27 تشرين الثاني 2022

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

قصص نيبالية عن المونديال

توني ريتشاردسون

21 تشرين الثاني 2022


أطفال نيباليون يلعبون في باحة مدرسة جاغادغور بكاتماندو، 2013 (depositphotos)

نشرت مجلّة «ذي بليزارد» البريطانية الرياضية هذا النص في شباط/فبراير 2021.

نقله إلى العربية حبيب الحاج سالم، ونُشِر في نسخة المراسل الأولى في آذار/مارس من العام نفسه.

 

مطار تريبهوفان، كاتماندو، نيبال. تشرين الثاني/نوفمبر2018.

تفتح كرة القدم باب التعارف دائماً. بعد ثوانٍ من الجلوس في صالة المغادرة، تحدثتُ إلى الرجل الجالس بجانبي حول الأساسيات: من نحب ومن نكره.

صديقي الجديد اسمه ساغار، وهو يعيش نهاية أسبوع حافلة بالأحداث. أنهى البارحة مسيرته كحارس مرمى هاوٍ، ومرّر القفازات الثمينة إلى شقيقه. لم يسبق أن سمع بتيد ساغار، حارس مرمى إيفرتون الأسطوري. لكن على أيّ حال، يشجّع ساغار النيبالي ليفربول، ويفتح جاكيته ليريني قميص الفريق، وهو يحلم بالوقوف في مدرّج الكوب [أشهر مدارج ملعب أنفيلد].

حالياً، زيارة أنفيلد مؤجلة. يلوح كأس العالم في الأفق، ويطير ساغار الليلة إلى قطر. قبل مطلع صباح الغد، سيبدأ العمل في موقع البناء. يبلغ ساغار 23 عاما وهو أعزب، ولا يعرف متى سيعود إلى وطنه، أو إن كان سيعود.

يأتي صوت صاخب من المصعد الكهربائي الوحيد العامل في المطار، ثمانية رجال نيباليين منهمكون في لعبة المطاردة مثل الأطفال. يناديهم ساغار. جميعهم من منطقة سولوكومبو، وتحديداً من قرى نائية في الهيمالايا لا يمكن الوصول إليها إلاّ عبر الأقدام، وتتقطّع فيها الكهرباء، ولا توجد فيها طرقات، فما بالك بالمصاعد الكهربائية.

يشير ساغار إلى مشجّعين لفريق آرسنال وسط ضحكات بقيّة المجموعة. يخفي المزاح خشية من الآتي. ترك الرجال صباح اليوم ضيعهم وقراهم للمرة الأولى، مرتدين أفضل ملابسهم، وحاملين أطيب التمنيّات.

يعمّ الهدوء مع خفوت الحماس، ويحلّ شعور بالتسليم مع اقتراب الرحيل. يحمل كلّ منهم ملفاً بلاستيكياً شفافاً يحوي تذكرة السفر وجواز سفر نيبالي جديد... وعقد عمل، فهؤلاء الرجال ليسوا ذاهبين في إجازة. 

ليس هذا جديداً طبعاً، إذ لطالما تغذّت الرياضة على الأضعف. عندما عصفت أزمة عمل بروما في القرن الأول، اكتمل بناء الكولوسيوم [المدرّج] بجهد الأسرى من أراضي الغزوات. بعد ألفيّتين، تعتمد نيبال الحرّة على أموال السيّاح والعمّال المغتربين، وقد غادرت فيالق من رجالها في العقد الأخير لبناء كولوسيومات حديثة في الصحراء.

يبدو أن الرحيل صار مصير الشعب النيبالي. اليوم على غرار أي يوم آخر، يغادر نحو 1500 شخص من مطار تريبهوفان لتسلّم وظائف جديدة. أغلبهم ذكور وصغار، يغادرون لجني المال من أجل عائلاتهم، الأمل يملأ قلوبهم والعقود بين أيديهم.

يغادر نيبال سنوياً نصف مليون من العمّال الأفضل تدريباً، والأحسن تعليماً، يحتاجهم أيّ بلد يريد البناء والنمو. يافعون، مهرة، آملون، لكنهم فقراء، ويائسون.

لن يعود نصفهم إلى هذا البلد الجميل والمضياف. تنتظر قلّة محظوظة منهم حياة أفضل، وسيعود البعض فقط لتُحرق جثثهم، إذ إن العمل يقتل، ويحصل ذلك كلّ يوم. 

يهدأ الحديث. أفتح حقيبتي، أُخرج علبة بسكويت، أمرّرها بين المجموعة ونستأنف الحديث. 

بالنسبة إلى الثلاثي الأمهر الجالس بجانبي، تنتظرهم وظائف كأعوان أمن في ماليزيا. أما دينيش، المغادر في رحلة لاحقة، فتنتظره وظيفة في فرع ماكدونالدز بالرياض. هناك، سيعمل في نوبات لاثنتي عشرة ساعة مقابل 6 جنيهات استرليني في اليوم. يحمل الشّاب شهادة جامعيّة في العلوم، ويعتزم أن يرسل إلى عائلته خمسة من الجنيهات الستة، ويبدو متحمّسا.

آفاق ساغار وفتيان المصعد أضيق، عمّال في دبي، والسعودية، وقطر يشيّدون مباني في حرارة 50 درجة برواتب تعدّ بالسنتات في الساعة، متى تلقّوها وإن تلقّوها.

يَعرف هؤلاء الرجال جيّداً ضنك العيش في الجبال، لذلك مهما كانت الظروف والمخاطر وشدّة الحنين إلى الوطن، فإنهم يرحّبون على مضض بالعمل في موقع بناء شرق أوسطي. حصل ساغار على وظيفة بثمن، إذ دفع نصف مليون روبي إلى شركة «عمالة» في كاتماندو. أسترخي، أفكّر في المبلغ وأهضم الفكرة. بطريقة ما، اقتصدَت عائلته واقترضت لتوفر 500 جنيه استرليني، تكاليف سفره إلى الشرق الأوسط.

هذا مبلغ مهمّ؛ منحت مرّة 5 جنيهات لأستاذ زميل حتى يزور عائلته، فانفجر باكياً.

رغم محاولات الحكومة النيبالية تنظيم وكالات التوظيف، وحظر مثل تلك العمولات، لا يزال نحو ألف وسيط في كاتماندو يقترحون وظائف في الخارج. لا يمكن للحكومة الانتصار في هذه اللعبة، إذ إن المسؤولين المكلّفين مكافحة الوسطاء الجامحين يعانون سوء التجهيز وضعف الرواتب، ناهيك عن الفساد المستشري. 

يحمل كلّ واحد من المجموعة قصّة مماثلة حول الثمن الباهظ المدفوع قبل وقت طويل من حملهم أولى صخور فيفا، والمستحصل من ديون وقروض يتطلب سدادها أعواماً. ستؤخذ منهم جوازات سفرهم عند وصولهم الدوحة، ويمنع عليهم تكوين نقابات، وسيكتشفون أنّ الحقوق والظروف التي وعدوا بها سراب صحراء.

تلك هي حياة بناة الكولوسيوم الحديث، أحرار يعاملون كعبيد من أجل كأس عالم. الأمر مماثل في حال النساء النيباليات العاملات في المنازل خارج البلاد، إذ إنّ ظروف عملهنَّ أقرب إلى العبودية، وتظهر كلّ يوم قصص مرعبة حولهنّ.

لا غرابة في أنّ الشبان لا يريدون الإكثار من الأسئلة، لا شيء يجنى من التفكير في ما قد تحمله الأشهر والسنوات القليلة المقبلة. عوض ذلك، يتّجه حديثنا إلى مباريات الدوري الإنكليزي الممتاز الليلة الماضية؛ خبزنا وسيركنا؛ بيب غوارديولا، ويورغن كلوب.

بأوشحتهم البيضاء حول الرقبة، يمكن أن يُظنّ أنهم مجموعة مشجعي كرة قدم تستعد لخوض مغامرة أوروبية. لكن الوشاح الحريري يحمل معاني أوسع، فهو تذكار بسيط من الأحبّة، وضعه صباحاً آباء، وأجداد، وزوجات، وأطفال باكون، وهو تقليد لجلب الحظ، والرزق، والعمر المديد، والعودة.

تذكّرت ما يوجد في حقيبتي، أخرجت وشاحي الأبيض والأصفر والأزرق، رفيقي في كلّ رحلة. نصف قرن من ذكريات ليدز يونايتد مجسّدة في قطعة قماش؛ بعض الإنجازات، والعديد من الإخفاقات. يُمرّر الوشاح بين المجموعة بإجلال.

تنادي شركة ماليندو للطيران على رحلتي إلى كوالالمبور. توشك صلاحية تأشيرة دخولي نيبال على الانتهاء، لكنني سأعود قريبا، وتلك إحدى المزايا الكثيرة لمن ولد بغرب أوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين. أَعُدّ بصدق النعم التي أحظى بها، دائماً.

نقف، نتصافح، ثم نتبادل آخر التحيات.

يتمنون لي حظاً وافراً. أغادر دون أن أجد الكلمات المناسبة.

في البوابة، ألتفت فأرى الشبان يلوِّحون بأوشحتهم البيضاء.

أجيبهم ملوِّحا بوشاح ليدز يونايتد، وأمضي.

 

شباط/فبراير 2020

نقترب من نهاية شتاء الهيمالايا البارد والجاف. يخوض العمال النيباليون إضراباً، إذ لا يزال أغلبهم يتلقون أجوراً ضعيفة، ولا يزال بعضهم يموت. أفكّر في ساغار وفتيان المصعد. عدت إلى نيبال لأعمل في مدرسة في سفح جبل أنابورنا. خطر فيروس كورونا لائح، لكنّ الجبال الممتدة حتى الصين تقف حاجزاً منيعاً إلى الآن. 

يقع بازار شاندراواتي على مسافة ثماني ساعات غرب كاتماندو، في مكان قصيّ بمنطقة تاناهون. لا يزور السيّاح هذا المكان. يعيش كثيرون هنا في فقر مدقع، الأفران مصنوعة من الطين والأرضية ترابية، فيما تمثّل أبسط سجادة علامة ثراء.

لا توجد آلات للعمل في الحقول، تُحرث مصاطب الأرز بجاموس الماء. في كثير من الأحيان، النساء هنّ من يشرفن على دفع الجواميس في الطين، فقد رحل الرجال.

شُقّ طريق بمسار واحد قبل عامين، وتربطنا حافلتان يومياً بالطريق السريع. وصلت شبكة الكهرباء في العقد الماضي، وفتحت معها نافذة على العالم الخارجي، تسرّبت منها رغبات جديدة.

قاعة الدرس مشيّدة بالطوب، وسقفها صفيح، أرضيتها من الحصى ونوافذها بلا زجاج. يستحيل إبقاء الغبار خارجاً. يتكدّس عشرون طفلاً متحمسين وراء مكاتب مصنوعة منزلياً. مشى بعضهم ساعتين عبر الجبال لأجل الدراسة، وسيعودون مساءً إلى بيوتهم عبر الطريق نفسها.

خلال شهر، سيضرب حرّ الصيف الوادي بحلول منتصف الصباح، وسيكون الجو حاراً بشكل لا يطاق. يطلِق السكان على الأشهر الحارة «موسم الأفعى»، إذ ترتفع خلالها الوفيات نتيجة العضّات السامة. لا غرابة في أنّ قطر لا تثير مخاوف بقدر ما تحمل من جاذبية أعلى مما قد يُتصّور، حتى أنّ الأطفال الذين لم يسمعوا قط بديزني يعرفون قطر.  

تبلغ بيبانا 14 عاما، وهي فتاة هادئة، لكنها لامعة ومتفاعلة في الفصل التاسع. استغرق الأمر بعض الوقت لحملها على الحديث في بيئة تعامل فيها الفتيات كمواطنين من درجة ثانية، ولا ترحّب في أحيان كثيرة بمساعي بناء مكانتهنّ وثقتهنّ. بمجرّد ما بدأتْ الكلام، دار الحديث عن رجل لم تره منذ أكثر من أربعة أعوام. يعمل والد بيبانا في قطر، ولا تعرف متى يعود.

تنطق اسم البلاد «كاتر» ككلّ النيباليين، مع حرف «الراء» من الحلق، على غرار طريقة نطق سكان غلاسكو. والدها عامل بناء آخر مغترب في واحد من الملاعب الثمانية المتطورة المشيّدة من أجل كأس العالم. وفّرت بضعة الدولارات التي يرسلها لابنته فرصةً حُرِم منها الجيل السابق من نساء العائلة: ارتياد المدرسة.

تحبّ الفتاة المدرسة. بيبانا شابّة قوية في مكان قاسٍ، لكنّ عيناها تدمعان فيما هي تتحدث عن «دادو»، الرجل الذي فوّت جزءاً كبيراً من طفولتها.

اللافت أن كلّ طفل في المدرسة يحمل قصّة مشابهة. آباء، وأشقاء، وأعمام التحقوا بملايين العمّال المغتربين في قطر، وماليزيا، والبحرين، يشيّدون بنى تحتية معدومة في وطنهم. تشير التقديرات إلى أنّ أكثر من ثلاثين بالمئة من إجمالي الناتج المحلي النيبالي مصدره أموال المغتربين.

كلّ طفل في السادسة يعرف الكلمة التي توفّر لهم فرصة التعليم: «الحوالة».

في كلّ قرية بنك «تحويل» يخوّل سحب راتب شرق أوسطي بالروبي، لقاء عمولة بالطبع. تجنى الأرباح من الفقراء في كلّ مرحلة، فليست فيفا وحدها من يراكم ثروات من عمل البناة النيباليين.

أدرِّس هنا بشكل متقطّع منذ أربعة أعوام. تخصّص المدرسة بعد ظهر الجمعة حصّة رياضة. حتى هنا، حيث قطع الأرض المسطحة الصالحة للزراعة ثمينة، خُصّصت مساحة ضيّقة محاطة بنهر وتلّ لملعب كرة قدم بدائي. تبرز الصّخور من الأرض العارية، وقوائم المرمى أعمدة خيزران مربوطة فيما بينها.

الفتيان هنا لا يختلفون عن نظرائهم حول العالم، فهم يحلمون في أن يصيروا لاعبي كرة قدم. هذا هو أنفيلدهم أو برنابيهم.

نَظّمت في الآونة الأخيرة «دورة» كرة قدم من أربعة فرق للفصول الأربعة العليا. اكتفت الفتيات بالفرجة، فكسر الحدود والمحرّمات يتطلب وقتاً.

تصاعدت الإثارة طوال الأسبوع، وبلغت ذروتها قبل ساعات من البداية. ارتدى الشبّان تشكيلة متنوّعة من القمصان المقلّدة لكبرى فرق كرة القدم الإنكليزية والإسبانية، وهي نسخ رخيصة متوفرة في كلّ الأسواق. برمجتُ المباريات بشكل متلاحق، لكن سرعان ما ظهر عيب لم أتوقعه: الأحذية.

فقط ما يزيد قليلاً عن نصف الصبيان الثلاثين كانوا يضعون حذاء كرة قدم أو حذاءً رياضياً. ارتدى أغلبهم شباشب، أو كانوا حفاة. تشارُك الأحذية جعل أبسط التفاصيل، كاستبدال اللاعبين، تمتد لدقائق طويلة.

الملعب منحدر نحو النّهر، ما يعني أنّ أيّ تمريرة جانبيّة خاطئة ستؤدي إلى سقوط الكرة في المنحدر. حينها، سيشكّل خمسة صبيان سلسلة بشرية لاستعادتها، وستضاف خمس دقائق إلى المباراة. هذه مشاكل لوجستيّة من المستبعد أن تقلق بيب غوارديولا أو جوزيه مورينيو.

بحلول السبت، يتحوّل ملعب كرة القدم إلى مساحة واسعة لتجفيف الغسيل. إنّه يوم الراحة الذي تجتمع فيه القرية بأكملها وتستخدم النّهر كمغسلة وحمّام.

يحمل السبت رائحة مختلفة.

مساءً، نشاهد كرة القدم.

في سُلّم أولويات العائلة، يأتي التلفاز بعد الدراسة. وللتلفاز مكانة أعلى من أساسيات على غرار السرير المريح أو السجاجيد، ويأتي حتى قبل المياه الجارية. من السهل تمييز منازل القرية التي يرعاها مغتربون، إذ يوجد لاقط هوائي على أسطحتها.

ثمة الكثير من الصحون اللاقطة في هذا الوادي، تكنولوجيا متقدمة في قرى قروسطيّة.

يشاهد النّاس على التلفزيونات المسطّحة المعلّقة على جدران الخيزران والطين مسلسلات هندية، وأشرطة شعبيّة محليّة، والمصارعة الأميركية... وكرة القدم، الكثير من كرة القدم.

على غرار العديد من دول شرقي آسيا، تخصّص ليالي السبت لكرة القدم. تصل مباريات الدوري الإنكليزي الممتاز إلى هذه القرى الجبليّة النائية عبر قناة هندية يؤثثها مذيعون، ومحلّلون، ومعلّقون بالإنكليزية.

نجلس في غرف بسيطة تمتزج فيها رائحة الشعر المغسول حديثاً والملابس النظيفة مع روائح دخان الخشب والماشية.

يحبّ النيباليون كرة القدم إلى حدّ الهوس. عند الجلوس معهم في ليلة مباريات كرة القدم، لا يصعب ملاحظة سبب انجذابهم لأغنى دوريات العالم. إنّه مشهد من الثراء المستحيل، لمحة عن أنماط حياة مشتهاة في نيرفانا قصيّة. غالباً ما تتضمن حزمة السبت التلفزيونية مقطعاً من مدن تتنافس في المباريات المقبلة، ومن المؤكد أنّ منزلي يبدو جيداً في هذا التصوير السياحي لإنكلترا. من منحوتة ملاك الشمال، إلى كاتدرائية نورويتش، لا يفشل العرض أبداً في إثارة شهقات الدّهشة.

لا يمكن الإفلات من إغواء الدوري الإنكليزي الممتاز. إلى الشمال منّا، ينقل عتّالون في منطقتي إيفرست وأنابورنا الجبليّتين حمولات ثقيلة جدا مرتدين قمصان تشيلسي وسراويل أرسنال. حتى الحافلات مطليّة بألوان تظهر ولاءات لفرق كرة قدم.

في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، شاهدتُ شاحنة زرقاء قديمة بإطارات مهترئة، يقودها سائق مرهق شارد البال، تقطع طريقها نحو التلال الترابية غرباً، ويعكس طلاؤها الذي يغطي الصدأ واللحام ولاءً لنادي تشلسي.

تتمايل الشاحنة قرب منحدرات ناتئة، لكن لا شيء يخيف النيباليين.

أغلقت المدارس لأسبوع، وبدا أنّ الشعب برمّته توجّه إلى صناديق الاقتراع. تشهد نهاية هذا الأسبوع أولّ انتخابات عامة، ديمقراطية حقّا. أيام سيذكرها التاريخ.

منتصف النهار، جلبت الأخبار بضع دقائق من الراحة مع بث أغان شعبيّة نيبالية. وحتى مع إجادتي المتواضعة للغة، فهمت أنّ أوّل 90 ثانية مخصّصة للانتخابات.

الجزء التالي من الأخبار امتد ضعف المدة، وحمل أسماء مألوفة للنيباليين، فاردي، وأغويرو، وكاين أثناء قراءة المذيع لنتائج اليوم الماضي من مباريات الدوري الإنكليزي الممتاز. تلى ذلك استعراض لمباريات تبثّ في وقت لاحق من اليوم. لُخّصت أخبار الأمّة في نصف دقيقة، وخصّصت أغلب النّشرة لكرة القدم الإنكليزية.

أثارت الأخبار نقاشاً حامياً، ليست السياسة موضوعه. أمسك ثلاثة شبّان بمقبض في الحافلة بينما كانوا يمزحون ويستفزّون بعضهم، موضوع نقاشهم هو تراجع نادي مانشستر يونايتد.

يَظهر نفس التفاني على المستوى الدولي، إذ يحظى منتخب إنكلترا بمتابعة واسعة على غرار منتخبي البرتغال والأرجنتين.

قد يتفاجأ القرّاء من أنّ منتخب نيبال هو بطل جنوب آسيا، كما بلغ الدور الثاني من تصفيات كأس العالم 2022، وستجمعه مباراة مع منتخب أستراليا. متوسط الدخل الشهري في ملبورن 2400 جنيه استرليني، فيما يجني موظفو الطبقة الوسطى في كاتماندو ما يزيد قليلا عن 75 جنيه استرليني شهرياً، أي نصف الراتب المعروض في ماكدونالدز الرياض.

لا تفتح كرة القدم أبواب الثروة هنا. أبرز نجوم اللعبة في نيبال هو الحارس وقائد المنتخب، كيران شيمجونغ، الذي لعب في الدوريين الهندي والمالديفي، وتدفع له رابطة كرة القدم النيبالية 70 جنيه استرليني شهرياً، كما أنّه يجني 350 جنيه إضافي من مكافآت المباريات. في العام 2014، تحدّثت نشرات الأخبار الوطنيّة عن اللاعب عندما اشترى سيارة، وقد كانت مستعملة.

نيبال أمّة تتحرّق لترك بصمتها على كرة القدم العالميّة، لكنّ ذلك اكتسب معاني حَرفيّة. إغراء أموال كأس العالم في قطر جعل ربع سكان البلد الخليجي من النيباليين خلال عقد واحد.

يكدح ساغار ورفاقه في لفيح حرّ الصحراء، وقد توفى بعضهم. تشير آخر التقديرات إلى مصرع ما يصل إلى أربعة آلاف عامل بناء نيبالي في قطر، أي بمعدل 500 وفاة لكلّ ملعب.

عندما ينتهي احتفال فيفا، ستقف حماقاتها المهجورة نصباً تذكارية للرجال الذين أتوا من الجبال. وحتى في غياب فريق يمثّلهم في قطر، ستشاهد حشود أحبّاء كرة القدم في نيبال المباريات في بازارات الهيمالايا، وأكواخ الخيزران، مرتدين قمصاناً مقلّدة. سيشاهدون في ذهول وغِبطة، دون أي اعتزاز وطني، تألّق النّجوم العالميّين في «كاتر» التي شيّدوها، في كولوسيومات القرن الواحد والعشرين المبنيّة على أحلامهم، وبجهدهم، وأرواحهم.

توني ريتشاردسون

كاتب بريطاني أقام في تايلند، ونيبال، ويعرّف عن نفسه بكونه شرود جوّال.

×