27 تشرين الثاني 2022

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

هل يفعلها ميسي؟

هنري فراغر

21 تشرين الثاني 2022

العدد الأول
قائد منتخب الأرجنتين ليونيل ميسي في استاد لا بومبونيرا في بوينس آيرس (AP)

تبدأ حكايتنا في الثالث عشر من تموز/يوليو 2014، وتحديداً في ملعب ماراكانا في ريو دي جانيرو. كان الكثير من الأرجنتينيين يتطلعون إلى أن يحذو ليونيل ميسي في تلك الليلة حذو دييغو مارادونا، لينال لقب بطل العالم. بدا أنّ فوز الأرجنتين بالبطولة على أرض جارتها وخصمها اللدود، أي البرازيل، محتّماً، لكنّ الأقدار عاكستها... فقد تغلّبت ألمانيا عليها في الوقت القاتِل بنتيجة 1-0، ووُجِّهَت انتقادات كثيرة لأداء ميسي في بلده. لا بل اعتبر البعض أنّ دييغو (كما يسمّيه الناس في الأرجنتين) كان ليُلهِم منتخبه الوطني ليفوز باللقب لو أنّه كان حاضراً.

بعد ثماني سنوات من تلك المباراة، يستعدّ منتخب الأرجنتين بتفاؤل هادئ للمشاركة في بطولة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022 في قطر. فقد أحرز الألبيسيليستي (السماء البيضاء والزرقاء) فوزاً ساحقاً في التصنيفات، بفارق 11 نقطة من الأوروغواي التي حلّت في المركز الثالث. كذلك، لم يخسر المنتخب في 35 مباراة على التوالي، بما في ذلك فوزه على خصمه البرازيل في بطولة كوبا أميركا العام الماضي، وتشمل تشكيلة هذا الفريق لاعبين مخضرَمين وآخرين في ذروة شبابهم مثل ألفاريز وفرنانديز، اللذين يحقّقان أداءً مُدهشاً في أندية النخبة الأوروبية منذ انتقالهما من نادي ريفر بليت الرياضي هذا الصيف.

أما ميسي فهو في ذروة لياقته رغم تقدّمه في السن (35 عاماً). ففي 20 مباراة مع ناديه ومنتخبه الوطني، سجّل أكثر من 20 هدفاً و14 تمريرة حاسمة، ولم يذق طعم الهزيمة بعد هذا الموسم. ولا بدّ لميسي من أن يواصل أداءه اللافت هذا في قطر لمنح منتخبه الوطني فرصة الفوز ببطولة العالم في 18 كانون الأول/ديسمبر.

ولكن ما رأي الناس في الأرجنتين به، وباحتمالات رفعه كأس العالم هذا العام؟

 

النظرة إلى ميسي

بعد المباراة النهائية لبطولة كوبا أميركا في العام 2016، مرّ ميسي بعزيمة مُثبَطة أمام الكأس الذي كان من المفترض أن يحمله هو. كانت تلك هزيمته الرابعة في النهائيات، ووصلت به الخيبة إلى حدّ أنّه قرّر اعتزال اللعب للمنتخب الوطني، إلا أنّه حصل على جرعة هائلة من الدعم من بلده الأم، بما في ذلك مسيرة شارك فيها خمسون ألف مشجّع في بوينس آيرس لثنيه عن قراره. وفي الواقع، ما لبث أن تراجع بعد أسبوع.

كيف ينظر الأرجنتينيون إلى ميسي؟ ظاهرياً، يبدو أنّه محاطٌ بهالة من القداسة هنا. فوجهه يملأ اللوحات الإعلانية، واسمه يزيّن قمصان كرة القدم، كما أنّ الجداريات التي تُظهِره بقميصه الأزرق والأبيض الشهير تعمّ البلاد. لا شكّ في أنّه من ذوي الموهبة الاستثنائية في كرة القدم، لكنّ المرء يستشعر بعض الخيبة نتيجة إخفاقه في تكرار النجاحات التي حقّقها في الأندية مع منتخبه الوطني.

تولّى ميسي قيادة منتخب الأرجنتين في العام 2011 بعد جولة أرجنتينية مخيّبة للآمال في بطولة كوبا أميركا. حمل قرار المدرِّب والفريق الإداري دلالات عدّة، إذ إنّ ميسي بلغ من العمر آنذاك 24 عاماً، وأوكِلت إليه مهمّة قيادة منتخب مليء باللاعبين المحترفين الأكثر تمرُّساً. لكنّ هذا القرار وضع حملاً أكبر على كتفيه وترافق مع تدقيق أكثر تمعُّناً في أدائه. وبعد خسارة الأرجنتين نهائي كأس العالم لعام 2014، ونهائيي بطولة كوبا أميركا لعامي 2015 و2016، بدأ كثيرون يشكّكون في ما إذا كان فعلاً أهلاً لهذه المهمّة.

بعد سبع سنوات من الهزيمة المؤلمة في عاصمة البرازيل، ذاق ميسي أخيراً في 2021 طعم الانتصار في بطولة كبرى للأرجنتين (كوبا أميركا). فقد منح هدف أنخيل دي ماريا في الدقيقة الثانية والعشرين فوزاً على البرازيل، لتحصد الأرجنتين أول لقب كبير لها بعد 28 سنة من الغياب. وقد اختير ميسي كأفضل لاعب في البطولة، وأفضل هدّاف (بالتساوي مع الكولومبي لويس دياز)، وتكمن أهمية هذا الفوز بالنسبة إلى صاحب القميص رقم 10 وزملائه بأنه تحقّق في الملعب الذي تكبّدوا فيه هزيمة مؤلمة في نهائي كأس العالم لعام 2014.

كانت تلك الكأس الدولية الأولى لميسي، بعد 16 سنة على بدء مسيرته الاحترافيّة. عند مقارنة هذا الأداء بسجلّه على مستوى الأندية (11 لقباً في الدوري، و7 كؤوس محلّية، و4 ألقاب في دوري أبطال أوروبا)، يصحّ القول إنّ ميسي لم يُقدِّم لمنتخب الأرجنتين ما قدّمه لناديي برشلونة وباريس سان جيرمان.

ولكن رغم ذلك كلّه، ما زال المشجّعون يتوقون لرؤيته حاملاً كأس العالم في قطر. تلك هي القطعة الأخيرة المتبقية من البازل، اللقب الذي سيتوّج المسيرة اللامعة لهذا اللاعب الاستثنائي الآتي من روزاريو. فيديريكو، أحد لاعبي كرة القدم الهواة في بوينس آيرس، ومن ذوي الشغف الشديد باللعبة، قال لدى سؤاله عن فرص المنتخب الأرجنتيني وقائده في الفوز هذا العام: «آمل أن تفوز الأرجنتين لأجل ميسي، لإسعاده، فهذا ما يستحقّه».

يعتقد كثيرون أيضاً هنا أنّ كأس العالم لهذه السنة لن تكون البطولة الدولية الأخيرة لميسي، فبحلول العام 2026، سيبلغ 39 عاماً. صحيح أنّه لن يكون في ربيع عمره، لكنّه قادر بلا شكّ على تحقيق الفوز. أوتو، وهو محامٍ من بوينس آيرس، يحبّ التحدّث عن كرة القدم وأنديتها ومنتخباتها من كلّ أنحاء العالم، لا يعتقد أنّ مسيرة ميسي شارفت على الانتهاء بتاتاً: «حتى لو لعب ميسي بـ80٪ من قدرته الحالية، لا يزال بإمكانه تقديم الكثير للأرجنتين».

ولا شكّ في أنّ من شأن الفوز في أهمّ حدث رياضي في العالم، أن يُثلِج قلوب الملايين في هذا البلد الشغوف بكرة القدم، بخاصة في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي يشهدها.

 

هل فُرص الفوز جدّية؟

يكفي إلقاء نظرة سريعة على الترجيحات لمعرفة أنّ المنتخب الأرجنتيني من المنتخبات المرشحة للوصول إلى النهائي، إلى جانب جارته في أميركا الجنوبية البرازيل التي يُعدّ منتخبها الأكثر ترجيحاً للفوز هذا العام. ولكن ماذا عن المنتخبات الأوروبية الكبرى، مثل فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وإنكلترا؟ تغلّب المنتخب الأرجنتيني على غريمه الإيطالي، بطل أوروبا (الذي لم يتأهل لبطولة كأس العالم للمفارقة) بنتيجة 3-0 في المملكة المتّحدة. ورغم أنّ نهائي بطل أوروبا وبطل أميركا الجنوبية، الذي يُسمّى ببطولة «الفيناليسيما»، لا يُعدّ لقباً أساسياً، يبقى فوز الأرجنتين فيه إنجازاً لافتاً للمنتخب.

سجّل لاعبو المدرِّب ليونيل سكالوني أداءً قوياً جداً في التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم، إذ فازوا بـ11 مباراة، وتعادلوا في 6، ولم يخسروا أيّ مباراة، وذلك ضمن مجموعة تشمل البرازيل والأوروغواي، وكلاهما من المنتخبات التي لا يسهل إطلاقاً التغلُّب عليها. يلعب المنتخب الأرجنتيني وفق تشكيلة 4- 3 -3، ويعتمد أسلوب لعبه على الخصم الذي يواجهه. فعند مواجهة خصم ضعيف، تعمد الأرجنتين إلى الاستحواذ على الكرة وممارسة الضغط، كما رأينا في فوزها الأخير على الهندوراس. أما في مواجهة خصم قوي، تكتفي الأرجنتين بالمراقبة وبانتظار فرص الهجمات المرتدّة. ففي مباراتها ضدّ البرازيل في نهائي بطولة كوبا أميركا، بلغ معدّل استحواذ المنتخب الأرجنتيني على الكرة 40٪، لكنّه تمكّن من الفوز في النهاية.

يعدّ ميسي المحور الذي يدور حوله كل شيء ضمن هذه المنظومة. فسواء تراجع نحو مرمى فريقه للحصول على الكرة وبدء الهجوم، أو تقدَّم نحو منطقة جزاء الخصم، يبقى هو أساس كافة المناورات. يصعب تحديد موقعه ضمن التشكيلة بالضبط، إذ إنّ سكالوني يعطيه هامشاً من الحرّية الإبداعيّة. في التشكيلات الرسمية، يُصنَّف ميسي على أنه لاعب جناح أيمن أو رقم 10، لكنّ دوره مرنٌ للغاية وهو يتنقّل بين عدّة مواقع. كما أنّ لاعبي الهجوم الآخرين، مثل دي ماريا ولاوتارو، يعملون جيداً معه، فيغطّون المساحات التي يُخليها، ويتقدّمون من دون الكرة لإعطائه مساحات أوسع في جانب الهجوم، وقد أثبتت هذه التكتيكات نجاعتها حتى الآن.

من غير المفترض أن يواجه المنتخب الأرجنتيني صعوبات كبرى في المجموعة الثالثة، إلى جانب بولندا والسعودية والمكسيك، إذ إنّ أيّاً من هذه المنتخبات لا يشكّل تهديداً فعلياً. وفي حال فازت الأرجنتين بهذه المجموعة، من المرجح أن تواجه في الجولة الثانية منتخب الدنمارك الذي من المتوقع أن يحلّ في المركز الثاني بعد فرنسا في مجموعتهما، فيما لا يمكن التكهُّن بالنتائج بعد ربع النهائي.

غير أنّ أوجه الشبه مع بطولة كأس العالم لعام 2002 في كوريا واليابان كثيرة. آنذاك، تأهّلت الأرجنتين بسهولة، بفارق 12 نقطة عن الإكوادور التي حلّت في المرتبة الثانية. عُلِّقَت آمال كبيرة على تلك البطولة أيضاً، وشعر الكثير من المشجعين بأنّ منتخبهم سيحقّق نتيجة جيدة في آسيا، بعد أدائه الجيد في بطولة العام 1998. ومع أنّ منتخب ذاك العام افتقر إلى لاعب من طينة ميسي، إلا أنّه ضمّ لاعبين موهوبين جداً مثل باتيستوتا، وفيرون، وسيميوني، لكنّ الأرجنتين أُقصِيت من البطولة في دور المجموعات، بعد فوزها في مباراة واحدة فقط ضدّ نيجيريا. ومع أنه من غير المُنصِف مقارنة منتخب هذا العام بآخر من عشرين سنة، ينبغي ألا نغضّ النظر عن أوجه التشابه بينهما.

 

أصداء المشجّعين والصحافة

فلنبدأ بالمشجّعين. تجدر الإشارة أولاً إلى أنّ مشجّعي كرة القدم في الأرجنتين لا مثيل لهم في العالم، فهُم شغوفون للغاية وشديدو الولاء لمنتخبهم. تكفي جولة في السيارة في أنحاء العاصمة الأرجنتينية لرؤية عدد لا يُحصى من الملاعب المليئة بهواة كرة القدم. بنجامين، وهو وكيل عقارات محلّي يحبّ ممارسة هذه الرياضة، يصف العلاقة بين كرة القدم والناس على النحو التالي: «إنّنا أرجنتينيون، كرة القدم تسري في عروقنا».

بطبيعة الحال، في وجود لاعب من طراز ميسي في المنتخب، يعلّق الأرجنتينيون آمالهم على المُهاجِم وقدراته السحريّة لحصد الكأس في قطر. فمعظم المشجّعين يدعمون ميسي للسير بفريقه على الأقل إلى النهائيات. كان أرييل توّاقاً للحديث عن المنتخب الوطني، بعد مشاهدته بأسى خسارة ناديه المفضّل ريفر بليت أمام نادي بوكا جونيورز الرياضي في الدوري هذا الموسم. قال لدى سؤاله عن رأيه في المنتخب الأرجنتيني وميسي هذا العام: «يتمتّع المنتخب بالكثير من الثقة. إذا كانت هذه البطولة هي الأخيرة لميسي، سيبذُل اللاعبون كلّ ما في وسعهم لرؤيته يحمل الكأس». يبدو أنّ اللاعبين والمشجّعين على حدّ سواء يشعرون بأنّهم يدينون بالكثير لميسي لكلّ لحظات الفرح التي منحهم إياها وللهويّة التي صنعها للأرجنتين كبلد. فاسمه أصبح معروفاً في كلّ أنحاء العالم، وبات مرادفاً للأرجنتين نفسها. ولدى سؤال أوتو عن الموضوع، أجاب: «أشعر أنه تجاوز حدود الأرجنتين، فالبعض يتمنّون الفوز للأرجنتين لأجل ميسي فحسب، وليس لأنهم يحبّون البلد نفسه».

من اللافت أنّ وسائل الإعلام المحلّية تدعم المنتخب في السنوات الأخيرة. يشير فيديريكو إلى أنّ «الصحافيّين ووسائل الإعلام عموماً يدعمون المنتخب. في السابق، كانوا يطلبون الكثير منه، ولكن منذ فوزه ببطولة كوبا أميركا، باتوا أكثر ودّاً تجاهه».

مدرِّب المنتخب الوطني الأسبق ومُسدِّد الهدف الذي حمل الأرجنتين إلى الفوز بكأس العالم في العام 1986، خورخي بوروتشاجا، قال في حديث إلى شبكة «إي إس بي إن – الأرجنتين» الرياضية: «الأمر مختلف مع ليو ميسي، فهو لاعب ممتاز أساساً. إنه أكثر هدوءاً وتنظيماً من ذي قبل، وقد أُزيح حملٌ كبير عن كتفَيْه بعد الفوز ببطولة كوبا أميركا».

في حديث إلى صحيفة «لا ناسيون» الأرجنتينية، كان اللاعب السابق خافيير زانيتي، الذي مثّل منتخب بلاده في 145 مباراة، مليئاً بالتفاؤل: «صنّفتنا عدّة بلدان ضمن المنتخبات المرشّحة للفوز، نظراً إلى سلسلة الانتصارات التي حققناها، وخصوصاً بطولة كوبا أميركا وبطولة الفيناليسيما ضدّ إيطاليا. يمتلك منتخبنا كلّ المؤهلات للوصول إلى نهائيات البطولة».

رغم التفاؤل، يتوخّى بعض المشجّعين الحذر في توقعاتهم ويرفضون الانجرار خلف مشاعر الحماس. فلدى سؤاله عن حظوظ الأرجنتين في الفوز، يقول بنجامين: «أعتقد أنّ منتخبنا جيّد، لكنّني متحفّظ في توقعاتي. لا أظنّ أننا على المستوى نفسه كما المنتخبات الأوروبية. ولا أعتقد أنّ ميسي سيحمل الكأس. في رأيي، سنخرج من البطولة في ربع النهائي»، ولكنّه أقرّ مع ذلك بأنّ غالبية المشجّعين يخالفونه الرأي.

ما يتّفق عليه جميع الأرجنتينيّين هو أنّ أكثر ما سيسعدهم هو رؤية ميسي حاملاً الكأس. غاستون منسّق معارض فنّية وُلد وترعرع في العاصمة الأرجنتينيّة، يبتسم عند الحديث عن حظوظ الأرجنتين هذا العام، قائلاً: «آمل أن يحمل ميسي كأس العالم. أعتقد أنّ هذا حلم كلّ أرجنتيني. أظنّ أنّ البعض يتمنّون الفوز لميسي أكثر مما يتمنّونه للأرجنتين نفسها. هم يحبّونه إلى هذا الحدّ».

 

ميسي مقابل مارادونا

بدأت المقارنات بين ميسي ومارادونا منذ بروز ليونل كنجم على الساحة العالمية، ومن المرجح أن يستمرّ هذا النقاش حتى بعد اعتزاله، فكلاهما من عمالقة كرة القدم الأرجنتينية، وغالباً ما يتمّ استعراض أوجه الشبه والاختلاف بينهما.

فلنبدأ بالحديث عن مارادونا. يشعر كثيرون أنّ «الطفل الذهبي» لاعبٌ يمثّل الهويّة الأرجنتينية بامتياز. فهو صاحب كاريزما، ويتمتّع بروح متفائلة وجامحة، وعاش الحياة بكلّ ما فيها. يُنظَر إليه كرمز للأمل في بلد عانى لفترة طويلة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية. سجّل مارادونا أروع لحظاته في العام 1986، حين حصد كأس العالم في المكسيك بعد أداء لامع في كلّ المباريات. ولعلّ الهدفَيْن اللذين سدّدهما في شباك إنكلترا هما أفضل تعبير عن أسلوبه. الأول هدف مثير للجدل سجّله بذراعه وسُمّي «يد الله»، والثاني هدف مُذهِل سدّده بعدما راوغ سبعة لاعبين إنكليز.

حدث ذلك كلّه بعد فترة وجيزة من زوال الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين وانتهاء الحرب مع المملكة المتّحدة. لذا، أعطى أداء مارادونا التاريخي جرعة من الأمل للبلد، وبات معشوق الملايين.

بعد وفاته في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، أعلن الرئيس الأرجنتيني حداداً وطنياً لثلاثة أيام، في لفتة تكريم تُثبِت المعزّة التي يكنّها له مواطنوه. يقول أوتو: «سيكون مارادونا حاضراً بلا شكّ في أذهان الأرجنتينيّين خلال بطولة كأس العالم. فقد كثُر الحديث عنه خلال بطولة كوبا أميركا العام الماضي، إذ لا يزال معظم المشجّعين يعتبرونه مثالاً أعلى رغم حياته المعقّدة».

يعرب فيديريكو عن الشعور نفسه لدى سؤاله عمّا إذا كان سيفتقد مارادونا في البطولة الأولى من دونه: «سيفتقده الجميع للغاية. كان حاضراً على الدوام في المدرّجات لتشجيع منتخبه، لكنّني أعتقد أنّ المشاهدين هم من سيتأثرون لغيابه أكثر من اللاعبين».

ولكن ماذا عن ميسي الذي غادر الأرجنتين في طفولته، ولم يلعب في أنديتها، حتى إنّ البعض يعتبرون أنّه اكتسب «طباعاً أوروبية»؟ يبدو أنّ الجمهور يعشق ميسي لمهارته في اللعب فحسب. فكما يعرف الكثيرون، يثمِّن ميسي خصوصيته، ولا يعبِّر عن آرائه كثيراً، كما يفضّل أي يُبقي حياته الخاصة بعيدة عن أعيُن الجمهور، على عكس مارادونا تماماً الذي يرى مشجّعو الأرجنتين الشغوفون للغاية والتوّاقون لرؤية اللاعبين يبذلون قصارى جهدهم على أرض الملعب، أنّه يشكّل انعكاساً أوضح لشخصيتهم.

يقول بنجامين: «إذا فاز ميسي بالكأس، أظنّ أنّ ذلك سيضع حدّاً لأي نقاش حول أعظم اللاعبين الأرجنتينيين. في رأيي، خاض ميسي مسيرة أفضل بكثير من مارادونا، سواء فاز بكأس العالم أم لا». لكنّ فيديريكو يشدّد بدوره على أنّ طبع مارادونا أكثر أهمّية: «امتلك مارادونا شخصية يفتقر إليها ميسي. كان قائداً ملتزماً بالقضايا الاجتماعية، ما أكسبه محبّة الجماهير غير المشروطة. لا شكّ في أنّ ميسي محبوب، ولكن ليس بقدر مارادونا».

رغم المقارنات، يبدو أنّ اللاعبين بنيا علاقة مميّزة رغم اضطرابات قليلة. فلدى سؤاله عن مارادونا بعيد الفوز بكأس أميركا اللاتينية، قال ميسي بشكل لافت: «حتى لو لعبت لمليون سنة، لن أقترب أبداً من مارادونا. لا أطمح لذلك على أي حال. فهو الأعظم على الإطلاق». ورغم تقلبات مواقف الأسطورة الأرجنتينية تجاه ميسي، لكنّه قال عنه: «لقد رأيت اللاعب الذي سيرث مكاني في الكرة الأرجنتينية، واسمه ميسي. إنه عبقري».

مهما كان رأي المشجّعين بشأن اللاعب الأفضل، لا شكّ في أنّ المشاهدين سيفتقدون دييغو، سواء على المدرّجات في قطر، أو في منازلهم في الأرجنتين. لو كان مارادونا حاضراً اليوم، لجلس مع الجمهور هاتفاً لمنتخبه من بعيد، ومشجّعاً ميسي ورفاقه لحمل كأس العالم، كما فعل هو في العام 1986.

هنري فراغر

صحافي بريطاني مختص في كرة القدم، يقيم في الأرجنتين منذ ثلاث سنوات.

×