27 تشرين الثاني 2022

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

سوف يقفزان

محمود مروّة

14 نيسان 2022

العدد التجريبي
اللوحة من تصميم الفنانة فاطمة الباشا

لو أنّ الأماني تختزلُ المعجزات لأعاد المراسل وحماره ترتيب النجوم بحثاً عن ثالثهما الذي رحل. كان رفيقهما، صحفيٌّ من خامة الأبطال. طويلاً اقتفيا أثره فبلغا البحر. منذ بدء مسيرهما اعترتهما الرغبة بجعل نبأ رحيله خبراً مفتوحاً لا نهاية له! عند الصخرة القصيّة قبالة الأزرق الشاسع ها هما يقفان كالبطل الصغير يدخل عالم الكبار بغتةً في قصّة دوستويفسكي. لكنّهما؛ توّاً أدركا أن الطريق انتهت، وأنّ سبيليهما المتبقيين هما القفز أو التراجع. رغم معرفته أنّ البحر خطيئة أتى الحمار إلى هنا، فدوماً ثمّة منقذ أخير.

إنّهما شخصيتان متخيلتان، اختير الحمار لصبره وحكمته ورويّته، ولدأبه على اجتراح الدروب بين المسالك الوعرة. فيما الآخر صحفيّ يجول لنقل أحداثٍ إلى الزمن الحاضر المجرّد إلا من الواقع. يدرك الحمار أن تعزية النفس على ثقل الأحمال أكثر جدوى من الغرق في دوّامة أسئلة القدر.

كالعجوز في رواية همنغواي سيخوضان بعد قليل في المجهول مبحرين على متن مركب مدركين أنّهما بمواجهةِ حتميةٍ قدرية، لكنّهما يصران على المواصلة حتى النهاية.

هي لحظة فاصلة بين زمنين، كاللحظة الفارقة في الخبر الصحفي. والعين توّاقة لما يليها. فبينما يرتهن مصير الشخصيتين للحظة لا تنتهي فيما هما غارقان بالتأمل تستعيد الصحافة رونقها كما علّمهما رفيقهما. اللحظة هي الموطئ الأول للعمل الصحفي، وأوّل أفعاله التي لا تكتمل إلا بنقل الماضي القريب إلى الحاضر. من هذه الواقعية تنطلق مجلّة المراسل ساعية للإسهام بإنتاج خطى حثيثة في عالم سريع التغير. هي لا تتطلع إلى فجر جديد، ولا تأمل بحلوله، لكنّها تحاول أن تصنع من الحديد قمراً.

الآن سيغزو المراسل وحماره موقعهما غزواً، تماماً كحال البطل الصغير عند دوستويفسكي... لقد قفزا.

 

محمود مروّة

محرّر المجلة، عمل في الصحافة المكتوبة في جريدتي السفير والأخبار اللبنانيتين، وفي وكالة الصحافة الفرنسية

×