24 نيسان 2024

× الرئيسة اليومية سياسة أرشيفنا
×

الزطلة في عراجينها، رواية أخرى عن السلطة في تونس

سفيان جاب الله

27 أيلول 2023

تنظر السلطة إلى الزطلة على أنّها تطاولٌ من الفرد على منظومة هيمنتها (صورة الخلفية: أمين غرابي)

نشرت هذه المقالة الطويلة في نسخة المراسل الأولى في كانون الثاني/يناير 2020.

 

«ما الفائدة من خلق نظام من حديد ومواطن من زجاج؟»

محمد الماغوط

 

إذا كانت الأرض وخيراتها في ظل نظام إقطاعي أو رأسمالي أو في ظل الاحتلال، هي مأساة من يزرعها حين يعيش الاستغلال والاغتراب والاستلاب فيُفصل عنه منتوجه ويذهب فائض قيمته إلى من لم يعرق جبينه من أجله، فالسلام والسعادة وراحة البال هي مأساة الباحث عنها حين يلفّ سيجارة زطلة[1].

من لفّ الزطلة ونفث دخانها، فعل ذلك داخل حدود سلطة تسلب الحريات كلها، ما جهر منها وما استتر وحتى أبسطها، فيما هي تحتكر السعادة في طبقة مهيمنة تنتشي في الظل بالطرق كافة ولا تعاقَب بل يُعاقَب الظل (مثلما كان يحدث في سكسونيا حين كان لا يُعدم الأمير المذنب بل يُعدم ظله).

لو كانت الزطلة افتراضاً، بالنسبة إلى تمثُّلاتْ مستهلكيها ومعتقداتهم ومعيشهم، عملية بحث عن المتعة ونسيان للألم وتقصٍّ للسعادة، فإنّها أيضاً غربة مختارة في الزمان والمكان، تعوّض اغتراباً واستلاباً وجودياً: اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وحتى سياسياً. لكنها بالنسبة إلى السلطة تطاولٌ من الفرد على منظومة هيمنتها. هي ذلك الفلاح الذي يُحْرَمُ أن يتذوّق دڨلة عراجينه[2]، وهي كل من يُمنع من تذوّق ثمرة السعادة في واقع يُحتَكر فيه كل شيء ويقنن حسب سلطة النظام.

إنّ الفرد الذي يثور على لا عدالة السلطة وظلمها، والفرد الذي يدخّن «جونتة» (سيجارة زطلة) لينسى أو يتناسى اليوم الرتيب في واقع بائس، هما وجهان مختلفان في مواجهة عدو واحد، وهما بين أولئك الذين لا يعترفون للمهيمن بشرعية هيمنته، وإن كانت باسم قانون وضعه القوي ليظل قوياً. إلا أنّ السلطة لا تحب من يتطاول على مزاجها البنيوي، مزاج الهيمنة الرمزية، وهي تقنن السعادة وكيفية تحقيقها وأسلوبه.

 

القانون 52: رواية السلطة

«سنة سجناً وغرامة مالية لأنك دخَّنت سيجارة امتزج تبغها بمواد اختلطت مع القنب الهندي أو حتى لمجرّد استنشاق نسيمها في مجالستك لأحدهم»، تكاد هذه الجملة تكون توصيفاً لعقوبة جزائية بحق آلاف التونسيين بعدما يُعلَنون مذنبين على إثر فحص البول فحسب. لكن دخل هؤلاء السجون منذ عقود ولم تخرِجهم كما كانوا من قبل، بل لم ينجرّ عنها الهدف الذي أعلنه المُشرِّع، ألا وهو حماية المجتمع وإصلاح الخارجين عن نواميسه. هي دمّرت حياة من اعتبرتهم خوارج ولم تحمِ المجتمع.

زاد الطين بلّة بوصم آلاف الشباب وتحطيم مستقبلهم، بعدما صاروا أصحاب سوابق عدلية تحرمهم آلياً الوظيفة العمومية وعملياً أي عمل يرى ربه أنّ من عوقب سنة سجناً ليس عاملاً/موظفاً يؤتمن جانبه. أكثر من ذلك، باتت هذه السوابق تحدّ من حظوظهم في الحصول على تأشيرة سفر إلى دول الغرب التي تدقق وكالاتها، بالتنسيق مع وزارة الداخلية، في وجودها بحق مَن ينشدون النفاذ إلى ترابها.

هي عقوبة تُرتِّلها دولة تخلق السبب ثم تُحرِّم النتيجة، دولة تُغلق الأبواب قائلة: هِيتُ لك بقراءاتٍ سبع! إنّه واقع تعيشه تونس منذ سنين، وأنتجه اكتشاف السلطة وجود أفراد يدخنون مادة تجعلهم يبتسمون وينتشون في وجه دولة لا تنتشي إلا حين تقمع الابتسامات، دولة لا تبتسم.

 

يتمثّل النظام المرتعش الظاهرة الاجتماعية بصفتها ثورة على سلطته الأبوية (Picasso)

 

تتضح معالم عبوس الدولة، كما ثناياه وتفاصيله، في مقاربتها للظاهرة ومنهجيتها وآثارها، والتي نتبيّنها من الأرقام قبل الكلام. فتشير دراسة صدرت عن خلية علوم الإجرام في مركز الدراسات القانونية (عام 2015)، إلى أنّ بين 25 ألف موقوف هناك 8 آلاف بتهمة استهلاك المخدرات أو ترويجها، و9 من 10 هي قضايا استهلاك وغالبيتها قضايا استهلاك زطلة.

أثبتت هذه الدراسة أنّ 30% من المستهلكين هم من الفئة العمرية بين 18 و35 سنة، أي قرابة مليون مستهلك، وأنّ نسبة التعاطي تتركز بين 13 و18 سنة بنسبة 57%، وتقل تدريجياً بين 18 و25 سنة إلى نسبة 36,2%، و4,7% بين 25 و35 سنة، و2% بين 35 و50 سنة. تتطلب هذه الأرقام مركز دراسات لإنتاجها علمياً، لكن لقراءتها وتفسيرها فقط يتطلب الأمر عيناً ناقدة مجرّدة من سلطة القبيلة أو قبيلة السلطة أحياناً. فما هي الحكاية؟

 

حكاية 52... و52 حكاية

منذ عام 1992، عندما أصدر القضاء الفرنسي مذكرة توقيف دولية في حق المنصف الحبيب بن علي، شقيق الدكتاتور الراحل زين العابدين، للاشتباه في مسؤوليته عن إدارة شبكة ترويج مخدّرات بين فرنسا وتونس وهولندا، ثم استصدار حكم بالسجن عشر سنوات بحقه، جاء رد فعل النظام عبر قانون 52 متوائماً مع السياقين السياسي المحلي والجيوسياسي بعد هذه الفضيحة التي أطلق عليها اسم Couscous connection، ومع تحوّل استهلاك المخدّرات والتجارة بها إلى ظاهرة اجتماعية وتكرّر عمليات الاستهلاك والترويج.

جاء هذا القانون ليضع إطارَ التجريم القانوني لاستهلاك المخدرات وترويجها، أي في الأساس مجال هذه المقالة: القنب الهندي ومادة الزطلة. وهو يجُبُّ ما قبله. فقد ألغى قانون 47 لسنة 1964 ثم جرى تنقيحه سنوات 1995 و1998 و2003 و2009 و2017 تنقيحاً اتصف بتشديد العقوبة حيال الظاهرة الاجتماعية التي يتمثّلها النظام المرتعش بصفتها ثورة عليه أو بالأحرى على سلطته الأبوية، سلطة الأب الذي لا علاقة له بأبنائه إلا علاقة القهر والتسلط، الأب الذي يحرم أبناءه حقوقهم كلها ولا يتدخل إلا في فرض ساعة النوم وطريقته.

يُجرِّمُ القانون 52 في بابه الثاني، باب العقوبات وتحديداً في الفصل الرابع، الاستهلاك وينصّ بعقوبة سجنية من سنة إلى خمس سنوات، وبخطية مالية تتراوح بين ألف دينار وثلاثة آلاف لكل من استهلك أو مسك لغاية الاستهلاك الشخصي نباتاً أو مادة مخدّرة (وازت قيمة الخطية ثمن دراجة نارية من نوع Vespa، ولذلك حين اقترن اسمها بعقوبة السجن صارت: عام وفيسبا).

ورغم أنّ الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي تمايل في حملته الانتخابية سنة 2014 مع أنغام أغنية حوماني في مقهى ثقافي وسط العاصمة حين جرى حوار معه حول موقفه من عقوبة السجن وواقع الشباب عموماً وأبدى رفضه هذا القانون وما انجرّ عنه من مضار وأضرار للشباب، فإنّ تدخله بعد فوزه بالرئاسة لم يتعدَّ التنقيح (تنقيح 39 لسنة 2017) عبر الفصل 12 الذي ينصّ على ألا تطبق أحكام الفصل 53 من المجلة الجنائية على الجرائم التي يشملها القانون 52، ما منح القاضي سلطة تقديرية باتباع ما يحمل على تخفيف العقوبة والحط منها، أو ربما ما يُعبَّر عنه بوجدان القاضي في بعض المواضع.

لكن هل سلطة القاضي التقديرية ووجدانه التشريعي خاليان من تأثره بإسقاطات ذاتية على موضوع الحكم من جهة وبالوصم الاجتماعي للمتهم الماثل أمامه من جهة أخرى؟ وهو وصم يقوم على الانتماء الفئوي والطبقي والرأسمال الثقافي والاجتماعي والسوابق العدلية؟ هل كل من سيقف أمام القاضي بالتهمة نفسها (حيازة الزطلة واستهلاكها) سيُنظر في ملفه بالكيفية نفسها؟ تأتي الإجابة بالنفي من حالات اعترضتنا لم تشفع لها هذه السلطة التقديرية لأنّها لا تحوز على رأسمال رمزياً كافياً للعفو عن سابقتها الأولى أو ورطتها وملامحها «الزرقاء» (نعت لأصحاب البشرة الشديدة السمرة في تونس) وانتمائها إلى حي شعبي.

تصدمنا في مقاربة إستراتيجية السلطة في مواجهة ظاهرة الاستهلاك، والتي اتسمت بتشديد متواصل للعقوبة، الإحصائية المغنية عن كل تفسير وتأويل: كان عدد الموقوفين سنة ألفين في قضايا الاستهلاك 723 فصاروا 5,744 في 2016.

 

السلطة وما وراء التجريم

«الغباء هو فعل الشيء مرتين بالأسلوب نفسه وبالخطوات نفسها مع انتظار نتائج مختلفة»

أينشتاين

 

لا يزال القانون 52 مرآة للنظام ومنظاراً مجهرياً لكل باحث عن فهم تطوّر الـystèmeS الحاكم في تونس منذ الاستقلال ومدى تأقلمه وتعامله مع ديناميكية المجتمع وثقافته ومعاييره ونواميسه في عصر العولمة. لا يزال بتشبثه بمزيد من العقاب للمستهلكين تارة وبإظهار ضمان أدنى حدود العقاب تارة أخرى، أوديباً يعاقب نفسه ويفقأ عينيه بعدما أفسد كل شيء.

لا يزال هذا القانون، إلى أن يزول، شاهداً على مدى انفصال الدولة عن مجتمعها، بل غربتها عنه وتناقضها معه.

وما زلنا نعتبره خطراً على المجتمع، دون أن نرى أنّ استهلاك الزطلة فائدة له بل على العكس. لكننا نذهب قدماً في مستوى أوّل إلى اعتبار أنّ مبدأ الحرية أساسي في مقاربتنا لهذا القانون الذي سيزول لا محالة لأنّه لا مواطنة لمن يسجنون بسبب «جونته» في وطن لا يحترم ذكاء الزمن، الزمن المتغيّر. أما في مستوى ثانٍ، فتبدو عقوبة السجن مدمّرة للإنسان خاصة أنّ استهلاك الزطلة غير موجب لهذه العقوبة، فاستهلاكها منوط بالمستهلك ولا ينجرّ عنه ضرر إن وجد، لأنّ مفعول هذه المادة يجعل المستهلك يرنو إلى الهدوء والارتخاء باعتبارها من المخدّرات الخفيفة حتى بالإضافات التي فيها.

 

لماذا تعاقب السلطة المزطول ولا تعاقب المسطول بالخمر؟

 

إنّ تجريم الزطلة ومحاربة استهلاكها وتجارتها جعلا جزءاً من المستهلكين عرضة لاستهلاك أسوأ الأنواع لنُدرة المنتوج، أو التوجه نحو الأدوية والمخدرات الرخيصة، وذلك لغلاء أسعار الزطلة أو انقطاعها، بما في ذلك من مضار صحية واجتماعية وأمنية. فالمخدّرات الرخيصة المتأتية من أدوية على غرار السوبيتاكس والترونكا والكيتامين يمكنها تحويل مستهلكها، على عكس الزطلة، إلى شخص عنيف وغير قادر على التحكمّ في تصرّفاته بل يفقد الوعي أحياناً.

هذا كله يثير استغراب الباحث عن تفكيك ميكانيزمات اشتغال العقل الحاكم في تونس، خاصة لو قمنا بمواجهة المنظومة بتناقضها عبر المقارنة مع ترخيص تجارة الخمر واستهلاكه، والذي أثبت علمياً أنّه مضرّ صحياً ومذهب للعقل ومتسبب في نسبة كبيرة من حوادث المرور والجرائم بأنواعها. رغم ذلك، لا تجرمه الدولة بل تقنن استهلاكه وتجارته وإنتاجه بما يضمن احتكارها اقتصادياً.

لماذا هي لا تتعامل مع إنتاج القنب الهندي واستهلاكه والتجارة به بالمقاربة نفسها؟ لماذا لا تتدخل في هذه السوق وتنظمها وتحمي المستهلك بتوفير سلع غير معدّلة كيميائياً تُستخدم لغرض طبي صحّي أو لاستهلاك شخصي محمود العواقب، وتساهم في خلق منتجين وثروة مع إمكانية التحكم في العرض والطلب مثلما الحال في دول متقدمة؟ أو على الأقل ألا تجرّم الآلاف وتدمر حيواتهم؟

لماذا الكيل بمكيالين؟ لماذا تعاقب السلطة المزطول ولا تعاقب المسطول؟ هل ثقافة دولة الاستقلال وما تمخضت عنه عبر العقود تحوّلت إلى عقيدة لا تُحيَّنُ أصولها حسب السياق، وتكرِّس أصولية منهجها وإن كان يتعارض ويتناقض مع مصلحة الفرد والمجموعة وحتى مع مصلحتها كسلطة، إرضاءً لاعتقادات دغمائية محافظة؟

تأتي الإجابة في جزء من طاولة الحقيقة. وفي الجزء الآخر من فرضية أنّ مدرك ثنايا المعيش اليومي لشباب الأحياء الشعبية قبل الثورة وإبانها وبعدها، يعلم أنّ الكفة تميل إلى الزطلة بالمقارنة مع الخمر إذا احتسبنا تكاليف «الشيخة» (النشوة واللذة الناتجة من الخمر أو المخدرات في هذا السياق). فالزطلة توفّر النشوة بأقل تكلفة وأسرع مدة وأقل ضرر، وهي مصدر سعادة سريع ورخيص لشريحة كبيرة من الشباب.

لكنّها أيضاً مصدر خطر على اقتصاد الخمر من منتجين ومروّجين وحانات ونقاط بيع يقننها النظام الذي يقوم جزء كبير من اقتصاده بل من ناتجه الخام على إنتاج الخمور واستهلاكها. فهل من مصلحة اقتصاد «لِشْراب» ولوبياته تقنين الزطلة بل حتى نبتة القنب الهندي والماريغوانا وتوفير سلع نظيفة صحية ومتحكم في أسعارها؟

أكثر من ذلك: هل من مصلحة بارونات تهريب الزطلة التي تتشابك علاقاتها مع السلطة القائمة في إطار شبكة فساد متشعبة، تقنين الاستهلاك وإنتاج سوق متحكم في أسعارها تقضي على اقتصادهم غير النظامي في الظاهر والمتعامل مع النظام في السرّ وأحياناً في العلن؟

طبعاً الإجابة بالنفي تكشر عن أنيابها مبتسمة وتضيف تأكيداً آخر أنّ النظام القائم، بما هو توازنات مرتكزة على ترابط مصالح معقد، لن يسمح بواقع ينقض أركان مثل هذا الاستقرار الذي يفسّر الحرب على مستهلكي الزطلة. لقد صار الشباب يلجؤون إلى ما هو أخطر وأكثر ضرراً: الأدوية التي يحوّلونها كيميائياً إلى مخدرات قاتلة ومدمرة على المديين المتوسط والطويل، وأحياناً المدى القصير.

 

موسيقا الـRap والزطلة

نعرف كيف تغنى أبو نواس بما كان مصدراً للوصم بسبب التحريم والتجريم (دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء/ وداوني بالتي كانت هي الداء). لقد اعترف بأنّها داء لكنه كان يدمنها، بل يعيش ذلك الإدمان كحالة وجودية ومصدر للإلهام. لا تختلف الحال كثيراً في عصرنا هذا عن الواقع التونسي، إنّما بتعويض الخمر بالزطلة والشِعر بالـHip Hop كحركة ثقافية عموماً، وبموسيقا الـRap كشكل موسيقي يندرج في إطارها على وجه التحديد، وأيضاً بأشكال موسيقية أخرى كـR&B  أو أشكال منحدرة من الـRap مثل Trap (استيتيقا جديدة الـRap تتسم بنسق أكثر بطئاً).

صار الـRap تحديداً مع تنزيله في سياقه التونسي لخصوصية تمازجه مع أنواع موسيقية مختلفة، الشكل الموسيقي والفعل الثقافي المحامي والمساند لاستهلاك الزطلة، باعتبارها سمة من حالة وجودية بأتم معنى الكلمة. وهذا على عكس المِزوِد، وهو نوع موسيقي فولكلوري كان في حضن نظام بن علي يذرُّ الرماد على العيون فلا ينتقد واقع الفقر والبطالة وقمع الحريات بل كان جهازاً من أجهزة النظام الأيديولوجية كالإعلام وشُعب الحزب: يُروِّضُ المجتمع ويخدِّرُ الشباب ليصيروا ناطقين باسم مشاعر الحب والغدر والخيانة كأنّ مأساة جيل بأسره تُختزل في العلاقات العاطفية.

على عكس المِزوِد تماماً كانت موسيقا الـRap ناطقة على لسان مغنييها، وراوية لما يحدث في ثنايا مدن الفقر وشرايينه، وناقدة للواقع والمتسببين فيه، ومنددة بالخصم غير المباشر، ألا وهو البوليس والـystèmeS ككل.

 

 

 

كنت في مقالة سابقة في موقع المراسل (سيعاد نشرها قريباً في صفحة الأرشيف) تحدثت عن أغنية حوماني، وهي مزيج مما سبق ذكره من أشكال موسيقية نطقت على لسان عالم الحومة الشعبية في تونس. وكان أحد مغنييها (إلى جانب محمد أمين حمزاوي) اشتهر باسم كافون في السجن حين صدرت ونجحت إلى درجة أنّها تحوّلت إلى ظاهرة فنية بل اجتماعية، وصادف أنّ كافون كان قد سجِن بسبب استهلاك الزطلة فخلق موجة تعاطف كبيرة معه وجعل من موضوع قانون تجريم الاستهلاك حديث الساعة في تونس.

تكاد لا تخلو أغنية Rap، خاصة منذ الثورة، من هجاء للسلطة والبوليس المُنفذِّ لسطوتها على الشباب المستهلك للزطلة. كذلك تكاد لا تخلو من رثاء للمسجونين بسبب القانون 52، ومن غزل أو تغزل بالزطلة ومفعولها وأثرها بل مدح ثقافتها.

نعم، لقد صار تدخين الزطلة يتم عبر تأطير يقارب الواقع من خلال إطار تأويلي يكثّف في حدوده قيم الحرية والتحرّر والسعادة والسلام بل رفض النظام، وهي ثقافة جيل بأكمله عايش ما قبل الثورة وإبانها وما بعدها عبر خطاب كانت موسيقا الـRap حمّالة بمعانيه وحاملة له.

إن كان هذا الخطاب يختزل سبب الصراع مع السلطة في تجريم استهلاك الزطلة التي تعوّض عن اغتراب مستهلكيها، ويختزل الخصم في البوليس الذي ينفذ عملية الإيقاف، والمقاومة في الأغاني وكلماتها ولحنها، فهو خطاب ينطق على لسان ظاهرة اجتماعية تذكّرنا بظاهرة Hippies مع تعويض موسيقا الـRock بموسيقا الـRap، وتثبيت مكانة المخدرات كمصعد لمشاعر الاختلاف الراديكالي مع الواقع والمجتمع والدولة.

إنّه خطاب يحمل ثنايا تغيير عميق في علاقة الشباب، كمجال اجتماعي هش، بالدولة ومؤسساتها وتشريعاتها وسياساتها كمحددات بنيوية لتلك الهشاشة. وهي علاقة تتصّف بقطيعة في الظاهر والباطن، أي علاقة عداء وخصومة تتجاوز عقوبة السجن بسبب الاستهلاك وتعود إلى علاقة معقدة بين عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية أقامت برزخاً بين ystèmeS متكلّس خائف من كل مختلف وجديد وثائر وبين جيل صارت أقصى حدود العالم لا تكفيه. (حتى إن كانت تلك الحدود هي حدود أوروبا وأحلامها التي يدركونها عبر قوارب لا يمتلكها النظام، وحتى إن كانت هي حدود الرقة أو دير الزور في راديكالية متنقلة دامية).

لكن لا يمكن أن نمرّ مرور الكرام عند حديثنا عن موسيقا الـRap وعلاقتها باستهلاك الزطلة وتجريم الدولة له، دون أن نُعرِّجَ على كيف ساهم سجن مغني الـRap مروان الدويري Emino بسبب استهلاك الزطلة، في تحويله بعد مدة قصيرة من خروجه من السجن إلى جهادي يعلن جهراً لا سراً أنّ سجنه بسبب «جونته» هو سبب من أسباب كرهه الدولة والبوليس وذهابه إلى سوريا للانتقام لعدم توفر إمكانية انتقام في تونس.

تحدّث الدويري بعد خروجه عن الوضعية في السجن ووجود مجرمين خطيرين معه في الزنزانة نفسها، في اعتراض ضمني منه على معاملة مستهلك الزطلة كأيّ مجرم خطير. كما أنّه هاجم في بثّ إذاعي مباشر البوليس بعدما احتجّ على ما حدث له وما رافق ذلك من شعور بالضيم والمهانة، ليعلن للمجتمع والسلطة والإعلام، في رسالة شبه مشفرة، أنّه في سيرورته نحو أن يصير جهادياً ينتقم منهم وحتى من نفسه.

وقد صرّح بذلك في حديث إذاعي آخر، ثم في أغنية Wanted عام 2013، التي صدرت قبيل ذهابه إلى سوريا وأبرزَت مظاهر تحوّله الجوهري بعد تجربة السجن. وكان هذا التحوّل واضحاً أيضاً في الأغنية الأخيرة Loin de ce monde التي تعدّ وداعاً لكلّ ما مضى من حياته، ليثبت لكل باحث عن إجابة أنّ تلك التجربة القاسية أثارت بشكل كبير مشاعر الحقد والنقمة والغضب في داخله، ما انعكس بوضوح على سيروراته الشخصية التي اتخذها بعد ذلك، والتي غدا بعضها يتجه نحو التطرف والأساليب التي فقدت بوصلتها.

 

 

 

ليس السجن بسبب «جونتة» مثيراً بافلوفياً ويجعل المسجون يستجيب بصفة لا واعية لنداء الراديكالية بأنواعها، بل هو تغذية لوعي الأخير بعيشه في مجتمع يرفضه ويلفظ الحرية، وذلك ما يغذّي تناقضه مع الكل بما هو سلطة ومجتمع سواء أكان الرفض عزلة أم هجرة غير شرعية أم تطرفاً عنيفاً أم خضوعاً لهذا الكل وإكراهاته بتحوّله إلى جزء منه.

لم نرَ لهذا السجن، بكل العيون الباحثة عن الفهم، فضيلة أو نفعاً إلا ربما تلك اللذة التي يشعر بها الـ Système السادي حين يحطّم حاضر آلاف الشباب ومستقبلهم معتقداً أنّ في ذلك حماية للغالبية التي تظن أنّها غالبية أو تتمنى ذلك، ولمنظومتها من شرّ أقلية شاذة متصعلكة.

لم تكن موسيقا الـRap وحيدة في التشهير بتعامل السلطة مع هذه الظاهرة، لكنها اكتفت بالتشهير ولم تنخرط في فعل جماعي منظم لتغيير هذا التعامل. بينما ظهرت حملات، عبر المجتمع المدني، تنخرط في فعل جماعي يعالج هذه الظاهرة في علاقتها بالسلطة، ومن أهمّها وأكثرها فعالية «الائتلاف من أجل تقنين القنب الهندي». ولعلّ ما ميّز هذه الحملات هو انطلاقها من تشخيص علمي واقتصادي يعطي حججاً متينة لعملية التقنين ومنع التجريم.

لقد قدّم الائتلاف في عام 2019 مشروع قانون من 40 فصلاً، معزّزاً إياه بفعل جماعي ميداني عبر حملة «بالجمهور سيقنن» وعبر نقاش جماهيري في 4 أيار/مايو من العام نفسه. وبعد النقاش، تم تعديل مشروع القانون في ضوء التفاعل مع المجتمع، ثم جرى طرحه على نواب وسياسيين لتبنيه، وأخيراً توصلوا إلى التزام أخلاقي مع ثلثي النواب حول تقنين القنب الطبي بحلول 2020.

وتزامناً مع الانتخابات التشريعية والرئاسية (السابقة) نشطوا عبر هاشتاغ #الائتلاف-يسأل-المترشحين، وذلك للاستفسار حول مواقفهم من العقوبة السجنية وتقنين القنب الطبي والعفو التشريعي لـ120 ألفاً سجنوا بسبب الزطلة منذ 1991. قدّم هذا الشكل من الفعل الجماعي طرحاً جديداً في مقاربة المجتمع المدني ظاهرة استهلاك الزطلة وتعامله مع مقاربة النظام لها، وذلك عبر تشخيص الظاهرة ثم طرح سبل حلّ المشكلات بل الفوائد الممكن استنباطها، أي عبر تقديم مشروع مجتمعي متكامل وبديل.

 

البوليس: ملعون إذا فعل، وملعون إذا لم يفعل

Police: «Damned if they do, damned if they don’t»

هكذا تفيد العبارة الأميركية الشهيرة... فكل الظواهر الاجتماعية التي تواجهها السلطة بجهل وعنف ودون بحوث علمية معمقة أو سياسات استشرافية حوّلت البوليس إلى درع يتلقى ردود فعل المفعول به بدلاً عن الفاعل. تحوّلت المنظومة الأمنية إلى جهاز قمعي يمارس حق القوة باسم الدولة، لا قوة الحق باسم الشعب وشرعيته. وصار عنفه مقنناً باسم قوانين قمعية لكن فاقد لكل شرعية، بما أنّ الخاضع لهذه القوانين متضرّر منها وغير قابل إياها بل انتفض ضدها في سياقات عدة.

غدا البوليس ملعوناً من الذين يتعرّضون لأثر عصاه إن قام بتنفيذ أوامر دولة تأتمر باسم طبقة مهيمنة وترى تحقيق الأمن في قمع من هيمنت عليهم ودمرت حياتهم، وملعون أيضاً إن قصَّرَ في القمع وتأثر بمناخ تغلبت فيه الحرية على الأمن في واقع ديناميكي صار فيه للمهيمن عليهم صوت وفعل.

 

البوليس هو العصا الغليظة للسلطة بالنسبة إلى المنبوذين كافة (Accessnow)

 

بالنسبة إلى المنبوذين كافة، اللامرئيين في إعلام الطبقة المهيمنة ومراكز دراساتها وسياساتها التنموية، والذين لا يحضرون سوى في مراكز الإيقاف والسجون، إنّ البوليس هو العصا الغليظة للسلطة بل هو السلطة في حيثيات وجودها في كل مكان عبر القمع ومن أجله. ففئة واسعة من شباب الألتراس ومغنيي الـRap وشباب الحومة الشعبية عموماً يستهلكون الزطلة، ليضاف سبب آخر، أو مبرر، لتصادمهم مع البوليس، ويعدّ كرههم له بيّناً وجليّاً في أهازيج وأغاني مجموعات الأنصار في مدارج الملاعب، وبخاصة في أغاني الـRap.

وما أغنية البوليسية كلاب والزخم الذي واكب ظهورها وإيقاف مغنيها في سياق ما بعد الثورة إلا إثبات لتحوّل الصراع من صراع بين طبقة مهيمنة (طبقة ريعية مالكة لكل شيء) وأخرى مهيمن عليها (بقية الشعب)، إلى صراع بين فئات وشرائح تنتمي إلى الطبقة المتوسطة العليا نفسها، أو السفلى، وهي تقريباً في شريحة عمرية ما بين 18 و35 سنة، لها مستوى تعليمي لا يتجاوز الإجازة الجامعية وتنتمي إلى ضواحي الإفراد المجالي في عالم الحوَم الشعبية.

لسنا نبحث عن اختزال المستهلكين في هذه الفئة لأنّ غالبية الفئات، بخاصة فوق المتوسطة والثرية، تستهلكها إنما بفارق في نوعية المنتوج ومدى التعرّض لظلم البوليس في دولة لا يتساوى فيها المواطنون أمام القانون وسلطة تنفيذه لعدم تكافؤ رؤوس أموالهم الاقتصادية أو الاجتماعية العلائقية الثقافية ومن ثم الرمزية.

هكذا يرتطم البوليس بجيل الشباب الذي يخضع لإكراهات في واقع سبق أن شخصناه بواقع الهيمنة والتمييز السلبي، رغم أنّ البوليس ليس مهدداً لا بالإيقاف ولا بالسجن حين يستهلك الزطلة.

 

مسوّدة من أجل إتنوغرافيا وسوسيولوجيا الزطلة

ثمة رحلة يقوم بها المستهلك يومياً ليقتني الزطلة بين فيسبوك والاتصال الهاتفي بكلمات ورسائل مشفّرة، مُستثمراً في ذلك رأسمال ثقافياً بل حسّاً عملياً يجعله يَسلكُ طريقه نحو المنشود بأقلّ ثمن وفي أقلّ وقت وبأخفّ الأضرار: «الشِيخَه» (اللذّة/النشوة) ليركُنَ في ما بعد إلى تقاليد روتينية يُدركها المستهلك المتعوِّد لنتجنّب مفردة «مُدمِن» بسبب ضعفها علمياً في توصيف العلاقة مع مادة الزطلة.

وإن كانت موسيقا الـRap حاملة لراية المدح للزطلة ولرثاء ضحايا القانون 52 وهجاء البوليس والدولة والمجتمع، فهي ليست بالضرورة المناخ الفني المناسب لغالب المستهلكين الذين يحبّذون موسيقا هادئة ومهدئة تدفع إلى الاسترخاء في مكان بعيد عن الأعين وعن غير المستهلكين، البوليس على وجه الخصوص.

 

لماذا يستهلكون الزطلة؟ الإجابات الأولى: بحثاً عن الاستكانة والاسترخاء، أو حسب معجم الشباب المستهلك: «يِسْتْكَنْتى»، أي بما معناه استكن الشخص: استتر ورجع إلى كِنّه، أو «يِسْتِخرَنطي»: الأقرب إلى أن تكون استرخاء وانتشاء وتوحداً مع مفعول الزطلة.

هم يجدون في مفعول الزطلة ملاذاً في بحثهم عن ترويض الواقع الذي يتناقضون معه، فيتحوّل الزمن الذي يستهلكونها فيه زمناً تتكثف فيه علاقة الهرب من الوضعية والسياق والمكان نحو حيّز وجودي تتضافر فيه الأدخنة والموسيقا والمشاعر والخواطر لتجعل الفرد المستهلك متوحداً مع هدف أو رغبة وحيدة: الشعور بالحياد في مستوى أول، ثم الاسترخاء والاستسلام للحظات من السلام مع الذات، حتى لو كان سلاماً كيميائياً لا يدوم.

لكن يمكن لهذا السلام أن يتحوّل إلى مصدر للإلهام والإبداع لدى كثيرين، بخاصة فنانو الـRap وغالبية أنماط الفن البديل، وحتى الكتاب والشعراء والباحثين. لا الشباب فقط الذين يبحثون عن ترويض الواقع فحسب. فلا يستهلك الجميع الزطلة للدوافع والأسباب نفسها، ولا ينتجون السلوكيات نفسها، ولا يعيشون التجارب نفسها، ولا يخضعون للإكراهات والعواقب نفسها، أو بالأحرى لا يتعرضون لها بالدرجة نفسها. كل شيء يختلف باختلاف رأس المال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والرمزي للمستهلك.

لكن بحثاً عن وضع أسس فرضيات ممكنة لقراءة سوسيولوجية، هل يمكن طرح سؤال لماذا؟ ثم نبحث عن أسباب مباشرة نفسّر بتبيانها، عبر عوامل وشروط معينة، ظاهرة استهلاك الزطلة كأنّها كل متجاوز لمجموع أجزائه، أي أنّها خارجة على إرادة الأفراد وتمثّل قهراً وضغطاً عليهم باعتبار أنّ وجود الفرد في ظل واقع معين هو الذي يصيّره مستهلكاً.

 

عالم الاجتماع الأميركي هاوارد بيكر (The New Yorker |Simon Prades)

 

ما بين الكل والجزء، تذهب مقاربة عالم الاجتماع الأميركي هاوارد بيكر إلى تجاوز هذا التضاد الكلاسيكي لطرح مقاربة بديلة خاصة في مقاربة ما يسمى «الانحراف». فتذهب غالبية المقاربات، بخاصة البسيكولوجية، إلى اعتبار أنّ استهلاك المواد المخدّرة كسلوك هو ناتج من دوافع انحرافية، أي بمعنى أنّ فيها كل ما هو انحراف عن السائد من سلوكات تتحدد طبقاً للقانون والعادات والتقاليد وما هو متفق عليه. إلا أنّ بيكر ينتقد في كتابهOutsiders  هذه المقاربة ويعدّها اختزالية، خاصة في الجزء الذي يفسّر فيه كيف نصير مدخنين للماريغوانا، ويؤكد عبر ما أفرزته بحوثه أنّ المعادلة معكوسة.

ليس الدافع الانحرافي، أو الدوافع هي المنتجة والمسببة للسلوك الانحرافي بل العكس: السلوك المنحرف/الانحرافي هو الذي ينتج عبر مرور الوقت الدافع الانحرافي/المنحرف. فالاستهلاك منوط بالمفهوم الذي يكوّنه الفرد من تجربة الاستهلاك والمعنى الذي يعطيه لذلك الفعل، والمفهوم والمعنى يتطوران بتطوّر التجربة وثنايا المعيش اليومي الذي يتخلله فعل الاستهلاك.

فاستهلاك الزطلة كسلوك، عبر تجربة الاستهلاك اليومي في مدة زمنية، ينتج دوافع فردية وجماعية لهذا الفعل، وذلك ما تبيّناه من كلمات أغاني الـRap وكيف صار استهلاك الزطلة كسلوك خلّاق لمعانٍ ودوافع تختلف طبقاً لتطبّع المستهلك واستعداداته الاجتماعية من جهة، والسياقات التي يوضع فيها من جهة أخرى، وذلك في إطار ديمومة التجربة المستمرة وتكثيف المشاعر والتمثّلات في المكان والزمان.

 

لماذا لا يستهلكونها؟ أثبت بيكر في دراسة حول مدخن الماريغوانا في أميركا Marijuana Man، ومن خلال استجواب عشرات الأشخاص، أنّ غالبية الذين قاموا بتجريبها وقالوا إنّها لم تعجبهم بل لم تؤثّر فيهم البتة ولم يعيدوا الكرة هم في الأصل لم يدخنوها كما يجب وذلك بخزنها بعد استنشاقها أطول مدة ممكنة في الصدر قبل نفثها. فالتعوّد ناجم عن الشعور بمفعولها، ومن لم يشعر بذلك المفعول فلن يعيد الكرّة بديهياً.

أما فئات مختلفة من الشباب فلا تستهلكها بل تصِمُ مستهلكيها لأسباب ومنطقيات ومبررات شتى، وقد تكون لم تجربها أصلاً، وفي ذلك فرضيات مختلفة من بينها التطبّع السائد الذي يحتقر مستهلكي المخدرات إلى جانب الخوف من العقوبة السجنية والخضوع للمعايير بما هي قاعدة تحدد وجود غالبية وسلطة في كل مجتمع حسب علم النفس الاجتماعي، أو بسبب التدين أو أسباب أخرى.

 

من الذين يستهلكونها؟ الجميع دون استثناء يمكن أن يكونوا مستهلكين ولكلّ كيفياته وأسبابه. لكن الذين يمكن تحديدهم هم فقط من نكتب عنهم ونستقي معلوماتنا منهم، وهم الأكثر عرضة للعقوبة خاصة الشباب الذين يشهرون ذلك. وحين نقول «الجميع» فنحن نتحدث عن عدم إمكانية اختزال القابلية للاستهلاك في فئات معيّنة، بل على العكس إنّ استهلاك الزطلة خاصة في سياق تونس ما بعد 14 جانفي 2011، بما هو سياق الحرية من جهة وفقدان الأمل من جهة أخرى، هو سياق فيه تكثيف اجتماعي اقتصادي نفسي ووجودي للحاجة إلى النسيان والهرب من الواقع أو ترويضه أو الرضوخ له أو البحث عن مصادر إلهام لمواجهته.

إنّه سياق صار فيه الشباب يحتاجون إلى ملاذات مختلفة: ملاذات ثقافية (الثقافة البديلة للبعض وثقافة الاندرغراوند للبعض الآخر)، واجتماعية (البحث عن المرئية الاجتماعية لمن هم الأكثر تعرضاً للتغييب والاعتراف لمن هم ظاهرون لكن دون جدوى)، وسياسية أيديولوجية (انتخاب قيس سعيّد كرسالة للسلطة من جهة أنّ قوة ماكينة الإعلام والمال لا تستطيع إقصاءهم، وانتخاب قيس مخلوف رئيساً لحركة ائتلاف الكرامة كرسالة للنخبة بأنّها لا تشبههم من جهة أخرى)، واقتصادية (اقتصاد الإنترنت للبعض والهجرة غير النظامية للبعض الآخر)، ونفسية وجودية لا تمكن مقاربة تعقيداتها.

 

لم تكن هذه السطور دراسة علمية حول مادة الزطلة، أو سوسيولوجيا واتنوغرافيا استهلاك وتجريم استهلاكها من قبل السلطة من خلال القانون 52. إنّما حكاية تحاول التفسير ببحث منهجي عالج معطيات أولية وثانوية في علاقة بكيف ولماذا يستهلك الشباب اليوم هذه المادة وكيف يتعاملون مع السلطة من خلال طرح فرضيات في كتابة لا تدّعي حياداً علمياً أعمى بل تلتزم الدفاع عن حق الشباب المستهلكين بالحرية التي لا مبرّر لسلبها لمجرّد تدخين «جونته». وقد جرى ذلك من خلال البحث عن كشف ميكانيزمات اشتغال منظومة العقاب غير العادلة.

هي أيضاً دعوة للرأي العام والسلطة ومن يهمهم الأمر إلى تدبّر معمّق لهذه الظاهرة وخطوط تماسها هنا وهناك، لكن دون أن نعتبر موقفنا المعارض لتجريم العقوبة السجنية موقفاً مقدساً لاستهلاك مادة الزطلة التي إضافة إلى الضرر الصحي الذي ينجرّ عن استهلاكها على المدى الطويل بعد الإضافات الكيميائية وأحياناً السامة على مستخرج القنب الهندي، لها ضرر نفسي واجتماعي على الفرد الذي يعتزل الحياة عبر موقف سلبي تساهم فيه دوافع الاستهلاك وسلوكاته.

إنّ الحل في تصوّرنا في مستوى أوّل هو في إلغاء التجريم ومحاربة تهريب المخدرات لا المستهلكين. وفي مستوى ثانٍ تقنين إنتاج القنب الهندي وتجارته واستهلاكه في حالته الخام، وهو منتوج نافع صحياً وغير مضر وغير مسبب للإدمان ومربح اقتصادياً. وفي مستوى ثالث التأسيس لمشروع مجتمعي يعالج مسألة إدمان المخدّرات مع التفريق بين الثقيلة منها والخفيفة، وبين ضررها ونفعها، وسط استيعابها كظاهرة ومعالجة أسباب إقبال الشباب عليها بفهمها وتفسيرها علمياً، وبالتالي جعل الشباب فاعلاً لا مفعولاً به في قضية تهم مصيره ومصير مجتمع بأسره.

 


[1] الزطلة مادة مخدّرة متأتية من إضافات تطرأ على نبتة القنب الهندي. معنى الزطلة/مزطول في اللهجة التونسية يأتي من فعل سطَلَ. في معجم اللغة العربية المعاصر: يَسطُل سَطْلاً فهو ساطِل والمفعول مَسْطول: سطَلته الخمرُ، خدَّرَته.

[2] هكذا استعرنا عنوان رواية البشير خريف الدڨلة في عراجينها (1959) ونزلناه في سياق المقالة مع استعمال مفردة الزطلة عوضاً عن الدڨلة، وذلك لأننا نسعى إلى أن يشبه نصنا هذا نص البشير خريف الذي يرتقي، كما شبهّهُ الكاتب نجم دين خلف الله في مقالته حول الرواية، إلى مستوى بحثٍ اتنوغرافي أوفى بشرط النجاح بتحوّل الباحث إلى جزء من نسيج المكان الذي يدرسه. فتلك الرواية كانت شهادة تاريخية سردت ما فعله الاستعمار الفرنسي في تونس، في جهة الجريد تحديداً، وكيف فرض نموذجيه الاقتصادي والاجتماعي على الناس وأرضهم، ما جعلهم يشعرون فيها بالاغتراب عبر تعرض شرائح اجتماعية لاستغلال الإقطاعيين، وهو ما كرّسَ ملكية الأرض كمصدر للمأساة الاجتماعية. لكن استعارتنا العنوان لم تكن لهذا السبب فقط، بل لأنّ أفضل أنواع الزطلة في تونس تُسمَّى التمر وأحياناً الدڨلة، وهي من بين التي تأتي من المغرب بحراً (ترمى في البحر عبر مهربين) وبراً (عن طريق الجزائر) وجواً (شباب يسافرون إلى المغرب ويبتلعون أكياساً صغيرة مليئة بالزطلة ويعودون بها إلى تونس ثم يستخرجونها من فضلاتهم في ما بعد).

سفيان جاب الله

باحث تونسي في علم الاجتماع.

×