المرسى الراقية: vive la France libre [عاشت فرنسا الحرّة].

يسرد المسلسل تفاصيل كثيرة عن المواقف السياسية لحظة الحرب العالمية الثانية داخل أوساط الحركة الوطنية التونسية، ويبيِّن تياراتها المتنوعة شعبياً وتنظيمياً ومسار الحصول على الاستقلال والكفاح المسلح، وكذلك الإشارة إلى إضراب نقابات صفاقس في 5 آب/أغسطس 1947.

أيضاً يُخلِّد المسلسل ذكرى اغتيال الزعيم النقابي الكبير فرحات حشَّاد (1914-1952) عبر أغنية من فن الزّندالي يسمعها السجناء بحزن وبؤس. والخدمة الكبيرة التي قدَّمها المسلسل هنا أنّ التسجيل الوحيد تقريباً الذي يمكن العثور عليه لتلك الأغنية هو من المسلسل فقط!

 

رغم ذلك، كان التصوير الاجتماعي الجانب الأكثر إتقاناً في المسلسل، في صورة درامية تعيد كتابة التاريخ الاجتماعي لتلك المرحلة: الموقف من مُخدِّر التكروري الذي قاومته الحركة الوطنية، ومشاهد البؤس والفقر الشعبي، ووضعية المرأة، وانتشار الأمية، والوضع الاقتصادي الصعب إبّان الحرب. حتى يمكننا أن نعرف أسعار بعض المواد الغذائية والسلع الأخرى في الأربعينيات والخمسينيات. كان ذلك عملاً متقناً حقاً في جانبه البحثي، على يد اللواتي.

وبأسلوب شديد العلمية، يرسم المسلسل الخريطة الاجتماعية لتلك المرحلة بدقّة: الأوروبيون الذين يقطنون الحيّ الأوروبي من تونس العاصمة، والمسلمون الذين يسكنون المدينة العتيقة. كما نرى النخب الثرية التي تسكن الضاحية الشمالية البحرية للعاصمة (خاصة في المرسى) وهناك فرنسيون ومالطيون وإيطاليون يعيشون منعزلين عن التونسيين.

هكذا أتقن اللواتي في قمرة سيدي محروس رسم معالم تونس ثقافياً واجتماعياً وسياسياً في ذلك الزمن، ومارس نوعاً من البذخ المعرفي في استعراض معارفه التاريخية. يمكن القول إنّه ترك بهذا العمل بصمة حقيقية وقويّة وفارقة جداً في الدراما التونسية.

 

بصريات وشخصيات وروح تونسية

يشدّني حضور اللوحات المكثّف في المسلسلات التي يكتبها علي اللواتي. يبدو ذلك بصمته الشخصية في هذه الأعمال، ومع مختلف المخرجين الذين تعامل معهم، مع العلم أنّه عمل مع عدد قليل من المخرجين في مسلسلاته وأهمهم صلاح الدين الصِّيد والحبيب المسلماني وحمَّادي عرافة.

ثمة لوحات في كل مكان في أعماله، كما أنّ الفنانين والرسامين والمثقفين جزء أصيل من كل عمل درامي يكتبه. في مكتب الدكتور صويلح مثلاً، تشدّنا بقوّة لوحة كبيرة بارزة تبدو كأنّها من الانطباعية الكلاسيكية. وفي كل مكان من أحداث مسلسلاته، نشاهد اللوحات بصورة باذخة وبمتعة بصرية عالية.

لكن حين ننظر الآن إلى مجمل أعماله، يبدو علي اللواتي مأخوذاً بـ«الهوية التونسية» وفق ما يقول في حواراته، فيما تدور معظم كتاباته الأخرى وأبحاثه ومحاضراته حول هذا المعنى أيضاً. فتنضح عوالمه الدرامية بـ«روح تونسية» ثرية في جماليتها وبلاغتها التصويرية: المنازل والمعمار والديكور والأطباق والكلمات والموسيقا واللهجات والألوان والأزياء والوجوه والأسماء... تبدو جميعها تونسية صميمة.

 

يمكن أن نرى هوساً ما بـ «تَوْنَسة» التفاصيل كافة، ضمن التوافق/التفاهم/التكامل بينه وبين المخرجين الذين عمل معهم. فثمة إبداع كتابي وبصري في المشاهد الدرامية التي يصوغها اللواتي وشركاؤه المخرجون، إلى درجة أنّه قد يمكن تشمُّم روائح المكان.

كما يكتبُ اللواتي غالباً لممثّلين بعينهم، فيُطابق الشخصية مع الممثّل بصورة مسبقة في ما يبدو جزءاً من التوافق الفني مع المخرجين. لذلك، تتواتر وجوه ممثلين عديدين في غالبية مسلسلاته، إلى درجة أنّه يمكن إحصاء عدد كبير منهم يحضرون في معظم أعماله.

أيضاً يشتغل على الشخصيات بعمق، فنلمس ثراءً روائياً في شخصياته الدرامية. نلحظ أيضاً تحوّلاتها ضمن سياقات الأحداث وتطوّراتها، فهي شخصيات بقدر ما تبدو بسيطة لكنّها مركبة ومتحوّلة ومتطوّرة مع الزمن ومسارات القصة. غير أنّ معظمها يفتقد البُعد الواحد، إذ ثمة دائماً شخصية نقيضة في داخل كل واحدة منها.

ومما يخلق أيضاً ثراءً في العوالم الدرامية والقصة والفضاءات والأحداث هو تداخل شخصيات عدّة في الحدث الواحد، ما يجعل الأعمال ثرية بها وتكون من مختلف الطبقات الاجتماعية. فلا تدري مَن المركزي ومَن الهامشي.

 

الرّحيلُ إلى المَرسَم

كان الأستاذة ملاك آخر أعماله الدرامية لكنّه لم يحقق أي نجاح يذكر ومرَّ في زحمة 2011 والهوجة التي طاولت كل شيء. لا يعترف علي اللواتي بإخفاق المسلسل رغم أنّه لم ينجح فعلياً، بل لم ينجح مطلقاً. كان من الأعمال التي تُكتب على عجل، وتفتقد العمق، وتسير على موجة ما هو قائم.

 

يحكي المسلسل عن أحداث ثورة 2011 وسقوط النظام، فهو اجتماعي/سياسي ولكن لم يكن اللواتي قد تورّط سابقاً في أي عمل درامي بشحنة سياسية واضحة. فعلى غرار جميع كتَّاب الدراما في تونس، كان يكتب في مواضيع اجتماعية أو تاريخية لا رسائل سياسية واضحة فيها ولا حتى مبطَّنة، وذلك بخلاف ما تعرّض له عودة المنيار من تضييق إداري واقتطاع لقطات، وفق ما يحكي مهندس الصوت محسن الفريجي.

قبل 2011، لم تكن الدراما التونسية برمّتها تحمل أي مضامين سياسية أو نضالية أو ثورية، وإنّما كانت دراما اجتماعيّة مُطلقة وتتماهى مع رؤية النظام السياسي. مع العلم أنّنا نفتقر في تونس إلى دراسات مثل التي اشتغلت عليها كثيراً الباحثة الايطالية دوناتيلي دي لاراتا حول الدراما السورية وعلاقتها بالمؤشرات السياسية الداخلية والخارجية ومضامينها الفنية ذات البعد التسويقي العربي وبخاصة الخليجي، فضلاً عن تفكيك تلك العلاقة بين ما هو سياسي وبين ما هو درامي.

يؤكد اللواتي في أحد حواراته ابتعاده عن السياسة في أعماله وجنوحه نحو ما هو أعمق اجتماعياً وفكرياً. وهذه في الحقيقة ميزة، لأنّه أبدع في الدراما الاجتماعية والتاريخية بعمق وأخفق تماماً حين دخلت السياسة في مسلسله الأخير. إنّ أعماله نفسها مثال نموذجي لذلك الابتعاد عمَّا هو سياسي، والغوص في ما هو اجتماعي وتاريخي، وما هو متماهٍ مع رؤية النظام.

نجد سخرية لاذعة من الشخصية اليسارية بتعابيرها النخبوية الكاريكاتورية وأوضاعها الاجتماعية البائسة. كما تحمل شخصية اليساري دائماً شحنة مأسوية منفِّرة. كذلك، يبتعد اللواتي عن صورة المرأة المحجبة التي تغيب كثيراً عن شخصياته. فتحضر «الفولارة» غطاءً بسيطاً للرأس الأنثوي عند نساء الأرياف والأحياء الشعبية، لكن يغيب الحجاب كرمز سياسي.

ومع أنّ أعماله لا تحمل أبطالاً بالمعنى الذي تجعل أحدهم من تدور الأحداث حوله، إذ تتوزع البطولة بين مختلف الشخصيات، فإنّ المرأة هي دائماً القوية المتحكّمة في الأحداث، وهي مناضلة ومنتصرة على جراحها ومكافحة في وجه الحياة والمأساة والأقدار.

 

ولكن «على الفنّان أن يعرفَ متى يتوقّف». فهكذا أعلن علي اللواتي رحيله عن الكتابة الدرامية وعودته إلى مرسمه ولوحاته ومشاريع فنية أخرى. يفسّر استقالته بتغيّر الأجواء داخل التلفزة التونسية بعد 2011، وتغيّر طرق التعامل مع المخرجين الجدد والصغار «الذين يجب أن يأخذوا فرصتهم أيضاً».

يؤكد أنّ نجاحه وُلد أساساً من رحم توافقه التام مع المخرجين الذين عمل معهم واتفاقهم على التفاصيل والرؤية والمعالجة. فيبدو التوافق بينه وبين هؤلاء المخرجين خلطة حقيقية للنجاح، إذ يُلمس تأثيره في الصور الدرامية وبخاصة رؤيته في التفاصيل البصرية النهائية كافة.

اعتزل علي اللواتي بعدما كتب بفرشاة رسّام للدراما التونسية، تماماً مثلما يفعل حين يقتل التفاصيل بين لونين متجاورين في لوحة على قماش أبيض. ولمّا توقّف عن الدراما وانصرف إلى شؤون ثقافية وفنية أخرى، كان قد ترك أعمالاً لا تنسى في تاريخ الدراما التونسية، علقت بقوّة ولا أظنّها تُمحى.

صنعها هناك حيثُ جلس طويلاً على الدرج.

محمد بالطيِّب

كاتب صحافي وباحث تونسي.

×