27 تشرين الثاني 2022

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

روبينا تشاجيان لن تغادر المكان قريباً

موريس قديح

14 نيسان 2022


تصوير الكاتب

نشر في تشرين الثاني/نوفمبر 2018

 

عبثاً قد يحاول زائر حلب في الآونة الأخيرة التواصل مع القيّمة على أوتيل بارون روبينا تشاجيان، فهي ببساطة لن تجيب على الهاتف، أو إذا أجابت فلتقول إنها تستعد لتركه بعد بيعه من قبل أصحابه، ورثة عائلة مظلوميان.

قد يكون مردّ موقفها هذا إلى تعب ما بعد الحرب، تضاف إليه بعض الأسباب العائلية ذات الصلة، أو ببساطة حالة من السأم واللامبالاة العامة. فلا حلب اليوم كحلب ما قبل الحرب ولا الأوتيل كذلك. لماذا الشرح والتحسّر والكلام الطويل بعد كلّ ما حصل؟

لا يبقى لدى الزائر غير الراغب في المرور في المدينة دون زيارته إلا أن يحاول ببساطة أن يقصده دون موعد سابق ليجرّب حظه.

«بتجو دايماً عغفلة ومنّا محضرين حالنا والوضع مكركب». لا تلبث بعدها أن توصي أم خالد بتحضير طعام أختها المقيمة معها في الأوتيل، وتطلب من أحد المقربين، هو عملياً آخر النزلاء، مرافقة الزوار إلى الطابق الثاني لزيارة غرفتي لورنس العرب وأغاتا كريستي، رقمي 202 و203 تباعاً، ريثما تتجهّز لمتابعة الزيارة بنفسها.

«خلصوا فوق وأنا شوي وبكون معكن وبزوِّركن الأوتيل وبشرحلكن»، قبل أن تختفي في غرفة جانبية وراء «الريسبشن» في الطابق الأرضي.

لماذا تجهّز نفسها؟ هي بألف خير. قبل أن أتذكر أنّها من جيل لا يستقبل إلا على الاتيكيت: التسريحة واللباس، المظهر العام باختصار. تكتسب الجملة معناها الكامل عندما أفطن إلى أنّها كانت منهمكة بشيء من أعمال الترتيب، فلا يجوز أن تستقبلنا على هذا النحو.

نصعد مع آخر النزلاء الذي يفتح لنا الغرفتين تباعاً للزيارة. تشي بعض لهجته اللبنانية بإقامة سابقة له في لبنان. «أنا عاصرت ثلاثة حروب»، منذ الحرب العالمية الثانية، يردف بنبرة هي مزيج من مأساة من يستشعر مظلومية التجربة وافتخار الناجي. كمن يقول لك: «منيح يلي بعدني هيك». ماذا ستفعل إذا بيع الأوتيل؟ «الله بدبر»، يردف سريعاً ليطرد فكرة مزعجة تراوده كالهاجس.

ترتدي زيارة غرفتي لورنس العرب وأغاتا كريستي طابعاً سحرياً لأسباب بديهية. من منا لم يسمع بالاسمين؟ لم يعلق شيء في ذهنه من اسم لورنس العرب خلال الحرب العالمية الأول وما بعدها؟ من لم يقرأ ولو كتاباً واحداً لكريستي، أو لم يسمع بأحد عناوينها على أقل تقدير؟

في الطابق الأوّل كلّ شيء على حاله، الأسرّة والمفروشات وشكل الغرف. لم يتغيّر شيء سوى بعض التهالك وكثير من الغبار المتراكم.

بعد الانتهاء من زيارة الطابق الثاني، ولكون الطابق الثالث غير متاح للزيارة بسبب الأضرار التي أصابته من جراء القصف، يرافقنا الرجل إلى الطابق الأرضي لزيارة بار الأوتيل، الذي كان يتمتع بشهرة كبيرة. دقائق قليلة قبل أن تلتحق بنا مضيفتنا لتدير باقي الزيارة.

كان الطابق الأرضي يتألف سابقاً من صالون كبير إلى يمين المدخل معدّ للنزلاء، وهو ما زال على حاله، فيما كانت العائلة مالكة الأوتيل تسكن في الصالون المقابل. تركت العائلة مكان إقامتها هذا وقررت الانتقال إلى بيت مستقل خارج الحي، بعدما قرر أحد الإخوة مظلوميان العائد من بريطانيا حديثاً تحويل المكان إلى بار على الطراز الانكليزي، إذ اعتبر أنّ الأوتيل يفتقد إلى هذا العنصر بشكل مستقل، مع أنه كان مجهّزاً ببار صغير في المطعم.

تستكمل السيّدة تشاجيان الشرح فتبدأ بفكرة إنشاء الأوتيل، وهي رحلة الحج التي قامت فيها عائلة مظلوميان إلى الأراضي المقدسة سنة 1868. كان الحجاج ينزلون في الخانات والأديرة، مع ما يعني ذلك من انعدام للخصوصية وأبسط مقوّمات الراحة. رحلة الحج هذه دفعت جدّ العائلة، الأرمني من الأناضول، للاستقرار في حلب التي أحب، كما دفعته إلى تأسيس أوّل نزل له في المدينة، هو أوتيل آرارات، سنة 1886 في منطقة الجلوم، ثم أسس ولداه تباعاً أوتيلين، هما العزيزية بالاس، وآليبو بالاس.

في أوائل القرن الماضي طُرِح مشروع سكة خط بغداد مروراً بحلب الذي سيصل المدينة بأوروبا بشكل أفضل، مع ما يعنيه ذلك من حاجة ضرورية إلى وجود بنية تحتية فندقية. فاشترى الأخوان قطعة الأرض الحالية، وباشرا الأعمال عليها. وبالفعل، انتهى بناء الطابق الأول سنة 1909، ثم الطابق الثاني بعده بسنتين، أي سنة افتتاح الأوتيل (1911)، قبل عام واحد من افتتاح محطة القطار في حلب المعروفة بمحطة بغداد في 1912. جرى الافتتاح على ضوء القناديل لأنّ الكهرباء لم تصل إلى حلب إلا أواخر العشرينيات، مع الإشارة إلى أنّ الطابق الثالث والأخير أضيف في أواخر الثلاثينيات.

بالنسبة إلى الطراز المعماري وعملية البناء، تقول مضيفتنا إنّ المهندس الذي وضع الخريطة فرنسي، والمبنى كلاسيكي الطابع بأشكال هندسية منتظمة. أما البلاط فتمّ جلبه من إيطاليا، واستورِد الباطون من مصر. أصرّ الإخوة مظلوميان على إدخال عناصر محلية على البناء، فجاءت القناطر وزخرفاتها شرقية الذوق. أخيراً، وفي إشارة إلى هوية أصحاب المشروع الأرمنية، تمّ إدخال الرمانة في نقوش الواجهة الخارجية للمبنى، إضافة إلى اسم العائلة: مظلوميان. والرمانة هي أحد رمزي أرمينيا مع المشمش الذي كان يسمى ثمر أرمينيا في الحقبة الرومانية fructus armenicus.

تستفيض تشاجيان في عرض أمجاد الأوتيل من خلال زواره في الحقبات المختلفة. بدءاً بلورنس العرب، وأغاتا كريستي التي كتبت فصولاً من روايتها «جريمة في قطار الشرق السريع» في غرفتها 203، إلى الملك فيصل الذي ألقى خطاب استقلال سوريا عن العثمانيين سنة 1920 من شرفة الغرفة رقم 215، وصولاً إلى زيارة عبد الناصر إلى حلب سنة 1958 رئيساً للجمهورية العربية المتحدة.

تصوير الكاتب

لا تتطرق المضيفة إلا لِماماً إلى فترة الحرب العالمية الأولى وإقامة أتاتورك في المكان الذي كان مقرّ قيادة الجيش العثماني. وهو الذي تعرّض إلى محاولة اغتيال في أروقته قبيل انسحاب العثمانيين من المنطقة مع تقدّم الجيش العربي من حماة باتجاه حلب. كما لا تذكر شيئاً عن علاقة جمال باشا بعائلة مظلوميان التي نزحت إلى زحلة لمدة تسعة أشهر خلال الحرب العالمية الأولى، ونجت من تهجير الأرمن إلى دير الزرو إبّان الإبادة الأرمنية مطلع القرن العشرين. فلا الماضي العثماني البعيد نسبياً، ولا الحاضر التركي والدور في الحرب السورية، يساعدانها ربما في استحضار الموضوع.

في فترة الانتداب الفرنسي، تحوّل الفندق والشارع الذي يحمل اسمه إلى ملتقى لنخبة محلية، وللضباط، والكوادر الإدارية الأجنبية، ما جعل للمنطقة خصوصية ثقافية على مستوى مدينة حلب، خاصة مع عدد كبير من المقاهي، ودور السينما، واللهو، التي كان الشارع يحويها.

تاريخياً أيضاً، استضاف الأوتيل كلّ الأسماء الكبيرة التي مرّت في حلب تقريباً، من الرئيس الأميركي روزفلت، الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، الفرنسي شارل دو غول الذي كان يقيم في القنصلية الفرنسية، لكنه كان يقصد مطعمه، إلى إبراهيم هنانو ابن المدينة، إضافة إلى أسماء كبيار باولو بازوليني، يوري غاغارين، أم كلثوم، خليل مطران، طه حسين، شاه إيران، وكثر غيرهم.

في الطابق الأرضي تستعرض لنا تشاجيان لوحات أربع معلقة على الحيطان، وبعض الأغراض المعروضة وراء الزجاج، بينها أوانٍ على الطلب من سويسرا وإنكلترا، يلاحظ عليها تغيّر شعار الأوتيل بين ثلاثة أجيال. فأب العائلة دمغ الأواني بأول حرفين من اسمه واسم عائلته: كريكور مظلوميان. أما الابن فوضع شعار التاج، لتأثره بصداقاته في صفوف النبالة الإنكليزية التي بناها خلال مرحلة دراسته وحياته هناك. أما الجيل الثالث، فوضع التاج في الخلفية وقدم عليه اسم الأوتيل: بارون. تتطرق أيضاً إلى فاتورة غرفة لورنس العرب. تقول الأسطورة إنه لم يدفع فاتورة غرفته في الفندق، لكن المعلومة غير صحيحة: «دافع دافع دافع، طلع صيت انو ما دفع، عيب»، تجزم بلهجة حلبية وصرامة في آن. الأرجح أنّ أصل الرواية امتعاض بعض ندل الأوتيل الذين ساءهم عدم تركه البقشيش، فألّفوا عنه هذه الفِرية.

نستكمل الحديث على إيقاع ذهاب وإياب بين الردهات يتخلله خروج إلى المصطبة أمام المدخل للتدخين، فتلفت نظري في الردهة الأساسية خريطة أركيولوجية لسوريا، تستعرض تاريخ البلد، ومعه تاريخ المنطقة، من الحثيين إلى المرحلة العربية. تشير المضيفة إلى وجود واحدة مثلها أكبر منها حجماً في البيت. في بيتك؟ «لا في بيت مظلوميان». يشي التعبير الأول بعلاقة وطيدة وحميمة مع العائلة؟ علاقة قربى؟ ربما، فهي لم تجب عن السؤال لا بالنفي، ولا بالإيجاب، بل أهملته ببساطة وأناقة من يريد إفهامك بأنه يحتفظ بمثل هذا التفصيل الشخصي لنفسه. أما على يسار المدخل مباشرة، فهناك الشعار الأول للأوتيل: قلعة حلب على خلفية حمراء، وباب يدخل منه جمل قافلة، في إشارة إلى طريق الحرير، وكتابة بالفرنسية تشير إلى أنّ الأوتيل هو الوحيد من الدرجة الأولى في المدينة الذي يمتلك تدفئة مركزية وموقعاً فريداً (على نهر قويق)، والوحيد الذي تنصح به وكالات السفر.

في العام 1961 جرى انتزاع ملكية أوتيل بارون من أصحابه الأصليين، أبناء عائلة مظلوميان، لمصلحة الدولة خلال موجة التأميم. واحتفظت العائلة بحقوق الانتفاع فقط. وكانت التغييرات السياسية التي بدأت إرهاصاتها خلال مرحلة الوحدة مع مصر، والتي أدت إلى التأميم، تشي بتطورات إضافية غير سارّة في المستقبل، وتوضحت معالمها أكثر بعد العام 1963، ثم في عقد السبعينيات. فقدت معها حلب الكثير من دورها السياسي، والتجاري، والثقافي، وحتى الاقتصادي، ومعها فقدت معالم المدينة، ومن بينها فندق بارون والشارع الذي يقع فيه، شيئاً من رونق الماضي.

ثم مع بروز فنادق أخرى أكثر عصرية ورفاهية في المدينة، تراجع دور أوتيل بارون، وإنْ أسعفه الاسم والسمعة التاريخية، فتحوّل من ناحية التصنيف إلى أوتيل ثلاث نجوم، نظراً إلى غياب المصعد والمسبح، ووجود مطعم واحد بدلاً من الثلاثة. أما مع الحرب التي وصلت حلب صيف 2012، فتلقى المبنى نصيبه من القصف الذي طال طابقه الثالث، وخلا من النزلاء إلا من بعض المهجّرين الذين أخرجتهم الحرب من منازلهم.

يمكن حالياً اعتبار الأوتيل جيّد الحفظ نسبياً، من الداخل والخارج، لكنه حتماً يحتاج إلى ورشة ترميم جدية ومكلفة لإعادة الرونق إلى المبنى، وإصلاح وصيانة ما تخرب.

تستعرض السيدة تشاجيان تاريخ المبنى بكثير من الحميمية والتعلق، فهي تعيش هنا منذ أربعة عقود ونيف، تحديداً منذ بدء الحرب اللبنانية. تخبرنا بأنها درست في الجامعة الأميركية ببيروت، ومارست التدريس لدى الراهبات الساليزيانيات في الحمرا، قبل أن تعود إلى حلب بعد غياب عشر سنوات قضتها في العاصمة اللبنانية. تخبرنا بأنّها زارت لبنان مرتين بعد عودتها إلى حلب، فلم تعثر على البلد الذي أحبت؛ البناء العشوائي مسخ جونية وشارع الحمرا حتى كادت لا تتعرف على الأمكنة.

بالسؤال عن مصيره تجيب السيدة تشاجيان أن وريثي عائلة مظلوميانأخ وأختهيعيشان في الخارج بين أوروبا وأميركا، ولا أمل في عودتهما للاستقرار في سوريا، وينويان على الأرجح بيعه. لكن متى يحصل البيع؟ لا جواب دقيق عن هذا السؤال، وربما لا رغبة في إعطاء تفاصيل أكثر عن الأمر. لكن قرار إقامة معرض في الأوتيل، قد يستغرق التحضير له زهاء العام، يشي بأنّ خطوة البيع قد لا تكون في القريب العاجل. وبين الوضع الراهن، والبيع إن حصل، قد يستجد شيء ما إيجابي يغيّر قرار البيع.

على الدرج، تودّع روبينا تشاجيان زوّارها على الطريقة القديمة: قسم كبير من الحديث يدور على المصطبة، في السياسة والتاريخ. حديث لا يخلو من شقاق لبنانيسوري تقليدي إذ تستبطن ككثير من السوريين بعض عناصر الفولغاتا السياسية السورية السائدة تجاه لبنان وتاريخه. لكن الشقاق لا يفسد الود الناشئ، بل يشير أكثر ما يشير إلى تلك المفارقة التي تجعل المرء يستبطن خطاباً كان من نتائجه إيصال سوريا إلى ما هي عليه اليوم، ولو جزئياً....

يمكن في المحصلة اعتبار فندق بارون منذ تأسيسه سنة 1911 شاهداً على قرن من الزمن السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي لحلب ولسوريا عموماً، وأيقونةً للذاكرة. لكن المصادفة الغريبة التي جعلت الأوتيل يطفئ شمعته المئة بالتزامن تقريباً مع اندلاع أولى شرارات الحرب الأهلية السورية سنة 2011 تدفع إلى التساؤل عن مستقبله. فهل يتحوّل إلى ذكرى مهملة كغيره من المباني، لينظر إلى نفسه محظوظاً كونه نجا من التدمير ببساطة؟ أم ينتقل من يد أصحابه الحاليين إلى طرف آخر قد يحافظ أو قد لا يحافظ على خصوصيته؟

الأكيد أنّ الإجابة ضرب من التوقّع غير الدقيق، وأنّ زيارته في هذا الظرف ضرب من الحظ، فمن يعلم ما سيؤول إليه حاله في المستقبل القريب، أو البعيد! أما الأكيد أكثر فهو أنّ الأوتيل ومعه المدينة طويا صفحة أمجاد صارت من الماضي، وهي لن تعود قريباً.

موريس قديح

كاتب لبناني

×