24 نيسان 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

كاليه، مدينة حُفاةٍ وعقارب

أحمد نظيف

19 نيسان 2023

العدد الثالث
لكاليه حضور دائم في الإعلام الفرنسي بوصفها النقطة التي تنتهي عندها أحلام المهاجرين (EPA)

كان الجو صحواً أكثر من أي وقت مضى خلال شباط/فبراير الذي توالت أيامه عاصفةً مسكونةً بالضباب والغبش. هناك على رصيف محطة الشمال بباريس، وقفتُ عند موضع صغير تتسرب إليه الشمس من فوهة محدبة في السقف الفولاذي العالي، بمتعة لم يقطعها سوى قطار مقاطعة با دو كاليه متهادياً.

الوجهة هي إلى كاليه، المدينة الفرنسية على الضفة الجنوبية لأحد أبرز المضائق النشطة تجارياً في العالم، لتقابل مباشرة شواطئ دوفِر في جنوب شرقي إنكلترا. وهي مدينة ذات تاريخ عمالي فرنسي حافل، وحضور دائم في وسائل الإعلام بوصفها النقطة التي تنتهي عندها أحلام المهاجرين القادمين من أفغانستان والدول الآسيوية والقرن الإفريقي في سعيهم لعبور قناة المانش نحو إنكلترا برحلات سرية تستغرق بضع ساعات.

يقطع القطار بين باريس وهذه المدينة براحاً واسعاً من الحقول مروراً بعاصمة الشمال: لِيل. وبين الأخيرة وكاليه مساحات واسعة تمثُل فيها بقايا مصانع قديمة كشاهدة وحيدة على التاريخ الصناعي للمنطقة. كنت أشاهد الطريق من خلف الزجاج السميك، وأحياناً تدخل أفكاري حيِّز الغياب نحو تخيُّل جدي ووالدي اللذين عملا عقوداً في فرنسا وتنقلا بين هذه المصانع البعيدة وحضائر البناء في مدن الشمال البارد. وقع ذلك عندما كان المهاجرون في طليعة مشاريع إعادة البناء خلال ما يسميه الفرنسيون على سبيل الفخر «الثلاثون المجيدة» Trente Glorieuses، أي من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى منتصف السبعينيات. لكن، كم جرت مياه تحت جسور كاليه، وكم تغير مزاجها!


في يومنا، يمثِّل المهاجر شخصية العدو في هذه المدينة. فالمهاجرون كما تنقل وسائل الإعلام الفرنسية عن ناشطي مجموعات الهوية النقية واليمين المتطرف «كائنات شيطانية» لا تفعل شيئاً سوى محاولة الاستيلاء على المدينة وأصحابها. لذلك، أنشأ بعض هؤلاء عام 2013 حركة «أنقذوا كاليه»، وهدفها الأساسي طرد جميع المهاجرين غير النظاميين، مع أنهم لا يرغبون في البقاء بل يتطلعون إلى السواحل الإنكليزية.

أيضاً تظهر بانتظام في خطاب المجموعات اليمينية المتطرفة مصطلحات مثل «الغزو» و«الاستعمار». وقبل سنوات، وقف المتحدث باسم الحزب القومي الفرنسي، إيفان بينيديتي، خطيباً وسط المدينة خلال مظاهرة، ليعلن أن «زحف المهاجرين سيدمر مستقبل كاليه وفرنسا بأكملها، والحكومة لا تسمح للشرطة بأداء عملها في ملاحقة هؤلاء»، محذراً بأن «من شأن الافتقار إلى الإرادة السياسية من جانب الدولة تبرير اللجوء إلى اليقظة الشعبية»، أي على السكان أن يتولوا الأمر بأيديهم ويشرعوا في طرد المهاجرين ومنعهم من اتخاذ المدينة «محطة للهجرة».

اللافت أن حدة الاشتباكات بين الشرطة الفرنسية والمهاجرين ارتفعت بعد بروز دور المجموعات اليمينية المتطرفة في المدينة، إذ كانت قبل 2015 أقل شأناً. وستندلع في خريف 2016 اشتباكات هي الأعنف بين الشرطة ومئات المهاجرين قرب «مخيَّم الغابة» الذي كان يأوي نحو 10 آلاف مهاجر.

 

«تشكيل اجتماعي غريب»

عندما توقف القطار على رصيف محطة كاليه، كانت حتى شمس باريس الخجولة قد اختفت. السحاب الرمادي الذي يكلل المدينة هو اللون السائد في الشمال الفرنسي في غالبية شهور العام، وهو ما يزيد هذا الإقليم كآبةً.

توجهت مع صديق إلى الأطراف الشمالية للمدينة قرب المرفأ، حيث سرعان ما وجدنا بين تجمع صغير من الأشجار نحو عشرة من المهاجرين يوقدون ناراً كبيرة للتدفئة، وغالبيتهم من الجنسيات الأفغانية والباكستانية والإيرانية. رفضوا الكلام مكتفين بترداد: «لن نعود إلى بلادنا حتى نقطع القناة أو نموت فيها».

وجوه شاحبة تبدو عليها ضربات البرد، وأطراف لا تخلو من كدمات تعرضوا لها أثناء الفرار من ملاحقات الشرطة ليلاً، وهي مطاردات تخفت حدتها في النهار بسبب ابتعاد المهاجرين عن نقاط العبور الحدودية نحو أماكن خفية في الأطراف.

تطلق السلطات المحلية على هذه الأماكن «نقاط التثبيت»، أي الأماكن التي يتجمع فيها المهاجرون قبل محاولتهم الإبحار شمالاً بالقوارب والبواخر، أو بالتسلل إلى داخل الشاحنات قبل دخولها نفق المانش الذي يصل بين البلدين.

تسعى الشرطة إلى تجفيف «نقاط التثبيت» هذه بوضع المهاجرين في مراكز التجميع الخاصة بالهجرة واللجوء، إذ لا تستطيع ترحيلهم ولا القبض عليهم لأن غالبيتهم قادمون من مناطق نزاع وسيُطلق سراحهم في حال المثول أمام قاضي الهجرة.

كان هؤلاء المهاجرون، قبل سنوات، يتجمعون في مخيَّم كبير داخل غابة كاليه، في واقع نشأ بعد 2003 مع توقيع فرنسا والمملكة المتحدة اتفاقية تقضي بإلغاء مراقبة الحدود في إنكلترا بالنسبة إلى الشاحنات التي تعبر النفق، على أن يجري التفتيش على مستوى الموانئ الفرنسية وحصر التفتيش الإنكليزي في القوارب. هذا التحول دفع الراغبين في الوصول إلى بريطانيا إلى تحويل كاليه إلى ما يشبه المحطة، فيبقى بعضهم أياماً وبعضهم الآخر أشهراً أو حتى سنوات، وهو ما أدى إلى تكوين مجموعة سكانية «غريبة عن المدينة»، كما تقول المجموعات اليمينية المتطرفة.

تعزَّز هذا «التشكيل الاجتماعي الغريب» مع الزمن بسبب التناقض بين التشريعات الأوروبية الاتحادية والتشريعات الوطنية لكل دولة. فمن جهة، تعجز فرنسا عن الترحيل أو وضعهم في السجون، خاصة أن القانون الأوروبي يمنحهم حق الوجود لأسباب تتعلق باستحالة العودة إلى موطنهم الأصلي، ومن جهة أخرى، ترفض بريطانيا استقبالهم لأنها كانت دائماً غير مكترثة للتشريع الأوروبي.

يقول محمد درويش الذي رافقني ويعمل منذ بضع سنوات في منظمة دولية لرعاية المهاجرين ممن يتحينون الفرصة لعبور البحر: «في البداية، لم يكن وجود هؤلاء المهاجرين مشكلة لسكان المدينة، فقد كانت الطريق بين فرنسا وبريطانيا سالكة. لكن منذ 2006 بدأت السلطات البريطانية تشدِّد قبضتها على المعابر الحدودية بالتنسيق مع فرنسا، فغدت عمليات التسلل إلى الشاحنات أو البواخر صعبة، وصارت عمليات المرور غير منتظمة وتكدست أعداد كبيرة من المهاجرين في المدينة».

تفاقم هذا الوجود إلى حدود 2013 عندما نشرت رئيسة بلدية كاليه، ناتاشا بوشار، نداءً تحث فيه السكان على تحديد واستنكار أي مؤسسة تساعد هؤلاء، وهو ما دفع الناشط اليميني المتطرف كيفين ريش إلى إنشاء صفحة «أنقذوا كاليه» على منصة فيسبوك، وسرعان ما تحولت إلى حركة شعبية ترفع ثلاثة مطالب: التأسيس الرسمي لمجموعات يقظة شعبية لمكافحة وجود المهاجرين غير النظاميين، وحل مجموعات دعمهم، وحبسهم في مخيَّم مغلق.

دفع هذا الحراك السلطات الفرنسية إلى محاولة تنظيم وجود المهاجرين بافتتاح مخيَّم استقبال في نيسان/أبريل 2015 يأوي نحو 1500 شخص. لكن أزمة الهجرة التي ستندلع صيف ذاك العام مع تدفق آلاف اللاجئين السوريين والعراقيين رفعت أعداد المهاجرين غير النظاميين في كاليه بصورة حادة، فصار «مخيَّم الغابة» يأوي ما بين 6 آلاف و10 آلاف، وقد قابلت الحكومة ذلك بتفكيكه في العام التالي، ناقلة معظم أفراده إلى مراكز الاستقبال والتوجيه المنتشرة في أنحاء البلاد كافة.

لم يمنع هذا الأمر الحالمين ببلوغ السواحل الإنكليزية من البقاء في المدينة رغم ملاحقات أمنية وشعبية من «السكان الأصليين» تضفي جواً مسموماً تجاه كل غريب، أو مهاجر، أو لاجئ.

 

«اليسار الباريسي»

في نهاية الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية التي جرت في حزيران/يونيو 2022، فاز حزب التجمع الوطني، وهو أكبر ممثل سياسي لليمين المتطرف في فرنسا، بنصف الدوائر الانتخابية في مقاطعة با دو كاليه، فيما تقاسمت بقية المكونات النصف المتبقي.

لمعرفة مدى رمزية هذه المقاطعة بالنسبة إلى الحزب، فقد ترشحت فيها زعيمته مارين لوبان، وحصلت على أكثر من 61% من الأصوات في الدائرة 11، فيما ألحقت المرشحة في الدائرة السادسة كريستين إنغراند الهزيمة بالوزيرة بريجيت بورغينيون.

بعدما كانت با دو كاليه معقلاً من معاقل الحزب الشيوعي بين 1945 وبداية الثمانينيات، ظلت حتى انتخابات 2007 خزاناً انتخابياً قوياً لـلحزب الاشتراكي. فكيف تحولت بأكملها من أحد معاقل الأخير والطبقة العاملة بكل تنوعها العرقي واللغوي، التي لا يجمع بينها سوى التضامن العمالي والسردية الحقوقية، إلى معقل من معاقل اليمين القومي المتطرف؟ هل يمكن لمكان أن يفقد روحه في غفلة من التاريخ؟

يرى الناشط كزافييه شوفان أن مارين لوبن هي «من يدافع عن العامل الفرنسي اليوم» (opale.photo)

ليست هذه الظاهرة حكراً على المدينة، بل صارت إحدى سمات المناطق الصناعية الفرنسية برمتها، حيث الطبقة العاملة تميل نحو منح أصواتها لليمين المتطرف. لكن، «دعك من الشعارات والأسماء الكبيرة. من يدافع عن العامل الفرنسي اليوم، ولا سيما في الشمال والشرق، هي مارين لوبان وحزبها. أين الاشتراكيون؟ بعضهم في حضن ماكرون يدافعون عن مشروعه النيو-ليبرالي، وبعضهم موغل في قضية البيئة والدفاع عن الأقليات. أعتقد أن من تغيَّر هو اليسار لا العمال»، يقول كزافييه شوفان، وهو ناشط ضمن مجموعة نقابية صغيرة ذات توجهات يمينية متطرفة، وينتمي إلى عائلة من الطبقة العاملة.

كان والد شوفان ناشطاً نقابياً وشيوعياً في سبعينيات القرن الماضي، ووالدته مدرِّسة وناشطة في صفوف «الشيوعي»، فكانت أصوات العائلة لا تخرج على اليسار. تسمَّى هذه الظاهرة في المجتمع الأكاديمي الفرنسي «اليسارية اللوبانية» Gaucho-lepénisme نسبة إلى جان ماري لوبان، وهو مؤسس حزب الجبهة الوطنية اليميني (سينبثق منه لاحقاً حزب ابنته، مارين). وقد وضع هذا المصطلح عالم السياسة الفرنسي باسكال بيرينو في كتابه المشترك مع كوليت يسمال Le vote de crise; L'élection présidentielle de 1995 [تصويت الأزمة: انتخابات 1995 الرئاسية] الذي يحلل نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي شهدت فوز جان ماري لوبان بأصوات 30% من العمال و25% من المتعطلين من العمل، متقدماً على مرشح «الاشتراكي» في هذه الفئة.

«تشكلت اليسارية اللوبانية من رافد مهم هو الناخبون الجدد القادمون من اليسار محبطين، وبعض الناخبين الذين صوتوا لـلجبهة الوطنية لكن استمروا في ادعاء انتمائهم إلى اليسار»، يقول بيرينو مضيفاً أن «بعضهم يقطعون العلاقات تماماً مع اليسار وينسون خياراتهم السابقة، فيما يعاني آخرون من التوتر بين الانتماء المستمر إلى اليسار والاختيار الانتخابي لمصلحة الجبهة الوطنية».

لا يتملص شوفان من كونه ينتمي إلى هذا النسق، فعندما أصفه بأنه من جماعة «اليسارية اللوبانية»، يقلِّص قوس حاجبه قائلاً: «أعتقد أنني على نحو أكثر دقة من "العمالية اللوبانية" ouvriéro-lepénisme لأن اليسار الذي عرفته في بيتنا بكاليه لم يعد موجوداً، فقد صار آخر همه الاهتمام بأحوال العمال».

ويكمل: «يأتي باحثون وصحافيون إلى با دو كاليه دائماً ويطرحون مثل هذه التوصيفات على سبيل الإحراج لكننا لسنا محرجين أبداً. العمال طبقة واعية بذاتها وتعرف مصلحتها بعيداً عن شعارات اليسار الباريسي».

 

اشتهاء الطبقة العاملة

يشكل طول عهد محمد درويش بالمدينة مخرجاً لي من أي غموض يحيط بها. هو جاء قبل سنوات إلى شمالي فرنسا طالِباً «فضَلَّ طريقه» نحو المنظمات غير الحكومية. ورغم أنه غادر كاليه منذ مدة، فإن مقامه الطويل فيها جعله شاهداً عليها وعلى تحولاتها.

حين سألته عن كزافييه شوفان ونظرائه، قال: «خلال إقامتي في كاليه ربطتني صداقات كثيرة بناشطين يساريين وحقوقيين، وشاهدت كيف يتحول بعض هؤلاء إلى اليمين شيئاً فشيئاً. بعضهم توقفوا عند يمين الوسط، وبعضهم واصلوا الطريق إلى أقصاه». ويبدي اعتقاده أن «تناقضهم لم يعد طبقياً، بل غدا تناقضاً قومياً، فيَرون في المهاجرين خطراً على نحو عجزت عن تفسيره، ويبدو لي أن هذه الردَّة الفكرية حدثت بعد موجة من التحولات التي عاشتها نخب يسارية وقفزت خلالها نحو أقصى اليمين العنصري، ولعل أبرزهم روبير مينار ورينو كامو، صاحب نظرية "الاستبدال العظيم" التي تحوَّلت إلى عقيدة بالنسبة إلى اليمين المتطرف في أوروبا».

تقول هذه النظرية بوجود «مؤامرة» لإبدال الفرنسيين، والأوروبيين عامةً، بسكان ينحدرون أساساً من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والمغرب العربي، وإن هذه العملية ستؤدي إلى تغيير ثقافة البلاد.

ما يقوله محمد يؤكده عدد من الشواهد التاريخية. فمنذ عام 1992 صاغ حزب الجبهة الوطنية «برنامجاً جديداً لتقييم الوضع الاجتماعي» وانفصل عن عقيدته الليبرالية الاقتصادية المتطرفة للمرة الأولى، ثم جعل لاحقاً في منتصف التسعينيات من «الدفاع عن العمال» أحد موضوعات خطابه وبرنامجه السياسيين، كما يوضح الباحث في علم الاجتماع ألكسندر ديزي في دراسة بعنوان La dédiabolisation [نزع الشيطنة][1].

يعود هذا الانعطاف إلى طبيعة العقيدة القومية الصلبة التي تحملها الجبهة، إذ رأت أنه في مواجهة العولمة وذوبان فرنسا في الاتحاد الأوروبي لا بد من التوجه في مسار معادٍ للتحلل القومي. من بين مظاهر هذا التحلل، وفق عقيدة اليمين المتطرف، تفكيك القدرة التصنيعية الفرنسية عبر نقل الصناعات المحلية إلى الخارج، خاصة السيارات، ومن ثم تصدير الوظائف وتفكيك الطبقة العاملة. لذلك، لا ينطلق هذا الحرص على الطبقة العاملة من أرضية تقدمية بل قومية حمائية.

في المقابل، كان الحزب الاشتراكي الفرنسي يسير في الاتجاه المعاكس، فبعدما نجح الرئيس فرانسوا ميتران في إضعاف الحزب الشيوعي، أضحى الاشتراكيون الممثل الأول لليسار، ومنذ أواخر الثمانينيات توجهت إدارة ميتران نحو نهج نيو-ليبرالي. ثم بعد سقوط جدار برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج لاحقاً، حين صارت ألمانيا وفرنسا تقودان تحوُّل السوق الأوروبية المشتركة نحو وحدة سياسية، ترافق ذلك مع نهج فرنسي نحو مركزية قطاع الخدمات وتصدير القطاع الصناعي إلى وجهات في العالم الثالث للاستفادة من الأيدي العاملة الرخيصة، والتسهيلات الضريبية، وأيضاً كبداية للوعي بالمسألة البيئية.

هذا التحول الجذري دفع مئات من العمال إلى البطالة أو تغيير تخصصات العمل، كما أفقد المراكز الصناعية حيويةً كانت قد جعلت منها على مدى عقود مساحة للتفكير والتنظيم والعمل النقابي والسياسي والثقافي، وزاد أيضاً هيمنة المركز الباريسي على البلاد ثقافياً وسياسياً.

في بلدات ومدن با دو كاليه، يعتقد غالبية العمال الذين التقيتهم أن فرصهم في العمل سُرقت منهم ومنحت لسكان العالم الثالث في المغرب أو البرازيل أو الصين، حيث انتقلت إليها معظم المصانع الفرنسية. لذلك، يكون سلوكهم ضد المهاجرين من العالم الثالث عنيفاً وخطابهم أكثر عنفاً وكراهيةً. هنا تلعب الخطابات التي يروِّجها قادة اليمين المتطرف دوراً في تعميق هذه التناقضات وإبرازها من أجل كسب مواقع انتخابية في هذه المناطق. وهو تكتيك أثبت نجاعته في كثير من المحطات الانتخابية.

«رفض إجابتي منهياً المحادثة حين سألته ممَّ سيستفيد لو طرَد مهاجراً من كاليه؟» (Reuters)

صار قادة اليمين يستثمرون أكثر من أي وقت مضى في كتلة العمال والأجراء كونها خزاناً انتخابياً مهماً وحاسماً. فيعمل في فرنسا أكثر من خمسة ملايين، قطاع واسع منهم من الأجانب الذين لا يحق لهم التصويت. وتبدو هذه الطبقة اليوم أقل تجانساً بعدما أدت تحولات الصناعة المحلية وانهيار الهياكل السياسية والنقابية الرئيسية إلى تقويض عميق للثقافة العمالية.

بالتوازي، ثمة طبقة وسطى واسعة يكوِّنها في الأساس أجراء القطاعين العام والخاص، والعاملون في قطاع الخدمات من ذوي الدخل الضعيف والمتوسط، وكذلك صغار الكسبة والحرفيين. يمكن أن نسمي هذا الخليط الطبقة الشعبية، وهي طبقة شأنها شأن العمال، لها نزوع نحو اليمين المتطرف بحسب أرقام الانتخابات.

الطبقة نفسها تعاني، كما العمال أيضاً، من تبعات الانزياح الفرنسي نحو النيو-ليبرالية، مع العلم أن فرنسا لا تزال تحافظ، مقارنةً بدول أوروبية أخرى، على هياكل الخدمة العامة الاجتماعية مثل التغطية الصحية ورواتب البطالة وغيرها.

 

لكن، من سيعوِّض؟

عاش غِيوم، المنحدر من عائلة من الطبقة العاملة، حياته كلها في بادو كاليه، وعمل في مصنع Metaleurop للرصاص حتى إغلاقه عام 2002. حدث ذلك قبل أن يدرك الأربعين ويجد نفسه متعطلاً من العمل بلا دخل سوى من مساعدة الدولة الشهرية. لم يكن مهتماً بالسياسة لكن محنته ورفاقه دفعته إلى الاهتمام أكثر، ومتابعة الجدل السياسي الذي لا ينتهي على إذاعات ومحطات البلاد التلفزيونية.

بدأ وعائلته منذ 2007 بمنح أصواتهم لحزب الجبهة الوطنية لأن النخبة السياسية التقليدية من يمين الوسط ويسار الوسط هم «مجموعة من الفاسدين يتبادلون مواقع السلطة في كل انتخابات دون أي تغيير، وبرنامجهم السياسي واحد: تدمير الخصوصية الفرنسية وإذابتها في أوروبا».

أمثاله كثيرون في با دو كاليه. ذرائعهم عقلانية يؤكدها الواقع لكن نتائجها لا تبدو عقلانية. عندما سألته ممَّ سيستفيد لو طرَد مهاجراً أفغانياً من كاليه، وهل سيعيد ذلك الفعل مجد الصناعة الفرنسية هنا؟ رفض إجابتي منهياً المحادثة.

هكذا تبني الأحزاب اليمينية المتطرفة الأوروبية، ذات النزعة الشعبوية القومية، برنامجاً سياسياً متماسكاً في الذريعة المواجهة للخصم الليبرالي أو اليساري، لكن بأفق يبدو عديماً إلى أبعد الحدود. فالتناقض الذي تطرحه الشعبوية القومية بين السكان الأصليين والمهاجرين ليس هو التناقض السليم لحل معضلة الطبقة العاملة أو بقية الطبقات الشعبية.

رحتُ أتساءل في طريق عودتي: من سيعوِّض أولئك المهاجرين في المواقع التي يشغلونها؟ الشاب المغاربي خلف زجاج شباك التذاكر، والسائق البرتغالي في مقدمة القطار، والمرأة المهاجرة التي تنظف الرصيف باجتهاد كبير، والمئات الذين التقيتهم في قطار الفجر وبين دروب المحطات الباريسية يتجهون إلى حضائر البناء، وكذلك الشباب المغاربيون العاملون في المستشفيات وخلف الحواسيب في شركات التكنولوجيا في ضاحية باريس، لا ديفانس؟

عندما ستصعد مارين لوبان إلى الحكم بعد أربع سنوات، كما تقول بعض استطلاعات الرأي، هل ستكون قادرةً على سحب روح العمل من الجسد الفرنسي؟

 

العنوان مقتبس من عنوان كتاب
للكاتب والصحافي اللبناني نصري الصايغ.


[1] نشرت ضمن كتاب جماعي عام 2015 بعنوان Les Faux-semblants du Front national: Sociologie d’un parti politique  ]الذرائع الكاذبة للجبهة الوطنية: سوسيولوجيا حزب سياسي[.

أحمد نظيف

كاتب صحافي تونسي، وباحث مهتم بالعلوم الاجتماعية، صدر له: بنادق سائحة: تونسيون في شبكات الجهاد العالمي (2016)؛ المجموعة الأمنية: الجهاز الخاص للحركة الإسلامية في تونس (2017)؛ عشر ساعات هزّت تونس.. حريق السفارة الأمريكية ونتائجه (2019)؛ التاريخ السرّي للإخوان المسلمين في تونس (بالإنجليزية 2020).

×